You are here

التربيةُ والتعليمُ في الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة

الأعرجي's picture

أزمةُ التطوُّرِ الحضاريِّ في الوطنِ العربيّ ( الحلقة 15)
التربيةُ والتعليمُ في الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة

علاء الدين الأعرجي

كسر حلقة التخلف
التربيةُ عمَليَّةٌ معقَّدةٌ وخطيرة تُقرِّرُ مُستقبلَ الأُمَّةِ ومصيرَها، خصوصًا لأنَّها تتَّصل مباشرةً بـ”العَقل المجتمعيِّ“ الذي يعكسُ ثقافةَ الوحدةِ المجتمعيَّة وتاريخَها، كما تتَّصل بعلاقةٍ جدليَّةٍ تَفاعُليَّةٍ مع ”العَقل الفَاعل والعَقل المُنفَعل“. وقد شرَحنا وبحَثنا بإسهابٍ مفاهيمَ هذه المصطلحاتِ في حلقاتٍ سابقة. كما ستتَّضحُ بعضُ جوانب علاقاتها المتشابكةِ بالتربيةِ والتَعليم ومصيرِ الأمَّةِ العربيَّة، فيما بعد.
ففي بَحثنا المُستفيضِ عن أزمةِ التطوُّرِ الحضاريِّ في الوطنِ العربيّ، لاحَظْنا أنَّ التربيةَ تُشكِّلُ مفصلاً مُهمًّا من مَفاصِلِ وجودِها، وتُقدِّمُ وسيلةً قد تكون وحيدةً لكَسْرِ الحلقةِ المُفرغةِ التي تَتضمَّنها عمليَّةُ إعادةِ إنتاج التخلُّف؛ هذه العمليَّة، التي اعتبرناها أخطرَ من التخلُّف ذاتِه، لأنَّها لا تَعني فقط تكريسَ التخلُّفِ أو المحافظة على نِسبَته، على الأقَلّ، بل تَعني مُضاعفةَ هذه النِسبة أضعافًا كثيرة على مرِّ الزمن. هذه الحالةُ أدَّت إلى تَزايُدِ تَدهوُرِ أوضاعِ الأُمَّة، بل ربَّما ستؤَدِّي إلى انقِراضها التَدريجيّ، إذا لم تَتكاتفْ جهودُ عُقلائِها وقياداتِها لاتِّخاذِ خطواتٍ جَذريَّةٍ وجدِّيـَّةٍ لإنقاذِها، أو إنقاذِ ما يُمكنُ إنقاذُه، قبل فَوات الأوان، على الأقلّ. وهذا ما شرَحناه بقَدْرٍ من التَفصيل المعزَّزِ بالأمثلةِ والأدلَّةِ والإحصاءات، في الفَصل الأوَّل المُعَنون ”الخيارُ الحاسم، النهضةُ أو السقوط“ من كتاب ”أزمة التطوُّر الحضاريّ في الوطنِ العربيِّ بين العَقل الفَاعِل والعَقلِ المُنفَعِل“. كما شرَحنا ذلك تاريخيًّا وسوسيولوجيًّا في بحث ”نشُوءُ الحضاراتِ وسقوطُها بين ابنِ خَلدون وتوينبي، ومصيرُ الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة“ (”صوت داهش“، شتاء 2000، ص 57-73).
ومن هنا تأتي أهميَّةُ بحثِ مَسألةِ التَربيةِ والتَعليم، وذلك باعتبارِها من الخطواتِ الجَذريَّةِ الهادفَةِ إلى كَسْر حَلقةِ إعادةِ إنتاج التخلُّف، وبالتالي إلى وَقْفهِ وتحويلِ مَسارهِ السلبيّ إلى مَسارٍ إيجابيٍّ تقدُّميّ، وذلك بواسطةِ إصلاحِ طُرق التربيةِ ومَناهجِ التَعليم—المتَّـبَعةِ اليومَ في البلدان العربيَّة—التي تنصبُّ اليومَ على قَمع ”العَقل الفَاعِل“ لدَى الناشئ لحسابِ ”العَقل المنفَعِل“ والخاضع ”للعَقل المجتمعيّ“.

أهمية بحث التربية والتعليم خلال فترة الحضارة العربية الإسلامية
وبعد أن حاولنا تحديدَ المفاهيم في الحلقةِ الأُولى، سنستعرضُ في هذه الحلقةِ وما بعدَها الأُسسَ التاريخيَّة والثقافيَّة للتربيةِ والتَعليم في الوطنِ العربيّ، من خلال بحثِ التربيةِ والتَعليم في الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة. ونحن نؤكد أهميَّةِ فهْمِ هذا الجانبِ من التُراثِ الإسلاميّ، ونُخصِّصُ له فسحةً كافيةً لعدَّةِ أسباب؛ من أهمِّها:
1- يتعذَّرُ فَهمُ أزمةِ التربيةِ والتَعليمِ الراهنة في المجتمعِ العربيّ، بل أيَّة ظاهرةٍ مجتمعيَّةٍ في أيِّ زمانٍ ومكان، دون تفهُّمِ خلفيَّاتِها التاريخيَّة. فالعقلُ المجتمَعيُّ العربيُّ المعاصِر، مثلاً، مشدودٌ بخيوطٍ طويلةٍ ومتينةٍ تمتدُّ إلى عصورٍ بعيدةٍ من التقدُّم والتأخُّر، النهضةِ والسقوط. وقد شرحنا، في حلقاتٍ سابقة، مَدى تأثُّرِ العَقل المجتمعيِّ لأيَّةِ وحدةٍ مجتمعيَّةٍ بتاريخِها، بل اعتبرنا الأوَّلَ مرآةً للثاني.
2- إنَّ عصرَ التَدوين، الذي بدأَ في مُنتصَفِ القرنِ الثاني للهِجرةِ تقريبًا، شكَّل البنيةَ التحتيَّة للحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة. وقد استمرَّ تأثيرُ عَصرِ التدوينِ هذا في الثقافةِ العربيَّةِ والإسلاميَّة، وبالتالي في ”العَقلِ المجتمعيِّ العربيّ“ حتَّى يومِنا هذا، كما سنبيِّـنُه أدناه. ونرى استحالةَ تحقيق هذا العَملِ العظيم (عَصر التدوين أو ثورة الفكر) من فراغ، بل لابدَّ من أن تسبقَه وتُعاصرَه وسائلُ تربويَّةٌ وتعليميَّةٌ مُعيَّنة، ينبغي التعرُّفُ عليها- على الرُغم من قلَّةِ مصادرها التاريخيَّة- ومُحاولةِ استكشافِها من خِلال ”إعادة كتابةِ التاريخِ العربيِّ الإسلاميّ“، التي دعَونا إليها في مقالاتٍ نُشِرَت منذُ سنواتٍ في صحيفة ”القُدس العربيّ“، في سياقِ أهمِّ الأسباب التي تدعو لإنشاءِ موسوعةٍ عربيَّةٍ جامعة.
3-نحن غالبًا ما نُطالِبُ بإعادةِ مَجدِ أمَّتِنا التَليد، ولكنَّنا كثيرًا ما نجهلُ تاريخَها ومُلابساتِه، سَلبيَّاتِه وإيجابيَّاتِه. إن عدم المعرفة الدقيقة لتاريخنا، الذي يمثل تراثنا، يوقعنا في أخطاء تؤثر على حاضر الأمة ومستقبلها. ونحن نعتقد أن من الأسباب الرئيسية المهمة التي أدت إلى فشل مشروع النهضة العربية هو عدم فهم حقيقة تراثنا.وقد تعرضنا بشكل مباشر أوغير مباشر لهذا الموضوع في منسبات سابقة.

