You are here

المملكة العربية السعودية ومحاولات الإصلاح

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

إن الإحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 وتسليمه لإيران مع السماح لها بالتمدد نحو الدول العربية للإطاحة بأنظمتها دون مبرر جعل الدولة المملكة العربية السعودية في موقع الحذر مع استهداف اميركا لنظامها ولدول الخليج  بقناعها الإيراني الظلامي باعتمادها اعمال القتل والإبادة للمسلمين  وتهجيرهم على اسس طائفية مذهبية كما هو جار في سوريا والعراق مع إعلام إيراني داخلي بان هذه الحرب هي رد على هزيمة القادسية وبالتالي للتسريع في إظهار المهدي المنتظر .

هذه الحرب الاميركية العدوانية ضد الامة العربية والإسلام جعل الملك عبدالله بن عبد العزيز يدرك ضرورة تطوير المجتمع السعودي بتحصينه من هذا الإرهاب الاميركي القادم بقبضته الإيرانية  بإقرار الضمانات الإجتماعية والصحية  وتعويضات البطالة ،  وتحديثه  بالتوسع بالتعليم بإرسال الطلاب للتعلم في الخارج ، خاصة إلى الولايات المتحدة الاميركية ،  بما زاد عن 300 الف مبتعث ، كما وتحرير المرأة من العادات القبلية المورثة بتوظيفها والتوسع في تعليمها لتأخذ دورها الى جانب الرجل في بناء الوطن .

هذه الإصلاحات في مضمونها  لم تكن سوى تحصينات لمواجهة حصار أميركي صهيوني للمملكة بهدف إسقاط نظامها لتقسيمها والإستيلاء على ثرواتها وثروات المنطقة ولوقف دعمها للقضية الفلسطينية وللشعب  المصري والخليج والأمة العربية كما وقف تمددها المالي المصرفي والإقتصادي والصناعي والزراعي  في أوروبا واميركا وآسيا وإفريقيا بما يعد منافسة للغرب واليهود في عقر دارهم ومراكز نفوذهم المالي  .

إعتقدت السعودية ان الامر قد استقر في المنطقة بإصلاحاتها السريعة ،إلا إن إعطاء الاذن من قبل باراك اوباما  لطهران بالتمدد نحو السعودية والبحرين واليمن في حصار للمملكة تمهيداً لإسقاطها زاد من تعقيدات المنطقة والخطر على المملكة . إلا أن الأمر لم يكن بهذا السهولة إذ كانت الرياض في حذر واستعداد تام للتدخلات الإيرانية ، فواجهتها بحزم في البحرين بما قلب جميع الخطط الاميركية راساً على عقب وقد فاجأهم الإستعداد العسكري السعودي في آذار 2011 ليعدلوا خططهم بتمدد إيران نحو سوريا واليمن واحتلالهما من خلال مليشياتها الإرهابية التكفيرية في عملية إبادة حقيقة للمسلمين بهدف تهجيرهم نحو المملكة والخليج تمهيداً لدخولها واحتلالها ، ولكن دون جدوى مع صلابة الموقف السعودي وتضامن باكستان ومصر والدول الإسلامية  والشعب العربي معها .

فكان على اميركا ان تعمد إلى إسقاط النظام المصري وإيصال قوى إسلامية على تفاهم مع بريطانيا وطهران بطرق ديمقراطية عربية بانتخابات  شعبية مولتها إيران بتاييد  عسكري من الجيش المصري الذي  كان يعترض على توريث السلطة لأحد ابناء حسني مبارك بما  سهل من وصول الإخوان المسلمين لرئاسة الجمهورية .

كان الامر مريحاً للإخوان وقد لقى ترحيباً من جماهيرالشعب العربي ومن المملكة بوصول حزب إسلامي في مواجهة النظام الإيراني الصفوي المعادي للأمة العربية والإسلام بدعم اميركي .

إلا ان التقارب الإيراني المصري ، بتشجيع من الرئيس الاميركي باراك اوباما عقب وصول الرئيس مرسي للسلطة ، في نقاط عدة معيبة تضمنت  منحة إيرانية بشكل هبة بقيمة  29 مليار دولار للإخوان مقابل السماح لطهران  بفتح مراكز للتشيع الصفوي  تحت عناوين ثقافية كما في سوريا والعراق ، بالإضافة لتعمد إهانة قيادات إخوانية لقيادة الجيش المصري التي اوصلت الإخوان للسلطة ، كما والدعوة الى حل الجيش المصري الذي اعتبره الإخوان في خطاب صريح انه جيش عبدالناصر  الذي يجب إزالته وتكوين مليشيات متعددة بديلاً عنه على نسق الحرس الثوري ، إذ إن دعوتهم لحل الجيش هي الخوف من إنقلاب مستقبلي ضدهم .

