You are here

عملاق «آبل» يتأرجح بين الساعة المنتظرة ونضوب الابتكار

AhmadMoghrabi's picture

رئيسا «آبل» و«تشاينا موبايل» خلال افتتاح المخزن العملاق في بكين. (رويترز)

يصعب إطلاق صفارات الإنذار المقلقة في حفل يعزف أناشيد الاحتفال، لكن التأمل في ما بين السطور والوقائع، يحرّك الدعوة إلى التنبّه الحذر من غيوم قاتمة، بدل الاستغراق في نشوة تحقيق الانتصار الذي ترسمه أرقام الأرباح الفصلية التاريخيّة المدويّة لشركة «آبل». لماذا القلق فيما تحقّق الشركة أرباحاً فصلية صافية بـ18 بليون دولار، وهو رقم تاريخي لم تحقّقه أي شركة في أي صناعة، بل لو وزّعَت الأرباح على الشعب الأميركي لنال كل فرد 556 دولاراً. لم التحذير فيما القيمة السوقيّة للشركة تراوح بين 600 و700 بليون دولار، وهو رقم تاريخي بالمقاييس كافة، متفوّقة على «غوغل» (400 بليون)، ومايكروسوفت (387 بليوناً) و «علي بابا» (228 بليوناً).

عند التدقيق بمصدر تلك الأرباح الفصليّة التاريخيّة، يتبيّن أنها جاءت من ابتكارات سابقة للشركة، خصوصاً الزيادة في مبيعات «آي فون 6» و»آي فون 6+» ذات الشاشة الكبيرة، والطفرة في مبيعات الهواتف نفسها في الصين، بمقدار 70 في المئة، بأثر من اتفاقات مع شركة «تشاينا موبايل»، وهي أضخم مشغل للهواتف المحمولة عالميّاً.

 

أين الابتكار في تلك الصورة؟ لنتذكر أنه في مرّات سابقة، حقّقت «آبل» أرقامها القياسيّة عبر ابتكار ما هو أصيل، ولا نظير له على الأرض. عندما أطلق العبقري الراحل ستيف جوبز الـ»آي باد» ، لم يكن هنالك ألواحاً ذكيّة في الكرة الأرضيّة. ومن ينسَ وقفة جوبز مستعرضاً بضربات من طرف أصبعه على الشاشة التي تعمل باللمس للـ»آي فون» الذي فجّر صناعة جديدة حملت اسم «الهواتف الذكيّة»؟ وربما لم يحدث جهاز «آي بود» ضجيجاً مماثلاً، لكنه كان سبّاقاً كأداة فرديّة للملفات الصوتيّة كافة، وضمنها الموسيقى، التي تأتي من الإنترنت والأجهزة الإلكترونيّة وغيرها. وأطلق «آي بود» طريقة تقنيّة جديدة في الإعلام العام، حملت اسم «بود كاستينغ»، بل بفضله راجت الكتب الرقميّة الصوتيّة.

 

بفضل الابتكار الأصيل، تجاوزت «آبل» نفسها، بعدما كانت تتخبط في محاولة للحاق بالركب في صناعة الكومبيوتر، لأن كومبيوتر الـ «ماك» لم يكن سوى لاعب صغير في تلك الصناعة. وبفضل الابتكار الأصيل، استطاع جوبز أن يرتفع بـ «آبل» إلى مستويات شاهقة، بل أن الكومبيوتر كله صار يتصاغر أمام الانتشار الواسع لألواح الـ «تابلت» والهواتف الذكيّة.