الإسلامُ والتربيةُ والتعليم

”لا تُقصِروا أولادَكم على آدابِكم،
فإنَّهم مخلوقونَ لزمانٍ غير زمانِكم.“
الإمام عليّ بن أبي طالب
كان الإسلامُ ثورةً على الجهل: ﴿ أفَحُكمَ الجاهليَّةِ تَبغون؟﴾ (المائدة 50). ﴿ هل يَستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟﴾ (الزمر، 9) ﴿إقرأْ باسْمِ ربِّك الذي خلَق، خلقَ الإنسان من عَلق، إقرأْ وربُّك الأكرم، الذي علَّم بالقلَم، علَّم الإنسانَ ما لم يَعلم﴾ ( العلق1-5). والتعليمُ بالقلَمِ في بيئةٍ جاهليَّةٍ يندرُ أن يعرفَ الكتابةَ والقراءةَ فيها أحد، يدلُّ على أهميَّةِ الثورةِ التي فجَّرَها الإسلام ضدَّ الجهل، ومدى اهتمامِه بالقراءةِ والكتابة، في أوَّلِ آيةٍ نزلَت على الرسول. وفي الكتابِ العزيز: ﴿يرفعُ الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العِلمَ درَجات﴾ (المجادلة 11). وأضاف ﴿ وقُلْ ربِّ زِدْني علمًا﴾ (طه 114). وفي إطارِ التوصِيةِ باستخدامِ ”العَقل“ الذي يُشكِّل غايةَ عمليَّةِ التربيةِ والتعليم. يقولُ الرسول (ص): ”يا أيُّها الناسُ... تَواصَوا بالعَقل تعرفوا ما أُمِرتم به وما نُهيتُم عنه، واعلَموا أنَّه يُنجدُكم عند ربِّكم.“ وعن عائشة: ”قلتُ: ’يا رسولَ الله، بِمَ يتفاضلُ الناسُ في الدُنيا؟‘ قال: ’بالعَقل‘؛ قلتُ: ’وفي الآخرة؟‘ قال: ’بالعَقل‘. قلتُ: ’أليس إنَّما يُجزَون بأعمالِهم؟‘ فقال (ص): يا عائشة، وهل عملوا إلاَّ بقَدْرِ ما أعطاهُم عزَّ وجلَّ من العَقل؟ فبقَدْرِ ما أُعطوا من العَقل كانت أعمالُهم، وبقَدْرِ ما عملوا يُجزَون.‘ “ وعن أنَس بنِ مالك، قال: ”أثنى قومٌ على رجُلٍ عند النبيِّ (ص) حتَّى بَالغوا، فقال (ص): ’كيف عقلُ الرجُل؟‘، فقالوا: ’ نُخبرُكَ عن اجتهادِه في العبادةِ وأصنافِ الخير وتسألُنا عن عَقله؟‘ فقال: ’إنَّ الأحمقَ يُصيبُ بجهلهِ أكثرَ من فُجورِ الفَاجر، وإنَّما يرتفعُ العِبادُ غدًا في الدرجاتِ الزلْفى من ربِّهم على قدْرِ عُقولِهم.‘ “1 وحثَّ الإسلامُ على طلبِ العِلم من المهدِ إلى اللَحد، وجَعلَه واجبًا على كلِّ مُسلمٍ ومُسلمة. وقد يُقال إنَّه يقصدُ به العِلمَ بالدِّين؛ لكنَّ الحديثَ الذي يَقول ”اطلبوا العِلمَ ولو في الصين،“ يقطعُ الشكَّ باليقين، في أن العلم المقصود هو المعرفة بمعناها الواسع، بما فيها العلوم الدنيوية. كما كان حربًا على البداوةِ التي تُشكِّلُ مرحلةً مُتخلِّفةً بالنسبةِ للزراعةِ والصناعة، ولاسيما على العصبيَّةِ القبَليَّة، التي تمثل أهم خصائص البداوة. قال الرسولُ (ص) في خُطبةِ الوداع: ”إنَّ الله أذهبَ عنكم نخوةَ الجاهليَّة وفخرَها بالآباء، كلُّكُم لآدم وآدمُ من تُراب، ليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضلٌ إلاَّ بالتَقوى.“

