You are here

إيران في ذكرى انتصار ثورتها: فرص وتحديات

mustafa ellabbad's picture

تهل هذا الأسبوع الذكرى السادسة والثلاثون لانتصار الثورة الإسلامية في إيران وعودة الإمام الخميني من منفاه، مدشناً فصلاً جديداً من تاريخ إيران والمنطقة. تختلف ذكرى الثورة الإيرانية هذا العام عن كل سابقاتها، لأن طهران اليوم في بؤرة المشهد الإقليمي، وليست على هامشه مثلما كانت في الماضي. وفي الوقت نفسه، وبالتوازي مع زيادة الحضور الإقليمي، فقد أصبحت إيران محطاً لنقمة قطاعات شعبية واسعة في العالم العربي، بسبب انخراطها المتعاظم في قضايا إشكالية من العراق إلى سوريا ولبنان وحتى اليمن، ما يأتي على قبولها الشعبي اللازم لتتويجها قوة إقليمية في المنطقة. وبالترافق مع ذلك، تتفاوض إيران مع الولايات المتحدة الأميركية على ملفها النووي صراحة، وضمناً على دورها الإقليمي في المنطقة، ما يشرّع أمامها نوافذ الفرص في حال نجاح المفاوضات، ويفتح أبواب الأخطار على مصراعيها في حال فشل تلك المفاوضات. لا تفاوض طهران خصماً سهلاً، فهي تواجه في الكواليس وعلى موائد التفاوض عملياً النظام الدولي الذي تمثل واشنطن قمته وعاصمة إمبراطوريته.
كما أن الاستمرار في التفاوض مع «الشيطان الأكبر» له كلفة معنوية عالية غير مرئية بالعين المجردة، كونه يستنزف مخزون «الذخيرة الثورية» التي اشتهر النظام الإيراني بها وجعلها علماً على محاججاته الإعلامية والسياسية ضد أخصامه السياسيين في المنطقة. وفوق ذلك كله، يئن الاقتصاد الإيراني تحـــــت وطأة العقوبات الاقتـــــصادية المفروضة عليه، إلى درجة تضغط بشدة على قراره السياســـــي والتفاوضي، حتى ولو أكثر المتــــــفاوضون الإيرانيون من الابتسام على موائد التفاوض وأمام الكاميرات.

الفرص الإيرانية التفاوضية

تفتح المفاوضات النووية الفرص أمام إيران لتقنين حضورها الإقليمي، إذ إن الاتفاق في ملفها النووي لن يشمل رفعاً للعقوبات المفروضة عليها فقط، بل سيعبّد الطريق أمام تعاون إيراني ـــ أميركي في المنطقة. وتترافق المفاوضات الإيرانية ـــ الأميركية مع انهيار مشهود للقدرات العربية تشهد عليها حالة المشرق العربي، بما يقدم فرصة تاريخية لإيران لتمديد حضورها الإقليمي في المنطقة، ولكن بضوء أخضر أميركي هذه المرة. وبعيداً عن التفاصيل التقنية، فقد بات معلوماً أن أي حل تفاوضي للملف النووي الإيراني، سيسمح لطهران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها وامتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، مع آلية للرقابة والضمانات بألا يتحول هذا البرنامج إلى طابع عسكري. بمعنى آخر، لم تعد تصفية البرنامج النووي الإيراني مطروحة على موائد التفاوض، وإنما حجم ونطاق هذا البرنامج لا أكثر ولا أقل، ما سيشكل في حال نجاح المفاوضات انتصاراً معنوياً كبيراً لإيران. ومع نجاح المفاوضات، تتوقع إيران أيضاً استثمارات أجنبية كبرى في قطاعها النفطي، ما يرفع مداخيلها من ناحية، ويحدّث اقتصادها من ناحية أخرى، ويرفع عبء العقوبات من على كاهل مواطنيها من ناحية ثالثة. نظرياً، تتوافر لإيران أفضل الفرص لتقنين حضورها الإقليمي والاحتفاظ ببرنامجها النووي والارتقاء بمستوى حياة مواطنيها، وهي فرص ستذهب في حال تحققها باعتبارها أكبر إنجازات وطنية أمكن لإيران تحقيقها منذ قرون مضت. لعل أصدق تعبير عن ضخامة الفرص الإيرانية من التفاوض النووي مع أميركا هو ذلك المثل الإنكليزي القائل: It is too good to be true.

