You are here

منطقة اليورو والمطامح الألمانية

Mohamed Souaissy's picture

تأليف : محمد السويسي
بتاريخ 12 أيلول 2012 أقرت المحكمة الدستورية الألمانية في كارلسروه تفويض حكومة انجيلا ميركل وضع آلية للإستقرار المالي الأوروبي بإنشاء صندوق إغاثة لدول منطقة اليورو المثقلة بالديون والإنضمام اليه بحصة أولية لاتزيد عن 190 مليار يورو بدءاً ، على أن تعود الى البرلمان في بلدها للحصول على موافقته عند اقتراح أي زيادة إضافية في رأسمال الصندوق ، علماً أن هذه المساهمة هي الأكبر بين دول الإتحاد الأوروبي لإنشاء هذا الصندوق المقترح من قبلها ليمول من الإتحاد ب/500/ مليار يورو لدعم الحكومات المتعثرة في محاولة منها لمنع إنفراط عقد منطقة اليورو .
والسؤال المطروح هنا هو عن الدوافع الألمانية وراء هذه المحاولات العقيمة لمنع سقوط دول اليورو رغم إفلاس بعضها وتعثر البعض الآخر مع فشل مشروع منطقة اليورو برمته في النهوض بأوروبا وعدم القدرة على تجاوز عاصفة التردي الإقتصادي التي بدأت تذر بقرنها منذ الربع الأخير من القرن الماضي ، أو بالأحرى منذ بدء نهضة الإقتصاد الصيني وإغراقه الأسواق الأوروبية بسلع زهيدة الثمن .
والجواب هو باستعراض خطوات الحكومة الألمانية بعد حصولها على موافقة المحكمة الدستورية التي ينبىء مضمونها بأنها تسعى الى مافشلت فيه عسكرياً في الحرب العالمية الثانية في الهيمنة المالية والإقتصادية والسياسية على أوروبا ، إذ أنها تسعى من خلال صندوق الإقراض هذا الى إنشاء هيئة مراقبة مالية عامة من مراقب ألماني أو خاضع لتوجيه المانيا وإشرافها على جميع مصارف منطقة اليورو التي تستدين من صندوق الإغاثة المقترح ، بما أنها المساهم الأكبر في حصة الصندوق . حيث أن هذه المصارف ستعمد بتوجيه من المانيا ومراقبتها الى شراء السندات الحكومية بما يكفي لتمويل رواتب الموظفين والتأمينات الإجتماعية كما وإقراض المشاريع الصغيرة بشروط قاسية ، خاصة الزراعية منها .
إلا أن هذه التدابير غير كافية مع تراجع أعمال الطبقة الوسطى وإغلاق العديد من المصانع وتفشي الفقر والبطالة أمام الأزمة المالية التي عصفت بأوروبا مع سؤ التدابير الحكومية لدول المنطقة وقصر نظرها بالتخلي عن الورادات الجمركية وفقاً لقانون منطقة اليورو، كما عدم وجود قانون يمنع إنتقال الأموال الأوروبية نحو الخارج ، مع تفاقم الأزمة ، من قبل كبار الرأسماليين لاستثمارها في الصين مع تدني أجور اليد العاملة الصينية وإعادة تصديرمنتوجات إستثماراتهم الصينية لأوروبا ، مما زاد من تفشي البطالة لديهم مع عدم قدرة مصانعهم على مواجهة هذه السلع الإغراقية لارتفاع أجور اليد العاملة لديهم .
والقصد من خطة ألمانيا في هذا التصرف هو إبقاء سوق منطقة اليورور الأوروبية بعيدة عن التغلغل السلعي الصيني مااستطاعت وحصره فيها بشراكة أمريكية ، مع تدفق الأموال من أثرياء وول ستريت للإستثمار في ألمانيا بعد إنفجار الأزمة المالية في أمريكا .
إلا أن إن المنحى الألماني لن يؤدي الى أي نتيجة في النهاية ، بل سيزيد الأمور سؤاً وتعقيداً مع تفاقم البطالة الأوروبية ، لأنهم بمحاولاتهم تلك إنما يستغلون أزمة منطقة اليورو وإغلاق المصانع فيها للنهوض بصناعاتهم والتوسع فيها على حساب تردي صناعات وإنتاج الدول الأوروبية الأخرى بمشاركة أمريكية . لذا فإن محاولاتهم تلك ليست سوى تأخير لانفجار منطقة اليورو وتفككها ؛ لأن استحواذها على الصناعات الأوروبية وحاجات أسواقها من البضائع المستوردة من ألمانيا أو الخارج سيزيد من تفكك مصانع منطقة اليورو وإنتشار البطالة وتزايد الفقر فيها ، خاصة وأن حكوماتها ستعجز عن تسديد ديونها للمصارف أو حتى دفع فوائدها في يوم ما ، لانعدام مواردها مع تخليها عن مواردها الجمركية وفقاً لمضمون قوانين المنطقة وتقيدها بإتفاقية منظمة التجارة العالمية ، بالإضافة لارتفاع أجور اليد العاملة لديهم .
لذا فمن الأجدى على ألمانيا ان تبحث بتعاون مع شركائها الأمريكيين على إيجاد حل بديل وهو تسهيل حل منطقة اليورو بكل قوانينها التي تسببت بالخراب لأوروبا بما رأيناه بعد إثني عشر عاماً من قيامها المتمثل في تراجع إقتصادي ومالي دائم ؛ كما حل منظمة التجارة العالمية مع تزايد سلبياتها على إيجابياتها ، أو إلغاء بند رفع الحماية الجمركية حتى تستطيع دول منطقة اليورو وكل الدول المتعثرة الموقعة عليها للنهوض باقتصادها مع إعادة فرض رسوم الحماية الجمركية على مستورداتها بما يتوافق وحاجات كل دولة على حدة ، على أن يستبدل ذلك باتحاد أووربي نقدي يحافظ على اليورور على أن تصدر كل دولة نقداً خاصاً بها أو تعود لعملاتها القديمة قبل نشؤ منطقة اليورو .
إلا أن هذا يقتضي لإصلاح الوضع وانجاحه البدء بلجم التضخم من مدخل ملزم يتطلب خفض أسعار النفط الى الخمسين دولاراً للبرميل الواحد كحد أقصى ، وخفض أجور الخدمات الحكومية من هاتف وكهرباء وأجور النقل والمواصلات حتى يمكن تخفيض أجور اليد العاملة الى الحد الأدنى المقبول لمستوى معيشة تقشفي ملائم مع وجود وإقرار كافة التأمينات والضمانات الصحية والإجتماعية ليمكن إعادة بالنهوض بإقتصاد أوروبا وكل دولة متعثرة في العالم بعد إصلاح الوضع الضريبي برمته بإقرار الضريبة التصاعدية على شطور عالية ، كحل بديل لمواجهة التمدد الصيني السلعي ولوقف تنامي البطالة والفقر وتفشي الجريمة .