تزايد الفجوة بين الحاكم والرعية
وفي إطار المجتمعِ العربيِّ الإسلاميّ، سنحاولُ أن نكشفَ عن بعض علاماتِ التقدُّم وإلى جانبِها بعض علاماتِ التخلُّف، نظرًا لترابُط هذَين العامِلَين مع عمليَّةِ التربيةِ والتَعليم التي تتَّصل، على نحوٍ مُباشرٍ وغير مُباشر، بمدَى تقدُّم المجتمع بوجهٍ عامٍّ أو تخلُّفه. وسوف نتساءل أحيانًا كيف يُمكن لمجتمعٍ يحملُ كلَّ هذه المتناقضات، وخصوصًا فسادَ الحُكم، في الغالب، وقهرَ الرعيَّة، وغير ذلك من الأوصاب، أن يتقدَّمَ على غيرهِ من المجتمعاتِ المعاصرة والسابقة، أو تنشأَ فيه طبقةٌ من العلماءِ والمفكِّرين المتميِّزين، حتَّى بدأت النهضةُ الأوربيَّة الحديثة؟
فمع أنَّ الإسلام قد شدَّد على قيمةِ العلم والمعرفة للجميع، فضلاً عن العَدل والمساواة، فإنَّ فسادَ الحكَّامِ واستبدادَهم، بعد الخلافةِ الراشدة، أدَّيا إلى عَزلِ السُلطة عن الشَعبِ الذي كان يرسفُ في غياهبِ الجهلِ والفقرِ والظُلم. وخضعَ كثيرٌ من رجال الدِّين، وهي الطبقة المتنوِّرة الأعمّ، إمَّا قهرًا أو تزلُّفًا، للحُكَّام، بل أخذوا يُبرِّرون حُكمَهم بالقول: ”مَن اشتدَّت وطأتُه وَجبَت طاعتُه.“ ونذكِّر بقول الشَاعر:
أَطيعوا أَولياءَ الأمرِ فيكم وإن كانوا بُغاةً فاجرينَا
وبعد خلافةٍ قصيرةٍ لفترة سنتَين وثلاثة أشهر، ماتَ الخليفةُ الصالح عُمرُ بنُ عبدِ العزيز،( يقال أنه مات مسموما) وخلفَه يزيدُ بنُ عبدِ الملِك. ويَروي السيوطي، صاحبُ ”تاريخ الخلفاء“، أنَّ الخليفة الجديد أتى بأربعينَ شيخًا شهِدوا له ”ما على الخليفةِ من حسابٍ ولا عذاب.“ وبذلك منَحوه رخصةً كاملةً بأن يظلمَ بدون حُدود ويتهتَّكَ بلا رَادع، فكان صريعَ الغواني حقًّا وحقيقة.2 ويقول المستشار محمَّد سعيد العَشماوي: ”أُبيحت كلُّ حُرمة، وانتُهِكَت كلُّ قيمة، وزُيِّفت كلُّ المبادئ... وذابت قِيَمُ الإسلامِ السامية، وامَّحت مُثلُ القرآنِ العُليا، وعادَ المسلمون القَهقرى إلى أخلاقيَّاتِ الجاهليَّة وسُلوكيَّاتِ ما قَبل الإسلام... خُلقٌ جاهلٌ وتصرُّفٌ جاهليٌّ في شتَّى عُصور الخلافةِ بعد عُمَر بن الخطَّاب (باستثناء خلافة عليّ بن أبي طالب—ولم تكُن مُستقرَّة—وخلافةِ عُمَر بنِ عبدِ العزيز، ومُدَّتها عامان).“3 ومع ذلك فقد أحرزَ المسلمون تقدُّمًا حضاريًّا شامخًا، وهذا ما سنوضِّحُه في ما بعد.
وفي زمنِ أبي جعفر المنصور قال سليم بنُ يزيد العَدَوِيّ، وهو من أصحاب واصِل بن عطاء:

حتَّى متى لا نَرى عدلا ً نُسَرُّ بهِ
ولا نَرى لِوُلاةِ الحقِّ أعـوانَا

مُستمسكين بحقٍّ قـائمين بهِ
إذا تَلوَّن أهلُ الجَـورِ ألوانَا

يا لَلرجـالِ لـداءٍ لا دواءَ له
وقائدٍ ذي عَمىً يقتادُ عُميانَا

وتغصُّ ”لُزوميَّاتُ“ المعرِّي بفَسادِ الحُكَّامِ وجَورهم:
ظلموا الرعيَّة واستجازوا كَيدَها
فعدَوا مصالحَها، وهُم أُجَراؤها
وهنا نتنسَّمُ نظريَّةَ ”العقد الاجتماعيّ“ التي قال بها جان جاك روسّو في القرن الثامنَ عشر. ويقول المعرِّي أيضًا:
يَسوسون الأنامَ بغير عقلٍ
فينفذُ أمرُهمْ ويُقالُ ساسَهْ

فأُفَّ من الحياةِ وأفَّ منِّي
ومن زمن ٍرئاستُه خَساسَهْ

وهناك كثيرٌ من الروايات المتواتِرة عن ظُلم الخلفاءِ وجَورهم، ذكرتُ بعضَها في بحث ”القضاء والقدَر مُقابل مسؤوليَّة الإنسان، من تجليِّات العَقل المجتمعيّ“ في فصل سابق.