كما و إرسال رسالة ودية من القيادة المصرية الى القيادة الإسرائيلية بعنوان "عزيزي الرئيس " لم تكن في محلها لقصر نظرهم مع إرتفاع دعوة الشعب المصري إلى قطع العلاقات مع إسرائيل ، بما زاد من حدة السخط الشعبي المصري والعربي ضد قيادة الإخوان التي لم تحس تدبير امورها والإمساك بزمام السلطة ، خاصة مع بدء الحملات الإعلامية المصرية ضد المملكة العربية السعودية التي اخذت ترتفع في الإعلام الإخواني  رغم محنة المملكة  من محاصرة إيران لها على جبهات عدة بالدعوة الى إسقاطها دون مبرر . إذ كانت السعودية على الدوام الحاضنة لجميع القيادات الإخوانية المضطهدة من الانظمة العربية وأعضاءها منذ أربعينات القرن الماضي .

كان بمقدور  قيادة الإخوان ان تتحرر من كل التزاماتها السابقة مع إيران ، المعارضة لرأي الشعب المصري الذي انتخبها وفق المصلحة والمبادىء المصرية دون ان يدري ماكان يجري خلف الكواليس ، إلا  انها فضلت الإلتزام بتوجهات  اميركا وبريطانيا وإيران وفق حساباتها  الخاطئة لإعتقادها ان هؤلاء  ضمانتها في دوام السلطة وليس الجيش او الشعب المصري ، خاصة وان إيران بناء لتوجيهات اميركية بريطانية كانت تمول سابقاً على مدى سنوات طويلة  كل مكاتب الإخوان في الخارج وداخل مصر كما وتمول حركة حماس الإخوانية ضد السلطة الفلسطينية ووحدة الموقف الفلسطيني بما يقتضي ومصلحة إيران في تحالفها مع اميركا في العراق.

وقد ثبت خطأ هذا التصور الإخواني مع التحرك الشعبي ضدهم وقيام الجيش المصري بانقلاب عليهم ، إذ لم يعد الجيش يأمن على مصيره ومستقبله إزاء تصريحات قيادات الإخوان ضده وجر المشير طنطاوي وزميله الى التحقيق بما فيه من إهانة للجيش والشعب المصري معاً مما لم تحتمله القيادة العسكرية المصرية وقد سبق ان شهدت ماحل بالجيش الإيراني من إعدامات وتشريد عقب وصول الملالي إلى السلطة وبالجيش العراقي من تشريد وقتل واغتيالات عقب احتلال اميركا للعراق ، لذا كان لابد من الإنقلاب ضد الإخوان من قبل الجيش المصري  خوفاً من ان يلقى مصير جيشي إيران وبغداد .

كانت مصر في وضع مالي سيء جداً مع وصول الإخوان الى السلطة إلا ان اميركا كات تضغط عليهم لبيع مصر لإيران مقابل 29 مليار دولار . وقبل ان يتسنى للإخوان أعطاء الرأي في هذا الشأن  قام الإنقلاب العسكري ضدهم لتمد المملكة السعودية والخليج يد المساعدة الفورية للجيش المصري وشعبه ليكون سنداً لهم ضد التآمر الاميركي الإيراني مع قطع علاقة المملكة  نهائياً بالإخوان بعد ثلاثة ارباع قرن من الحب والود .

الإنقلاب المصري كان كالصاعقة على الرئيس باراك اوباما الذي خطط منذ استلام ولايته لإسقاط  الجيش المصري وحلّه وتشريده وملاحقته جزاء إنتصاره في معركة  اكتوبر ضد إسرائيل ، كما وإسقاط النظام السعودي بتمويل ودعم مليشياوي إيراني بما فيه من خدمة لإسرائيل والصهيونية العالمية .

وصول الملك سلمان الى عرش  المملكة السعودية خلفاً للملك عبدالله  في العام 2015 اظهرالقوة العسكرية  السعودية على حقيقتها بالدفاع عن اليمن  في غارات جوية  في مواجهة التحالف الاميركي الإيراني في حرب معلنة ضد السعودية والامة العربية والإسلام .