المخاطر التفاوضية على إيران

تمثل المفاوضات النووية حدثاً دراماتيكياً في حد ذاته، لأنها تطرح تحديات مثلما تطرح فرصاً في الوقت عينه. تتمثل أولى المخاطر في خروج إيران من متاريسها في الشرق الأوسط إلى موائد المفاوضات النووية، ما جعلها، للمفارقة، مكشوفة أمام الولايات المتحدة الأميركية أكثر من أي وقت مضى. ثانياً، أصبحت الطموحات الإيرانية الإقليمية مادة للتجاذب السياسي داخل النظام السياسي الأميركي، فإذا كان لإيران بعض الأنصار في اللوبي النفطي الأميركي وفي قطاع الزراعة وأجزاء من لوبي المصارف والتأمين، فإن لخصومها تأثيراً عميقاً وحضوراً كثيفاً في الكونغرس الأميركي، سواء من اللوبي الصهيوني أو المجمع الصناعي ـــ العسكري أو باقي اللوبي النفطي، وهذا التصارع بين مجموعات الضغط العملاقة وشبكات المصالح في الولايات المتحدة الأميركية، لا يمكن حساب إحداثياته بمعايير ومفهوم ومصطلحات الشرق الأوسط، حتى ولو بدت حسابات إيران التفاوضية راجحة حتى الآن. ثالثاً، جمّدت إيران برنامجها النووي بموجب «اتفاق جنيف 2013» طيلة فترة التفاوض، من دون ربط ذلك بموعد محدد لنجاح المفاوضات، ما نزع من إيران عامل المبادأة التفاوضية. وحتى في حال عودة إيران إلى التخصيب بمستويات عالية، ستنهار المفاوضات، ويفتح الباب أمام خطر تصعيد غربي غير مسبوق يؤدي إلى احتمالات شتى لا يمكن استبعاد الصدام العسكري منها. رابعاً، منذ انتخاب الرئيس الأسبق محمد خاتمي وحتى الرئيس الحالي حسن روحاني، تعتمد إيران روشتة نيوليبرالية لإدارة اقتصادها وترسل رسائل إلى الغرب تفيد برغبتها في الانضمام إلى «منظمة التجارة العالمية» وغيرها من المؤسسات الاقتصادية العالمية، بما يعني عدم معارضة إيران لآليات وميكانيزمات السيطرة الرأسمالية. هكذا تناطح إيران النظام الدولي في نسخته السياسية، رغبة في الحصول على موقع أفضل فيه، فيما توافق على النظام الدولي ذاته في طبعته الاقتصادية بآلياته وميكانيزماته المعلومة. هنا تتعرض إيران إلى مفارقة بين صورتها لنفسها باعتبارها «قوة عالمثالثية مناهضة للإمبريالية»، وبين أهدافها المعلنة. خامساً، لا تستطيع إيران المتفاوضة مع واشنطن أن تدير بعد الآن معاركها الإعلامية في المنطقة على قاعدة «الرجعية العربية الموالية للغرب» في مقابل «مناهضة الاستكبار العالمي»، بل على قاعدة «مكافحة الإرهاب»، مع ملاحظة أن الأخير تأسس موضوعياً على عوامل شتى من بينها تعاظم النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وانضمام إيران كطرف في حروب المشرق العربي الأهلية في مواجهة أطراف أخرى.

الخلاصة

لا يمكن إنكار البراعة الإيرانية في النفاذ من ثغرات المنطقة وفي استثمار التراجع المدوّي للقدرات العربية الشاملة، لكن تزامن عمليات التفكك في بنى دول المشرق العربي مع المفاوضات النووية الإيرانية ـــ الغربية لا يعني بالضرورة أن تكون إيران الرابح الأكبر والأوحد من الخسائر العربية الكبرى في المنطقة. كما أن التوصل لاتفاق نووي يضمن الحقوق الإيرانية كمدخل للحضور الإقليمي المعترف به دولياً لطهران، والحصول على مزايا اقتصادية كبرى بجانب كل ذلك، هو أمر يتجاوز بكثير موازين القوى الفعلية في الشرق الأوسط. لا يغيب عن البال أن تركيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي ودول الخليج العربية، وفي مقدمها السعودية، تعارض التوصل لاتفاق نووي بين إيران والغرب، وتبذل قصارى جهدها في عرقلة صعود إيران الإقليمي، ولا يمكن النظر إلى هذه القوى باعتبارها منعدمة القدرة على الفعل والتأثير إقليمياً ودولياً. وإذ تمر عملية صنع القرار في الولايات المتحدة بمراحل أعقد كثيراً من الحسابات الإيرانية الناجحة حتى الآن بمنطق النفاذ من ثغرات الشرق الأوسط، يمكن القول ـــ بكثير من الاطمئنان ـــ إن توازنات النظام السياسي الأميركي لا تسمح لإيران بالحصول على أهدافها التفاوضية والإقليمية كافة، حتى ولو أقرها الرئيس الأميركي باراك أوباما على ذلك. في النهاية، تجسد قرارات البيت الأبيض محــــــصلة التوازن بين المؤسسات والمصالح ومجموعات الضغط الأميركية، بغض النظر عن اسم الجالس في المكتب البيــضاوي. وإذا كان اسم أوباما مترجماً مباشرة إلى الفارسية يعني «هو معنا»، فالأكثر حصافة ربما أن يستذكر القارئ المثل الإيراني القائل: «عد أفراخك الصغيرة فقط عند نهاية الشتاء»، بمعنى عدم الإفراط في التفاؤل وتقدير الأرباح!