بعض الفقهاء يعارضون ظلم الطبقة الحاكمة للعامة
ومع ذلك كانت هناك فئةٌ قليلةٌ من الفُقهاء ظلَّت تُعارضُ بشجاعةٍ الاستبدادَ والظُلم. منهم الحسَن البصريّ في زمنِ الأُمويِّين، وخصوصًا تحدِّيهِ لعبدِ الملك بنِ مروان (أنظُر بحث ”القضاء والقدر“ المشار إليه أعلا أعلاه)؛ وأبو حَنيفة الذي عصى أمرَ المنصور في تسلُّم القضَاء، فأمرَه بعَدِّ اللِبن في بناءِ بغداد عقابًا له؛4 وابنُ حَنبل الذي تعرَّضَ للتعذيب لأنَّه كان يُعارضُ رأيَ الخليفةِ المأمون بخَلْق القرآن.
وفي هذا المجتمع المنشطِر، قسَّم أحدُهم الطبقاتِ المجتمعيَّة إلى: ”ملوك قدَّمهم الاستحقاق، ووُزراء الفطنة والرأي، وعِليَّة أنهضَهم اليسار، وأواسطَ أَلحقَهم بهم التأدُّب، و’الناس‘ بعدَهم زبدٌ جُفاء وسَيلٌ غُـثاء، لُكَعٌ ولَكاع ورَبيطةُ اتَّـضاع، همُّ أحدِهم طعمةٌ ونَومة.“5 وهؤلاء ”الناس“ ظلُّوا يُمثِّلون الأغلبيَّةَ الساحقةَ في المجتمعِ العربيِّ الإسلاميّ. ويرى محمد جواد رضا أن طبقة الإنتلجنسيا كانت تعاني من هذا الإنشطار والتخلف؛ فمن جهة تعي فساد الحكم وتعاني من غضب الحكام وانتقامهم، وتتهم العامة بالقعود عن نصرتها في كفاحها من أجل تحريرها من جهلها وعبوديتها" فقد نشأ عن هذا وضع فريد في علاقة المفكر العربي بالعامة.علاقة عطف من جهة وعلاقة ازدراء، من جهة اخرى". قال ثمامة بن الأشرس، أحد كبار المعتزلة، للمأمون" وما العامة ؟ والله لو وجهت إليهم إنسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك عشرة آلاف منها وقد سواها الله بالأنعام. فقال المأمون "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم كالأنعام أم أضل سبيلا"(عن أحمد أمين، ضحى الأسلام،( القاهرة: لجنة التاليف والترجمة والنشر، 1943)، ج3، ص15).
وقد وضع أبوحامد الغزالي كتابا سماه "إلجام العوام عن علم الكلام"، أشار فيه إلى أن على العامة ان لا يعرفوا من أمور دينهم سوى الطاعة والتسليم .
ونتيجةَ هذا التفاوُتِ الطبقيِّ الكثيف ”نشأت ازدواجيَّةٌ في التربيةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ تتمثَّلُ في تقديمِ تربيةٍ خاصَّةٍ لأبناء الخاصَّة تضمُّ الدِّينَ واللغةَ والأدبَ والعلومَ والفنونَ والفروسيَّةَ وقواعدَ السلوك... وكلَّ ما يؤَهِّلُ هؤلاء للوظائفِ الجليلة التي يُتوقَّع منهم أن يَشغلوها. أمَّا العامَّة فكان تعليمُهم يقتصرُ على القرآن ومبادئ الدِّين وبعضِ مبادئ النَحْوِ الضروريَّةِ لقراءةِ القرآن.“6
وكمثالٍ على تربيةِ الطبقةِ العُليا وترفُّعِها عن العامَّة، يروي الفقيه أبو داوود سُليمان السجستاني (202-275هـ) أنَّ الأمير أحمد، شقيقَ الخليفةِ المعتمِد، طلبَ منه ”أن ترويَ لأولادي في كتابِ السُنن... وأن تُفرِدَ لهم مجلسًا للرواية، فإنَّ أولادَ الخُلفاء لا يَقعدون مع العامَّة.“ ولمَّا اعترضَ الفقيهُ قائلاً: ”أمَّا هذا فلا سبيلَ إليه لأنَّ الناسَ شريفَهم ووضيعَهم في العِلم سوَاء“ وافق الأمير ”على أن يُضرَبَ بينَهم وبينَه سِتْر.“7 أرجو يلاحظ القارئ الكريم في هذا السياق، أنَّ ”العَقل المجتمعيّ“ الذي يخضعُ له الأمير لا يتَّبعُ المبادئَ السامية العامة التي تَدعو إلى المساواةِ بين الناس في تحصيل العِلم، لأنَّ مبادئَ العَقلِ المجتمعيِّ أقوى منها، بل ترقى على مبادئ الدين والقوانينِ المكتوبة بوجهٍ عامّ. وهذا مانطلق عليه "سلطة العقل المجتمعي المتحكمة".
وتبعا لتلك الطبقية المستشرية، انقسم المعلمون والمؤدبون كذلك إلى ثلاث فئات: الفئة التي تعلم طبقة العامة في الكتاتيب، وهم يمثلون أدنى درجات السلم المهني ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، والفئة التي تعلم أبناء الطبقات العليا في المجتمع: الأمراء والوزراء والأغنياء، ويطلق على هؤلاء لقب" المؤدبين"، والفئة الثالثة، هي التي تعلم أبناء الخلفاء وولاة العهد. وهم عادة من العلماء البارزين الذين أطلق عليهم تعبير "كبار المؤدبين" من أمثال سيبويه والكسائي والأصمعي.8

تأثر العرب بالثقافات الأخرى
كان لاختلاط العَربِ بالثقافاتِ الأُخرى دورٌ كبيرٌ في دَفعِهم إلى العِلمِ والتعلُّم. فمنذُ وقتٍ مُبكرٍ بعد فَتحِ الشام، شرعَ المسلمون بإرسالِ أولادِهم إلى الكتاتيبِ التي كان يُديرها النَصارى لتعلُّمِ القراءةِ والكتابة. واتَّخذ مُعاوية زمرةً من نصارى الشام ليُعينوه في إدارةِ الدَولة وتنظيمِ شؤونها فاتَّخذ سرجونَ بنَ منصور رئيسًا للديوان وقنان بن متَّى كاتبًا وابنَ أثال طبيبًا.
ويقول أحمد أمين إنَّ المدارسَ السريانيَّة ظلَّت مفتوحةً في عهدِ الدَولة الأُمويَّة كما كانت، ولم يتدخَّل الخلفاءُ في شؤونِهم إلاَّ عندما يحتدمُ النـزاع الدينيُّ فيما بينَهم (أي بين النصارى أنفسِهم)، فيلجأ بعضُهم إلى الخليفةِ يَستنْصرُه. واشتُهِرَ من العُلماء السريان، في ذلك العَصر، يعقوب الرُّهاوي (640-708 م تقريبًا) الذي تَرجم كثيرًا من كتاب ”الإلهيَّات“ اليونانيّ. ولهذا الرجُل فضلٌ كبيرٌ في تعليم الناشئةِ من المسلمين، إذ أفْتى رجالُ الدِّين من النصارى بأنَّه يحلُّ لهم أن يُعلِّموا أولادَ المسلمين التَعليمَ الراقي. ”وهذه الفتوَى تدلُّ من غير شكٍّ على إقبالِ بعضِ المسلمين، منذُ ذلك العصر، على دراسةِ الفلسفة على ايدي هؤلاء النصارى. وتردُّد هؤلاء أول الامر في تعليمهم... ولمَّا جاء دَورُ نقلِ الفلسفةِ والعلوم إلى العربيَّة في العهدِ العبَّاسيّ، كان لهؤلاء السريانيِّين الفضلُ الأكبر في التَرجمة، أمثال حُنَين بن إسحاق، وابنِه إسحاق، وابن أختِه حُبَيش.“9