 

حاضراً، لا تملك «آبل» في جعبتها سوى الرهان على ساعة «آبل ووتش» الذكيّة. وعلى عكس الابتكارات السابقة، تصل تلك الساعة إلى الجمهور، بعدما سبقتها «سمارت ووتش» من صنع شركة «سوني». وتستند «سمارت ووتش» إلى تطبيقات «آندرويد» الفائقة الانتشار بين الجمهور، فيما تلتزم «آبل ووتش» بالتطبيقات في مخزن «آبل تيونز». وإضافة إلى «سمارت ووتش» هناك ساعة «جير إس» من صنع شركة «سامسونغ» التي أطلقتها العام الماضي قبل تقديم شركة «آبل» لساعتها الذكيّة، وهي تتعامل مع تطبيقات «آندرويد» أيضاً. وهناك مجموعة من الساعات الذكيّة التي تستطيع أيضاً أن تنافس الساعة المرجوة لـ «آبل»، كـ «بايزيس بي1»، و «بيبل ستيل»، و»توك» و «نبتون باين» و»باسبورت»!

 

وفي شأن العلاقة بين الابتكار والتعملق، وضع الأميركي بول ثاييل كتاباً عنوانه «من الصفر إلى الواحد»، ينعى فيه تقلّص ظاهرة الابتكار في أميركا، خصوصاً صناعة المعلوماتية التي يرى أنها باتت تكتفي بالتوسع أفقيّاً عبر تحسين ما هو منتشر فعليّاً، ولم تعد ترنو إلى التوسّع عمودياً عبر الابتكار الأصيل.

 

ويذكر ثاييل بأنه بين 1915 و1965، شهد العالم ابتكارات أصيلة شملت الغواصة والطائرة النفاثة والتلفزيون والراديو والمسجل والقنبلة الذرية والرقاقات الإلكترونية وأشباه الموصلات والكومبيوتر. ويلفت إلى أن الخمسين سنة التالية لم تشهد فيضاً مماثلاً من الابتكارات الأصيلة. وربما يجدر بـ «آبل» أن تصغي إلى أصوات كثاييل، بدل الرقص على إيقاعات متلاعبة.

التعليقات

kadernb's picture

التعليق: 

الأستاذ أحمد عرضك رائع جدا وهو يؤكد على ريادة أبل وتفوقها بل وتغولها الإقتصادى والتقنى وتقول حضرتك

وحاليا، لا تملك «آبل» في جعبتها سوى الرهان على ساعة «آبل ووتش» الذكيّة.

 ألا يعد هذا شيئا طبيعيا بل ومتوقعا , فالإبتكارات لاتأتى هكذا مثل الماء الذى ينسكب من الصنبور ولكن توجد عوامل وظرف ثم أيضا وتقنيات وإبتكارات يتم إبداعها , كل هذا يتطلب الوقت والدعم من محبى الشركة ويتطلب أيضا إنقضاء المرحلة التى توشك ليبزغ إبتكار جديد

وفقك الله على هذه الإحاطة الشاملة الوافية

AhmadMoghrabi's picture

التعليق: 

الاستاذ خضر المحترم

أشكرك على كلماتك الطيبة، وثنائك على المقال. هناك قصة توراتية تحكي عن قاضٍ تخاصمت لديه امرأتان بشأن رضيع ادعت كلاهما أنها أمه. وعمد القاضي إلى حيلة ذكية. وطلب ان يشطر جسد الصبي الوليد، كي تقتسمه الامرأتان. وصرخت أم الصبي متنازلة عن ولدها كي تبقي على حياته. وبذا، عرف القاضي من تكون أم الصبي فعلياً. تعبر تلك القصة عن بعض ما أردت قوله في المقال، بمعنى أن يعتبر الابتكار والتقدم في العلوم والتكنولوجيا امراً حاسماً في حياته، يصرخ دوماً مطالباً بالحفاظ عليه. وأوافقك بأن الابتكار ليس صنبوراً، لكن بيتر ثاييل، وهو استاذ في جامعة برنستون، أراد أن يستنهض شباب أميركا كي يبقوا على الحدّ الأعلى من التنبّه للدور الحاسم للابتكار والعلوم في الحضارة المعاصرة. أجدد شكري لك