هذاالتصلب السعودي البطولي المقاوم في مواجهة الخطر الاميركي الصهيوني الإيراني وصده  دفع بالرئيس اوباما بالتعاون مع طهران والمالكي الى إنشاء تنظيم إرهابي تكفيري اعلن عنه اوباما في آب /اغسطس من العام 2014 واعترف به من البيت الابيض كدولة اطلق عليه " الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام  " وجعل عاصمتها مدينة الرقة السورية وحدد حدودها التي  تمتد حتى تخوم  بغداد . داعياً العرب الى الإعتراف بها كدولة امر واقع معلناً ولادة تقسميات جديدة بديلاً عن تقسيمات سايكس بيكو مؤكداً انه قد عفا عليها الزمن ولم تعد اميركا تعترف بها لصالح تقسيمات جديدة قادمة في الشرق الاوسط مدعياً ان داعش هي  تنظيم إسلامي بينما واقع الامر فإنها ليست سوى إحدى المليشيات الصفوية الإرهابية التكفيرية ، جاعلاً نواة جيشها من مساجين العراق المجرمين ، وقادتها من البريطانيين وضباط الموساد المستعربين الملثمين .

والقصد الاميركي الإسرائيلي من إنشاء ميليشيا داعش الفارسية الصفوية  بيافطتها الإسلامية السنيّة المخادعة هو لدعم اعمال الإبادة للحشد الشعبي العراقي الصفوي  وباقي المليشيات الصفوية العراقية  ولتبرير دخولها إلى المناطق الاسلامية والوطنية العراقية حيث يقوم داعش بتعويق تقدم قوى الثورة الوطنية وقتل المقاومين المسلمين وتحديد اماكنهم لقصفهم من الطيران الاميركي في العراق وسوريا.

الملك سلمان بن عبدالعزيز والإصلاحات :

أهم الإصلاحات التي قام بها الملك عبدالعزيز منذ خلف اخيه الملك عبدالله هو قيام الطيران الحربي  السعودي بالتصدي للتدخل الاميركي الإيراني في اليمن بقصف مواقع الحوثييين عملاء التحالف الاميركي الإيراني  نهاية آذار/ مارس من العام 2015 ، اي بعد اسابيع من توليه عرش المملكة بما قطع الامل من وضع طهران يدها على اليمن كنقطة إنطلاق لتمددها نحو اراضي المملكة والخليج لتعيث فيهم فساداً وقتلاً وتهجيراً كما حال سوريا والعراق لصالح اميركا وإسرائيل  .

نصرة المملكة لشعب اليمن وتحريره من تسلط الإيرانيين اذهلت الرئيس الاميركي  باراك أوباما وأحبطته ، إذ كان يريد ان ينهي عهده بخدمة الصهيونية العالمية بتفكيك المملكة والخليج لصالح إسرائيل الكبرى ، إذ ان المملكة الداعم الاول لصمود الشعب الفلسطيني ونصرته في سبيل إقامة دولته المستقلة على كامل الضفة والقدس والقطاع رغم كل محاولات إيران وإسرائيل لكسر مقاومة الشعب الفلسطيني وإعاقة وحدته وعرقلة العرب عن دعم قضيته .

كان التدخل السعودي ضروريا لحماية وحدة ارض المملكة والخليج وحماية الإنجازات السعودية التي تمت في فترات سابقة كما وحماية تطلعات ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان في رؤياه الممتدة حتى العام 2030 .

إذ ان الامير محمد يسعى في رؤياه تلك إلى إحداث نقلة كبيرة وسريعة في النهوض الإستثماري والصناعي في المملكة ، خاصة الصناعات العسكرية .وفي الإستثمار المالي يسعى إلى كسر الموانع والمحرمات السابقة بحيث سيتم تحريك الإقتصاد السعودي بتشكيل صندوق استثماري من خلال شركة  أرامكو القابضة للإستثمار في المشاريع أو الاصول  التابعة لها في المملكة والخارج  . كما تشجيع السياحة الداخلية وتشجيع فرص العمل الخاص بتقديم القروض للمشاريع المتوسطة والصغيرة وحصر الدعم بالطبقات الفقيرة والوسطى  دون الاغنياء وتحسين المواصلات وزيادة معدلات التوظيف ، وذلك ضمن ثلاث خطط خمسيّة متوالية بهدف اساسي وهو خلق موازنة مالية وطنية دون الإعتماد على النفط .