تأثر العقل العربي بالثقافة اليونانية قبل العصر العباسي
لذلك يرى أحمد أمين، خلافًا لما هو شائع، أنَّ الثقافةَ اليونانيَّة قد أثَّرت في العَقل العربيِّ قبل العَصر العباسيّ، ويُضيف: ”الآن نستطيعُ أن نفهمَ أنَّ الثقافةَ اليونانيَّة كانت مُنتشرةً في العراق والشام والإسكندريَّة، وأنَّ المدارسَ انتشرَت على يَدِ السريانيِّين. وأنَّ هذه المدارسَ وهذه التعاليمَ أصبحت تحت حُكم المسلمين، وامتزجَ هؤلاء المحكومين بالحاكمين. فكان من نتائج هذا أن تشعَّت وتشبَّثَت هذه التعاليم في المَلـَكة الإسلامية، وتزاوَجت العقولُ المختلفة، كما تزاوجت الأجناسُ المختلفة، فنتجَ عن هذا التزاوُج الثقافةُ العربيَّةُ أو الإسلاميَّة، ونتجتِ المذاهبُ الدينيَّة والفلسفةُ الإسلاميَّة والحركاتُ العلميَّة والفنون الأدبيَّة“.10
ويؤكِّدُ أحمد أمين انفتاحَ العرب على الثقافاتِ الأُخرى منذُ وقتٍ مُبْكر، ويقول: ”ولا يقدحُ هذا في أيَّة أُمَّة، فالعِلم مُلكٌ شائع، ومرفقٌ مُباحٌ يغترفُ منه الناسُ جميعًا. وإنَّما الذي يقدحُ في الأمَّة حقًّا أن تُغمضَ عيونَها، وتَسدَّ آذانَها عمَّا حولها من نظريَّاتٍ وأفكار، وأن يدفَعها تعصُّبها الأعمى إلى أن تنسبَ لنفسها ما ليس لها، وتَعزو إليها خلقَ ما لم تخلق، وابتداعَ ما لم تبدع" 11(ص 134). وهذا نقدٌ واضحٌ للأمَّةِ العربيَّةِ التي تخلَّفت عن رَكبِ الحضارة الحديثة لأنَّها صمَّت آذانَها وأغمضَت عيونها عمَّا حولها لفترةٍ طويلة. بل عارضتْ ورفضتْ مبدأَ الديمقراطيَّة، مثلاً، باعتبارهِ يتعارضُ مع الدِّين الإسلاميّ. ولكلِّ حادثٍ حديث.

تصنيف الفكر التربوي الإسلامي
ويقسمُ محمَّد جواد رِضا الفكرَ التربويَّ الإسلاميَّ إلى ثلاث مراحل: 1) من هِجرةِ الرسول (ص) حتَّى قيامِ ”دار الحكمة“ في بغداد عام 217هـ/ 832 م. 2) من قيامِ ”دار الحكمة“ حتَّى إنشاءِ ”المدرسة النظاميَّة“ في بغداد حوالى سنة 462هـ/ 1065 م. 3) ما بعد النظاميَّات حتَّى سقوطِ الخلافةِ العثمانيَّة، في عام 1924. 12
ويُركِّزُ على المرحلتَين الأُولى والثانية؛ أمَّا الثالثة فيرى أنَّها لا تستحقُّ البحثَ لأنَّها تتَّسمُ بالتقليد والجمُود.
ويرى أنَّ المرحلةَ الأُولى تتميَّزُ فكريًّا وتربويًّا بهيمنةِ الفِكر الدينيِّ شبهِ المطلقة وشُيوعِ الاتِّباع أو التقليدِ الذي كان استمرارًا طبيعيًّا لزمنِ الرسول ومحاولةِ الثبات عليه 12(ص 95).

