You are here

ذكرى قصف دريسدن (2)

ayman zaghloul's picture

وللإطلاع على خلفيات هذه المجازر لابد للعودة قليلا إلى الوراء.
ففى ليلة 11 نوفمبر من عام 1940 قام سلاح الجو البريطانى بالهجوم المفاجىء على الأسطول الإيطالى الراسى فى ميناء تارانتو بالبحر المتوسط وكان هجوما خاطفا لم يحسب له الإيطاليون حسابا ونتج عنه تدمير ذلك الأسطول بحيث أنه لم يعد يضاف إلى قوة دول المحور. وهذه الغارة كانت بمثابة بروفة لغارة اليابان بعد ذلك بعام على ميناء بيرل هاربور فى غرب الولايات المتحدة على ساحل المحيط الهادى وهى الحادثة التى أدخلت الولايات المتحدة بطريقة رسمية الحرب العالمية الثانية. وقد أراد الألمان رد الصفعة التى خيل لهم أنهم قد تلقوها بتدمير الأسطول الإيطالى فقرروا القيام بعملية من نوع جديد هى عملية قصف جوي لمدينة بريطانية حتى يحطموا الروح المعنوية فوقع خيارهم على مدينة كوفنترى Coventry الواقعة إلى الشرق من مدينة برمنجهام والتى تقع شمال غرب لندن. وكان الهجوم مفاجئا وغير متوقع حيث جاء عقب الغارة على تارانتو بيومين فقط وكان موعده يوم 14 نوفمبر أى فى نفس الأسبوع وتسبب عنه قدر كبير من الخسائر بحيث كان فاتحة إستعمال الطائرات حروب ترويع المدنيين وجاءت نتيجة القصف تحمل أنباء بمصرع ما يزيد عن 550 قتيل.
وهنا لم يستطع رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل أن يمنع نفسه عن زيارة الموقع فى تلك المدينة بصحبة قائد القوات الجوية فى ذلك الوقت آرثر هاريس حيث عاين الرجلان آثار الضرب وشاهدا بعيونهما ما يمكن أن تحدثه الطائرة من خسائر سريعة وثقيلة من الجو فى أوساط المدنيين.
وكان الطيار الالمانى السابق هرمان جورنج الذى خاض معارك جوية فى الحرب الأولى قد صرح عقب غارة كوفنترى أننا سوف نحول كل مدن إنجلترا إلى كوفنترى Coventrieren وهو فعل مشتق من إسم المدينة المضروبة ويعنى أن على إنجلترا أن تتوقع المزيد من هذا النوع من غارات المدن.
وهرمان جورنج كان رجلا غبيا فاسدا لا مؤهل له وكان يحب المال والتحف الاثرية والمقتنيات الثمينة ولم يكن على أى قدر من الثقافة أو المعرفة وجل مؤهلاته هى إصابته فى الحرب العالمية الأولى مما أدى إلى عاهة مؤلمة كان يتعاطى بسببها المورفين باستمرار للتغلب على الآلام المزمنة ليل نهار وكان مقربا من هتلر فجعله رئيس سلاح الطيران مع أنه كان كما أسلفت لا يتمتع بأى ذكاء.
وتصريحه هذا الذى يحمل معنى التهديد ونقل الحرب من النطاق العسكرى إلى النطاق المدنى بقصف المدن كان هو الدافع إلى إتخاذه ذريعة من الإنجليز للتوسع الهائل فى ضرب المدن وبالذات فى المرحلة الأخيرة من الحرب.
وكان سبب اختيار مدينة كوفنترى لكي تكون محلا للاغارة الجوية هو تواجد مصانع السلاح في وسطها وكذلك مساكن عمال هذه المصانع حولها. وقد استعمل سلاح الجو الألماني قنابل حارقة مع قنابل البارود العادية مما جعل الإنجليز يتنبهون الي أهمية القنابل الحارقة في قصف المدن حيث أن التدمير لا يحدث بفعل البارود ولكنه يقع بفعل الحريق. ووضعت المخابرات البريطانية قائمة تضم 57 مدينة ألمانية تم تصنيفها علي أساس واحد فقط وهو قابليتها للحريق أو للاشتعال. وكانت مدينة لوبيك وهي ميناء في شمال ألمانيا أفضل مرشح حيث أن قابليتها للاحتراق كانت من الدرجة الأولي بسبب قدم مبانيها المقامة من الخشب وبذلك وقعت عليها اول غارة بريطانية انتقامية لقصف كوفنترى وقصف لندن بطريقة متكررة منذ سبتمبر 1940. ‏وشارك في تلك الغارة أكثر من 200 طائرة.
ثم جاء الدور بعد ذلك علي كولونيا في غرب ألمانيا فهاجمتها أكثر من 1000 طائرة وفي كل مرة كان عدد الطائرات يزيد عن المرة السابقة بحيث وصل في هامبورج عام 43 الي 3000 طائرة قاذفة تقريبا‏ من البلدين بريطانيا وأمريكا على التوالى لمدة أسبوع كامل وكانت الحمولة التي عكف علي دراستها رجال المخابرات تجهز لكى تأتى بأكبر قدر من الخسائر. فقد استقر تقسيمها علي نسبة الثلثين من القنابل حارقة وثلث واحد قنابل بارود عادية. حيث تشعل قنابل البارود مبدأ النار ثم تقوم قنابل الحريق بتوسيعه وجعله علي مساحة هائلة الاتساع سريعة الانتشار. وكانت هذه هي ستراتيجية الجنرال هاريس قائد القوات الجوية البريطانية الذي صرح في بداية تعيينه في ذلك المنصب أن أحدا لم يجرب بعد إمكانيات استغلال قدرات سلاح الجو في حسم المعارك.
وقد صرح الطيار البريطاني النادم علي مشاركته في غارة هامبورج عام 43 انه رأي بعينيه عندما اطل من طائرته، رأي الجحيم علي الأرض حيث كان كل شئ أبيض من شدة الحرارة حتي ان المياه كانت تشتعل!
ويبدو أن هذا اللون الأبيض سببه هو استعمال الفوسفور لكي يضئ السماء للطيارين.
وهكذا بدأ أن لبريطانيا ستراتيجية متكاملة للحرب قوامها قصف المدن ليلا وحرقها بمن فيها‏ طلبا لإجبار ألمانيا علي الاستسلام.
وهنا لابد من وقفة لفحص هذه الستراتيجية من وجهة نظر قانونية.