You are here

هل انهارت مبادرة حوض النيل؟ الفرص والمخاطر

shafei's picture

نحن أمام لحظة تاريخية يعاد فيها رسم خريطة وسط أفريقيا. فقد رضخت أمريكا لأن ترسي الصين وجوداً قوياً في شرق الكونغو، يوازي إن لم يفق وجودها في المنطقة؛ وذلك بعد مفاوضات وصفقات استغرقت أربع سنوات. ومن أول نتائج الوضع الجديد أن سحبت أمريكا حمايتها عن شرطيها في المنطقة، پول كاگامه، رئيس رواندا، وذلك بصدور قرار الأمم المتحدة، في 11-7-2012، بإدانة دور رواندا في عمليات القتل والنهب المنظم في شرق الكونغو، مع حكمين من المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على اثنين من مساعدي كاجامه. ولما كان شرق الكونغو هو أحد منابع النيل، ولـِما كان لرئيس رواندا من دور رئيسي في الموقف العدائي تجاه مصر في مبادرة حوض النيل، وفي السيطرة على خمس من دوله، فمن المنتظر تغير نظم الحكم في تلك الدول قريباً. هذا التغير يحمل في طياته فرص ومخاطر. فالنظام الدولي الجديد يحتاج لقوة إقليمية ترتضيها أمريكا والصين لإرساء الاستقرار. مصر مؤهلة تماماً للعب هذا الدور، وكذلك جنوب أفريقيا. الخطر يكمن في تشظي المنطقة إلى دويلات عرقية متناحرة يمكن من خلالها تمرير سيناريوهات سوداوية لابتزاز دول مصب النيل (مصر والسودان) – وهو الأمر الذي يحتم على مصر السعي بعزم نحو لعب دور القوة الإقليمية المقبولة، وهو ما سيسهم ذلك في تأسيس جديد لعلاقات شراكة صحية بين أشقاء حوض النيل.

مبادرة حوض النيل تضم ثماني دول بالاضافة لمصر والسودان. خمسة منهم يأتمرون مباشرة بأمر پول كاگامه، رئيس رواندا، وهم رواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو الديمقراطي وجنوب السودان (بالاضافة إلى إثيوبيا وكنيا وتنزانيا). فمن أوائل التسعينيات، لعب كاجامه دوراً محورياً في إحلال أمريكا محل فرنسا في تلك المنطقة، وإشعال أكبر حرب منذ الحرب العالمية الثانية (حرب الكونغو، 5.4 مليون قتيل)، تحت ستار ما سماه تعقب فلول الهوتو الذين زعم أنهم أبادوا التوتسي. تم في ظلها ما وصفته الأمم المتحدة في 2001 بأنه أكبر عملية نهب في تاريخ البشرية وكانت لثروات الكونغو. ومكـّن شركات أنجلو-أمريكية من الحصول على امتيازات استخراج الألماس والذهب والنحاس والكوبالت والكولتان بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً. اتسع نطاق دور الشرطي التوتسي الرواندي ليصل إلى الصومال وتسليح وتدريب جنوب السودان وإرسال مرتزقة إلى العراق وأخيراً طرح مبادرة حوض النيل لاعادة تقاسم مياه النيل.

تواصل النهب الرواندي حتى حلت الأزمة الاقتصادية العالمية في 2007 التي تسببت في تراجع حاد في صادرات الكونغو، ولم يتمكن الغرب من إعانة الكونغو. فاتجه الرئيس الكونغولي الشاب، جوسف كابيلا، إلى الصين عارضاً حق تطوير مناجم نحاس وكوبالت، مقابل تمويل خمس مشاريع للبنية التحتية. وفي نهاية 2007، وقع رئيسها، "هو جين‌تاو"، مع الرئيس كابيلا، مذكرة تفاهم لصفقة مقايضة قيمتها 9 مليار دولار مقابل حق تطوير والانتفاع بمناجم نحاس وكوبالت جديدة (سيكومين) في شرق الكونغو.

لم يستطع الغرب المأزوم منافسة العرض الصيني، فطلب من مدير صندوق النقد الدولي، كممثل لنادي باريس للمقرضين، إيقاف الصفقة. ففاوض "دومنيك ستروس-كان" الحكومة الصينية، التي كانت في 2009-2010 تجري مفاوضات اقتصادية معقدة مع الولايات المتحدة. وافقت الصين على تضييق الصفقة إلى 6 مليار دولار واستمرار شراء الصين لسندات الخزانة الأمريكية لعامين (لدعم عجز الميزانية الأمريكية)، مقابل حصول الصين على حصة أكبر في صندوق النقد الدولي وعدم اعتراض الغرب على صفقة سيكومين. "ستروس-كان" الذي كان يقود حملته الانتخابية لرئاسة فرنسا، لم يقنع الرئيس الكونغولي بترك الصفقة، على الرغم من العلاقة الوطيدة بينهما، بل خرج كابيلا مصراً على فرض رقابة على جميع شركات التعدين في شرق الكونغو، وهي أمريكية وبريطانية وصينية، وهو الكفيل بالقضاء على نهب ثروات البلاد ودور رواندا فيه. ثم وقع على صفقة سيكومين في نهاية 2010. وبعد شهور ألقي القبض على "ستروس-كان" بتهمة الزنا في نيويورك، وانتهت حياته السياسية – فهل كان انتقام لبلاده؟