مناقشة هذا التصنيف
ونرى أنَّ هذا الحُكمَ يتَّسمُ بالتسرُّع والتبسيط. صحيحٌ أنَّ مبادئَ هذا الدِّين الجديد قد طغَت على مُعظمِ مَناحي الحياة، كأيِّ إيديولوجيَّةٍ جديدةٍ يؤمنُ بها مُعظمُ أفرادِ المجتمع كعقيدةٍ مُقدَّسة. ولكن ينبغي أن نُلاحظَ أنَّ قِيمَ ”العَقل المجتمعيّ“ السابقة لا تزولُ هكذا بجرِّة قَلم؛ فقد ظلَّ الصراعُ مستعرًا بين القِيَمِ الثوريَّةِ التقدميَّة الجديدة التي أثَّرت في العَقلِ المجتمعيّ، وبين تلك القِيَم البدويَّةِ المتخلِّفةِ التي كانت سائدةً في العَقلِ المجتمعيِّ الجاهليّ، والتي استمرَّت بعد الإسلام، بل إلى يومنا هذا، بأشكالٍ مُختلفة. وقد عالجنا هذه الظاهرةَ في بحوثٍ سابقة. 13
ومن جهةٍ أُخرى، فإنَّ التزامَ تعاليمِ الدِّينِ الجديد لم يَكن حَرفيًّا أو دقيقًا كما يُوحي به تَعبيرُ الكاتب، بل حصلتِ اجتهاداتٌ وخروقاتٌ منذ خلافةِ أبي بَكر ثمَّ عُمَر، اقتضَتْها الظروفُ الآنيَّة والمصلحةُ العامَّة. وقد فصَّل محمَّد عابد الجابريّ ذلك في كتابهِ ”الدِّين وتطبيق الشريعة“.14
أمَّا بعد الخلافةِ الراشدة فقد حصلَت تغيُّراتٌ جوهريَّةٌ في بِنيةِ العَقلِ المجتمعيِّ العربيِّ الإسلاميِّ بسببِ بدايةِ التفاعُلِ مع الحضاراتِ الأُخرى كما فصَّلنا سابقًا. لذلك كنَّا نفضِّلُ أن يَفْصِلَ المؤلِّف بين هذه المرحلةِ والتي قبلها، ويعتبرَها مرحلةً جديدةً تُمهِّدُ لمرحلةِ عصرِ المأمون التالية، أو لعَصرِ التدوين كما نَرى؛ فتُصبح المراحلُ أربعَ بدل ثلاث. ويعترفُ المؤلِّف بحقيقةٍ تُميِّزُ هذه المرحلة (مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة، أي الثانية في نظرنا) حين يقول: ”إنَّ هذه النيَّة الرفيعة في نَقاء العقيدةِ وصفائها كانت غيرَ مُتناغمةٍ مع تحوُّلاتِ الواقع الثقافيِّ الذي وجدَ العربُ أنفسَهم فيه، بعد الفتوحِ الإسلاميَّة ومخالطتِهم المِللَ الأُخرى وتذوُّقِهم ما عندَها من فنونِ العِلم والإدارةِ والآدابِ والتعليم.“ ثمَّ يؤكِّدُ اهتمامَ العَرب، في تلك المرحلةِ المبكرة، بما لدى الأُممِ الأُخرى من ذخائرِ الحكمة، فأقبلوا على ترجمةِ بعضٍ ممَّا يتعلَّق خاصَّةً بالنجوم والتاريخ والسِيَر. ويُشير إلى أنَّ خالد بن يَزيد بن مُعاوية هو أوَّل من ارتبطَ اسمهُ بالترجمةِ من اليونانيَّة، متأثِّرًا بعواملَ تربويَّةٍ مُختلفة. فقد أشرفَ على تربيتهِ العلميَّة راهبٌ نصرانيٌّ اسمُه "مريانوس"، لذلك اهتمَّ خالد بالكيمياء والتنجيمِ والطبّ. ويُضيف: ”على أنَّ الاحتكاكَ الثقافيَّ بين العَرب وغيرِهم سُرعانَ ما تجاوزَ طبيعَته الفرديَّة ليتحوَّلَ إلى ظاهرةٍ ثقافيَّةٍ راحت تفعلُ فِعلَها في التمهيدِ لخَلق الثقافةِ العالميَّة التي ازدهرَت في القرونِ التالية“15 . وهكذا نؤكِّد مجدَّدًا أهميَّةَ اعتبارِ هذه المرحلةِ مُستقلّةً عن المرحلةِ السابقة.
وبما أنَّ اللغةَ العربيَّة أصبحَت تُمثِّل، في هذه المرحلة، اللغةَ الرسميَّةَ ولُغةَ الإيمانِ والعَقيدة، فقد أقبلَ الموَالي على تعلُّمِها وتعليمِها لأولادِهم، فأتقَنوها بل حذقوا فيها، حتَّى إنَّ الخليفةَ عبد الملك بنَ مروان، الذي كان مُتعصِّـبًا للعَرب، اختار إسماعيل بنَ عبيد الله بن أبي المهاجر لتعليمِ أولادِه اللغةَ العربيَّة. وقال في ”معرض الاستعبار“: ”ما رأيتُ مثلَنا ومثلَ هؤلاء الأعاجم. كان المُلكُ فيهم دهرًا طويلاً. فوالله ما استعانوا منَّا إلاَّ برجُلٍ واحد (يقصد النعمان بن المنذر)، ثمَّ عَدوا عليه فقَتلوه. وإنَّ المُلكَ فينا منذُ هذه المدَّة وقد استعنَّا منهم برجال. وهذا ابنُ مُهاجر يُعلِّمُ ابنَ أمير المؤمنين العربيَّة.“16 وفي هذا التصرُّف، وما تبعَه من مظاهر التلاقُحِ والتأثيرِ والتأثُّر، حكمةٌ وعبرةٌ لمن يَعقلُ ويَعتبر، لاسيَّما إذا تذكَّرنا الحديثَ الشريف ”اطلبوا العِلمَ ولو في الصين“ أو ”خُذوا الحكمةَ من أيِّ وعاءٍ خرجَت.“
أما المرحلةُ الثانية، (وهي الثالثة برأيِنا) فقد بدأَت، في رأيِ جواد رِضا، بتأسيسِ ”دار الحكمة“ (217هـ/ 832م) التي وضعَت جميعَ التُراثِ الهيلِّينيّ الكلاسيكيّ، الذي نَقلَه العُلماءُ الوثنيُّون الهاربون من اضطهادِ جوستنيان في القسطنطينيَّة، تحت تصرُّفِ المثقَّفينِ والطلاَّبِ على وجهِ العموم.
بينما نحن نَرى أنَّ هذه المرحلة، وهي الثالثة حسب تصنيفنا، تبدأُ من عَصر التدوين في منتصف القرن الثاني للهجرة. فما هو عَصرُ التدوين وما هي أهميَّـتُه؟