امام الهجمة الصهيونية الاميركية ضد الأمة العربية والإسلام بقناعها الإيراني فإن منعة المملكة العربية السعودية هي منعة للدول العربية والإسلامية كافة لان اميركا وإسرائيل يسعيان بدأب الى إسقاط المملكة لإسقاط الدين الاسلامي بما فيه من موانع لاقتصاد الفحش والفساد والنصب الذي تقوم عليه إستثمارات وول ستريت المالية .

وفي تقييم بسيط للخطة الإنمائية السعودية التي ستدخل في تفاصيل عديدة اثناء تنفيذها ، فإنه لابد من لفت النظر بأن نجاح المملكة ونهوضها وتقدمها يعتمد  على معطيات اساسية عدة منها :

أ‌-       تحقيق الضمانات الإجتماعية والصحية من ضمان شيخوخة وتعويضات بطالة للعاطلين عن العمل .

ب‌-  تعزيز دور المرأة وحمايتها وتحريرها من جاهلية العادات القبلية الموروثة باستعادة حريتها وحقوقها كما جاء في الفقه الإسلامي نظراً لأهمية دورها في بناء الاسرة والمجتمع والوطن على اسس اخلاقية متينة .

ت‌-  تحسين إداء الإدارة بالتدريب وتحصينها  من الفساد والرشوة بهيئات رقابية ولكن وفق تنظيمات جديدة مغايرة تماماً للنهج الحالي ، خاصة وان التنظيمات الحالية بإداءها الغربي الغير ملائم للمجتمع العربي هي اداة للرشوة والفساد خاصة من الهيئات الرقابية التي يقتصر دورها على إفساد الإدارة النشطة وإعاقتها وتحطيمها وفقاً للنصوص الإدارية  التي ترعاها .

ث‌-  تعزيز المواصلات العامة لتيسير النقل والإنتقال ببدل متدنٍ  رخيص لانها اداة في بناء الوطن ونهوضه  وليست للترف ، عدا انها تخفف من ازمة السير .وذلك يتطلب حفر الأنفاق (المترو) وتعزيز الباصات و القطارت السريعة بين المدن الرئيسية والأرياف .

ج‌-    تعزيز التعليم في كل مراحله خاصة التعليم المهني ليعتمد الوطن على ابنائه لوقف نظام السعودة التوظيفية المؤذية في نهوض الوطن . كما وقف الإبتعاث للخارج من قبل الدولة  إلا لمنح طلابية للمتفوقين وهم قلة من الأوائل في كل جامعة والإعتماد على التعليم المحلي بتعزيز التعليم الجامعي مع وفرة الاساتذة المتخصصين في العالم العربي الذين يمكن الإستعانة بهم في كل الإختصاصات بدلاً من إرسال مئات الآلاف للتعلم في الخارج بما لاحاجة له .

ح‌-    اخيراً لابد من لفت النظر بأن على المملكة ان تعيد النظر بسياستها الزراعية بالإعتماد على الداخل في زراعة القمح والأعلاف كمادة استراتيجة رئيسية ،باستجرار المياه من شمال المملكة مهما بلغت التكلفة إن من الأنهار او الينابع او من المياه الجوفية الممطرة ، وليس في ذلك من خوف ، لان الامطار تعيد ملء الأحواض الداخلية في عمق الارض مع كل فصل شتاء .مع العلم أن معظم سهول لبنان بزراعته الكثيفة يعتمد على المياه الجوفية في مناطق ممطره لاتلبث ان تمتلىء مع موسم الشتاء والأمطار .

خ‌-    إن المملكة تعاني من مشاكل وإعاقات جمة في استثماراتها الزراعية الخارجية في كل من مصر والسودان والحبشة واماكن آسيوية وأفريقية أخرى بفعل التدخلات الاميركية أو بسبب الفساد الإداري والسياسي في هذه الدول . ولقد كانت المملكة في وقت سابق مصدرة للقمح إلا انها اضطرت الى وقف زراعته بفعل الهجمة الاميركية بحجة حرصها على المياه الجوفية السعودية ، بينما تتآمر دون كلل  على الإطاحة بنظامها وتقويض أمنها واقتصادها وتفتيتها . لذا لابد من سياسية زراعية داخلية كجزء من تحصينها الداخلي في وجه المؤامرات الاميركية الإيرانية الصهيونية ضدها وضد الامة العربية والإسلام .