شرعت الصين في تسليم شبكات طرق وسكك حديدية، فارتفعت شعبية كابيلا. أما الصين فليس لديها حاجة لخدمات كاجامه. فاستقوى بها كابيلا وتمرد على رئيس أركانه المفروض عليه، بوسكو نتاگاندا، الرواندي التوتسي، الذي كان أحد مساعدي كاجامه. فاستصدر، في أبريل 2012، أمراً من المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على نتاگاندا، بتهمة تجنيد الأطفال والقتل والنهب. ثم في يونيو أمراً بالقبض على توماس لوبانگا، مساعد آخر لكاجامه، وزعيم حركة 23 مارس (M23). وبعد أسبوعين، في 11 يوليو، أصدرت الأمم المتحدة لأول مرة قراراً يدين تورط رواندا في أعمال التمرد والنهب في شرق الكونغو، عبر (إم23). وحالياً تقوم قوات الأمم المتحدة (مونوسكو) بقصف مروحي لقوات تلك الجماعة التي تزحف نحو گوما، أكبر مركز في العالم لانتاج الكوبالت والكولتان (المستخدم في الهواتف النقالة).

فرص ومعوقات مصر

تتكون قوة الأمم المتحدة بالكونغو من 17 ألف فرد، تساهم مصر بـ 1,361 فرد منهم، بينما تساهم شبه القارة الهندية بحوالي 11,000 جندي. كما بدأت الشركات الهندية في التدفق على الكونغو لتطهير القنوات ومد شبكات الكهرباء. ليس هناك ما هو أهم لمصر من مياه النيل لتجود فيه بالروح، وإن كان الأمر لا تكتنفه المخاطر أو التكاليف، فالأمم المتحدة متكفلة بها. كما يجدر بمصر المساهمة ببناء شبكة مراقبة فيضان روافد النيل كبادرة إخاء.

موافقة الدول الكبرى على هذا الامتداد للدور المصري ليست مضمونة، بل أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن هناك من يسعى في الأمم المتحدة لتقليص حجم المساهمة الضئيل لمصر في قوة الكونغو. فتشير تلك التقارير إلى أن الجنود المصريين (1,348 فرد) لا ينفذون الأوامر العاجلة إلا بعد استشارة القاهرة وهو ما يستغرق أسابيع في بعض الأحيان، في وسط ميدان قتال مشتعل. أما أفراد الشرطة المصريون (13 فرد) في الكونغو فتتهمهم تقارير الأمم المتحدة بعدم الانضباط، ومثال لذلك أنهم تلقوا أمراً بنقل 60 حاوية من نقطة (أ) إلى النقطة (ب)، فبدلاً من ذلك نقلوا 200 حاوية من النقطة (ج) إلى النقطة (د).

كما أن انسحاب القوات المصرية، في 9 أكتوبر 2011، من بلدتي سبله وفيزي أثناء اندلاع غارات الاغتصاب الجماعي التي قامت بها ميليشيات ماي ماي، أدى إلى فرار آلاف السكان الذين كانت تحميهم القوات المصرية.[1] على القوات المصرية أن تشرح للسكان ملابسات الانسحاب واستدعائها من قيادة المونوسكو أثناء تصاعد الهجمات. يجب ألا يغيب عن القوات المصرية أن جزء كبير من مهمتها هو إعلامي لبسط الطمأنينة والاستقرار. لذلك تصدر القوات الأمريكية والهندية مواقع خاصة على الإنترنت لابراز الدور الإنساني لهم. كما أن سيلاً من المسئولين ورجال الأعمال من الدول المساهمة لا ينقطع عن زيارة قوات بلدهم لحصاد ما يمكن جمعه من فرص دبلوماسية وتجارية في الكونغو.

يجب ألا نطمئن لحقيقة أن تلك الأنظمة زائلة. ففكرة إعادة توزيع مياه النيل لم يأت بها كاجامه. وإن لم نفعل شيئاً، فكاجامه التالي لن يكون لديه سبب للتخلي عنها. كما يجب على الخارجية المصرية تطوير الدبلوماسية العرقية. فيكون لدينا اتصالات دائمة مفتوحة مع مختلف الجماعات العرقية الرئيسية في حوض النيل. كما يجب تعيين دبلوماسيين ورجال مخابرات يتكلمون اللغات المحلية الرئيسة، مثل السواحيلي والأمهرية. لا بديل عن الحركة.

كتبت في 13-7 ونُشرت في المصري اليوم 29-7 2012

ونشرت في المعصرة، جريدة الشروق، عدد 1 أغسطس 2012.