عصرُ التَدوين
يمكنُ القولُ إنَّ المعارفَ التي كانت معروفةً وسائدة، قبل العَصر العباسيّ، وخصوصًا قبلَ العَصرِ الأُمويّ، كان أكثرُها مُتداولاً في الغالبِ شفَويًّا، أي عن طريق الروايةِ والقَولِ والسماع. فقبلَ معرفةِ الوَرق، الذي انتشرَت صناعتُه في العَصرِ العبَّاسيّ الأول، كانت الكتابةُ نادرة، لاسيَّما بسببِ وسائلِها المحدودة. ومن هذه الوسائل الرقّ، وهو الجِلدُ المرقَّق، وعظامُ أكتاف الإبل والغنَم؛ والقرطاس، وهو ورقٌ يُـتَّخذُ من بَرديّ مصر، كما وردَ في ”صُبح الأعشى“. وبشأنِ جَمعهِ للقرآن، يقولُ زَيد بن ثابت: ”فجعلتُ أتتبَّعُ القرآن من العُسب واللُخاف.“ واللُخاف حجارةٌ بيضٌ رِقاق، وعُسب النخل هي الجريد الذي لا خُوصَ له.17
أمَّا في العَصر العباسيِّ الأوَّل، حيث انتشرَت صناعةُ الوَرق، ولاسيَّما خلال خلافة المنصور (136-158هـ)، فقد بدأ عهدٌ جديد تركَ أثرَه في جميعِ العُصورِ التي بعدَه، حتَّى عصرِنا الحديث.
يقولُ الذهبيّ: ”في سنة ثلاثة وأربعين ومائة، شرعَ عُلماءُ الإسلام في تَدوينِ الحديثِ والفِقه والتفسير. فصنَّفَ بنُ جُريح بمكَّة، ومالك ”الموطَّأ“ بالمدينة، والأوزاعيّ بالشام، وابنُ أبي عروبة وحمَّاد بن سلمة... وصنَّف ابنُ إسحاق ”المغازي“، وأبو حَنيفة ”الفِقه الأكبر“ والرأي إلخ. وفي هذا السياق يقولُ السُّيوطّي: ’وقبل هذه العُصر كان الأئمَّةُ يتكلَّمون من حِفظهم أو يَروون العِلمَ من صُحفٍ صحيحةٍ غير مُرتَّبة‘ “18. كما إنَّ العِلمَ الدينيَّ هو الذي كان سائدًا، على وَجه العموم، ولكنْ لم تتميَّز فروعُه، مثلُ الفِقْهِ والتفسيرِ والحديثِ وغيرِها، من الفروعِ التي ظهرَت فيما بعد. أمَّا في العَصرِ العباسيِّ حين بدأ عصرُ التدوين، فقد ”وُضِعَت في العربيَّةِ أُسسُ جميعِ العُلومِ تقريبًا، فقلَّ أن ترى عِلمًا إسلاميًّا نشأَ بعدُ ولم يكنْ قد وُضعَ في العَصرِ العباسيّ،“ وَفقَ ما أشارَ إليه الذهبي19.
ليس تدوين بل ابداع وخلق
وأرى أنَّ إطلاقَ تعبيرِ ”عصر التدوين“ على هذه الفترة هو أقلُّ مِمَّا يستحقُّه، لأنَّه أكثرُ جدًّا من ذلك. فهو عصرُ إبداعٍ وخَلق، بل هو العصرُ الذي أرسى أُسُسَ الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة العالِـمة. ومن جهةٍ أُخرى، نرى أنَّه غيَّرَ وطوَّرَ ”العَقل المجتمعيَّ العربيَّ الإسلاميّ“، وخصوصًا في الأوساطِ المثقَّفةِ والعالِمة، من شكلٍ إلى شكل. فبعد أن كانت مرجعيَّتهُ الفكريَّةُ النُصوصَ الدينيَّة فقط، أصبحت مرجعيَّتُه مزيجًا مُتفاعلاً من المنقول والمعقول. ويُعبِّر سليمان المنطقي السجستانيّ (391هـ) عن هذه الحالة بقوله: ”إنَّ الفلسفةَ حقٌّ، لكنَّها ليست من الشريعةِ في شيء. والشريعةُ حقٌّ، لكنَّها ليست من الفلسفةِ في شيء. وصاحبُ الشَريعةِ مبعوثٌ وصاحبُ الفلسفة مبعوثٌ إليه... الأوَّل مَكفيٌّ والثاني كادح. وهذا يقولُ: ’أُمِرتُ وعُلِّمتُ...‘ وهذا يقول: ’رأَيتُ ونظرتُ واستحْسنتُ واستقْبحتُ.‘ وهذا يقولُ: ’نورُ العَقل أهتدي به،‘ وهذا يقولُ: ’معي نورُ خالِق الخَلقِ أمشي بضيائه.‘ وهذا يقولُ: ’ قال الله تعالى...‘ وهذا يَقولُ: ’قال أفلاطُون وقال سُقراط.‘ “20
كما نشأ علمُ الكلام، مثلاً، للدفاعِ عن الإسلام دفاعًا مُسلَّحًا بالفلسفةِ التي تَسلَّحَ بها الخصُوم، ثمَّ تحوَّلتِ المسائلُ جميعُها، بما فيها الدّين، إلى علومٍ، بعد أن كانت سائرةً على الفِطرة، كما يقولُ أحمد أمين21
أهمية عصر التدوين
ولهذا، فإنَّنا نولي عَصرَ التَدوينِ أهميَّةً خاصَّةً في بحثِنا هذا؛ ذلك لأنَّ الحركاتِ الفكريَّةَ الكُبرى، التي تَنقلُ ”العَقل المجتمعيّ“، وبالتالي المجتمع نفسه، من مرحلةٍ إلى أُخرى، لا يُمكنُ أن تحدثَ من فراغ، بل لا بُدَّ من أن تكونَ ناتجةً عن تطوُّرٍ تربويٍّ وتعليميٍّ مُعيَّن، بالإضافةِ إلى ظروفٍ وشروطٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ مُؤاتيةٍ أُخرى. ولنتأمَّلْ معًا، بإعجاب، كيف يصفُ أحمد أمين الحركةَ الكُبرى التي حَدثَت في عَصرِ التدوين:
”وكان نشاطُ المسلمينَ في ذلك يَسترعي الأنظارَ ويَستخرجُ العَجب، وليس هناك من نشاطٍ يُشبهُه إلاَّ نشاطُ العَرب في فُتوح البلدان—وقد نظَّمَ العُلماءُ أنفسَهم فِرقـًا كفِرَق الجيش، كلُّ فرقةٍ تغزو الجهلَ أو الفوضى في ناحيتها حتَّى تُخضعَها لنظامها. ففرقةٌ للُّغة، وفرقةٌ للحديث، وفرقةٌ للنَحو، وفرقةٌ للكلام، وفرقةٌ للرياضيَّات، وهكذا، وهُم يتسابقونَ في الغَزوِ والانتصارِ وتَدوينِ العِلم وتنظيمهِ تَسابُقَ قبائلِ العَرب في الفتوحِ والغزوات، كلُّ قبيلةٍ تودُّ أن تكونَ السَابقة في الميدان. ووُجِد في ساحةِ الميدان العلميِّ قوَّادٌ بارزون يتنافسون في الابتكار؛ فإذا فاز أبو حَنيفة بوَضْعِ الفِقه، ثارتْ حماسةُ الخليل بن أحمد فيضعُ العروضَ ويرسمُ المنهجَ لمعجمِ اللُّغة... وقد ظلَّ المسلمون طول حَياتهم العلميَّةِ يعيشون على هذه الثروة التي وُضِعتْ في هذا العَصر، ليس لدَيهم في الغالبِ من أثرٍ إلاَّ الإيجازُ حينًا والإطنابُ حينًا، وجمعُ متفرِّقٍ وتفريقُ مجتمِع؛ أمَّا الابتكارُ فقليلٌ نادر“22
فلا غَرو، والحالةُ هذه، أن يَعتبرَ الجابريُّ عصرَ التدوين إطارًا مرجعيًّا للمجتمعِ العربيِّ الإسلاميِّ حتَّى يومِنا هذا، فيقول: ”إنَّه الإطارُ المرجعيُّ الذي يشدُّ إليه، وبخيوطٍ من حديد، جميعَ فروعِ هذه الثقافة، ويُمثِّلُ جميعَ تموُّجاتِها السابقة إلى يومِنا هذا... بل إنَّه الإطارُ المرجعيُّ الذي يتحدَّدُ به ما قبله.“23 ويقصدُ بما قَبلَه العصرَ الأُمويّ والراشديّ والنبويّ والجاهليّ. لذلك، فإنَّ لهذه الفترةِ أهمَّيتَها القُصوى في تحديدِ العَقلِ العربيّ مثلما يقول، وفي تكوينِ ”العَقل المجتمعيّ“ العربيّ الإسلاميّ، وَفقَ مفهومِنا. ولا عجبَ أن يدعوَ بحماسٍ إلى تدشينِ عَصرِ تَدوينٍ جديدٍ في الوطنِ العربيّ. وكمحاولةٍ متواضعةٍ في هذا السبيل، كنَّا قد دعَونا، منذُ أكثر من عشرة أعوام، إلى إنشاء مؤسَّسةٍ موسوعيَّةٍ في المهجر تَعمل، بين أمورٍ أُخرى، على وَضعِ موسوعةٍ عربيَّةٍ جامعة، باعتبارِ أنَّ المهجرَ يوفِّرُ المُناخَ الملائمَ لذلك، خلافًا للوطنِ العربيّ، الذي يقتلُ حريَّةَ الفِكر والإبداع، على وَجه العموم.24
معاهدُ العلمِ والتعليم
في الحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة
وهكذا فإنَّ هذه الحركةَ الفكريَّة: العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة والفقهيَّة... التي حدثَت في ”عَصر التَدوين“ لا بُدَّ من أن يكونَ وراءَها حركةٌ تعليميَّةٌ واسعة، بالإضافة إلى عواملَ أُخرى تخرجُ عن موضوعِنا الآن. فهذه الثورة العلمية، الفلسفية والأدبية، لا يُمكنُ أن تنتجَ من فراغ أو في بيئةٍ متخلفة جاهلة. ففضلاً عن التعليمِ المتميِّز الذي كان يُوجَّهُ إلى عِليَّة القَوم، والذي كان يَعتمدُ على ”المؤدِّب“، أو المعلِّم الخاصّ، لا بُدَّ من أنَّ للعامَّةِ وسائلَها في التَعليم والتعلُّم. ومن أهمِّ هذه الوسائل التي كانت مُتوافِرة، حسبَ علمنا، 1) الكتاتيب، التي تُشكِّل المراحلَ التعليميَّةَ الأُولى؛ 2) المساجد، وتُشكِّلُ المراحلَ الثانويَّةَ والعالية، وتتمثَّلُ في حلقاتِ التدريس والاستماعِ والمناقشة؛ 3) مجالس المناظرات، التي كانت مَنابرَ لصراعِ الأفكارِ والنظريَّاتِ والتنافُسِ العلميِّ والأدبيّ، بين العُلماء والفلاسفة؛ 4) المكتبات العامَّة والخاصَّة؛ 5) المدارس التي انتشرَت خصوصًا بعد خلافةِ المعتضد (279-289هـ/892-901م)، ولاسيَّما على يَدِ الوزير ”نظام الملك“، الذي أقام المدارسَ النظاميَّة الكُبرى في بغداد. وسنحاول أن نستعرض هذه الوسائل في الفصل القادم.

المراجع والحواشي:
1. وردَت هذه الأحاديثُ في كتاب ”إحياءُ علوم الدين“ للغزالي، في الباب السابع: في العقل وشرفِه وحقيقته وأقسامِه (القاهرة: دارُ الشعب، سلسلة ”كتاب الشعب“ (بلا تاريخ)، ص 141-144.
2. فرَج فودة: ”الحقيقة الغائبة“، طبعة خاصَّة، ص82.
3. محمَّد سعيد العشماوي: ”الإسلامُ السياسيّ“ (القاهرة: 1989)، ص10، عن محمَّد عمارة، ”سقوط الغلو العلمانيّ“ (القاهرة: دار الشروق، 1995)، ص 112.
4. أحمد أمين: ”ضُحى الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ج 3، ط10، بدون تاريخ)، ص 185. تختلفُ الروايات في كيفيَّة موت أبي حنيفة، لكنَّ الأكيد أنَّه تُوفِّيَ بعد وقتٍ قصير من استدعاء المنصور له. وقبرُه متميِّزٌ في بغداد, ويُسمَّى ”المُعظَّم“ نسبةً إلى لقبِه ”الإمام الأعظم“.
5. آدم مِتز: ”الحضارةُ الإسلاميَّة في القرن الرابع الهجريّ“، نقلَه إلى العربيَّة محمَّد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1940-1941، ج 1)، ص1-2. عن محمد جواد رضا" العرب والتربية والحضارة"(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 3، 1993)، ص91.
6. ملكة أبيض: ”التربية والثقافة العربيَّة الإسلاميَّة في الشام والجزيرة خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة“ (بيروت: دار العلم للملايين، 1980)، ص90 - عن محمَّد جواد رضا: ”العربُ والتربية والحضارة، الاختيار الصعب“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 3، 1993)، ص93.
7. ابن عساكر"تاريخ مدينة دمشق" ص208. عن جواد رضا ً94.
8. محمد جواد رضا، المرجعُ الوارد ضمن الحاشية 6، ص 94.
9. أحمد أمين: ”فجرُ الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ط11، 1975)، ص 132.
10. المرجع الأخير، ص132.
11. المرجع السابق، 134
12. محمَّد جواد رضا، ص 95.
13. أنظر بحوثي حول نظريَّة البداوة في مجلة ”صوت داهش“، في خمسة أعداد: من ربيع 2004 إلى شتاء 2005. انظر كذلك محمَّد سعيد العشماوي، في كتابه ”معالمُ الإسلام“ ص 18-19 و22-23 وكتاب ”الإسلام السياسيّ“ ص10، عن محمَّد عمارة، ”سقوط الغلو العلمانيّ“ (القاهرة: دار الشروق، 1995)، ص112-113.
14. محمَّد عابد الجابري: ”الدِّينُ والدولة وتطبيقُ الشريعة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1996).
15. جواد رضا، المرجع السابق،ص96
16. ابن عساكر: ”تاريخ مدينة دمشق“، ج 19، ورقة 408، نقلاً عن محمَّد جواد رِضا، المرجع السابق، ص 97.
17. أحمد أمين، ضحى الإسلام ، ج2، ص20.
18. أمين، المرجع السابق، ج2، ص11.
19. نفس المرجع، ص 13.
20. أبو حيَّان التوحيديّ: ”الإمتاعُ والمؤانسة“، (بيروت: دار مكتبة الحياة، ج 2، ص32، نقلاً عن محمَّد جواد رِضا، ص100).
21. أحمد أَمين: ”ظُهرُ الإسلام“، ج 2، (بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1969)، (ص50).
22. أمين، "ضحى الإسلام"، ج2، ص19.
23. الجابري: ”تكوين العقل العربي“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1991)، ص 62.
24. انظر مثلا: علاء الدين الأعرجي،"الموسوعة العربية الجامعة:مسؤولية المثقفين العرب في المهجر"، صحيفة القدس العربي4/1/1996 . وقد نشرت عشرات المقالات والبحوث بشأن هذالمشروع في مختلف الصحف والمجلات بما فيها مجلة" الناقد" التي كانت تصدر في لندن، ومجلة الهلال المصرية وغيرها.