You are here

فى الحروب 1

ayman zaghloul's picture

فى الحروب
كنت قد كتبت لكم من قبل عن إتفاقية جنيف والصليب الأحمر وكيف أن جهل الفرنسيين بهذه الإتفاقية نجم عنه هزيمتهم فى الحرب مع ألمانيا عام 1870 فى موقعة سيدان الرهيبة التى كان أحد أسباب الفشل الفرنسى فيها عدم إبلاغ الجنرالات الفرنسيين للجنود بفحوى نصوص هذه الإتفاقية التى كانت فرنسا موقعة عليها وتمنع الهجوم على الوحدات الغير محاربة والتى لا تحمل سلاحا مثل الأطباء والمستشفيات وبالتالى عندما تقدم الجيش الألمانى إلى محيط المستشفى الفرنسى الميدانى الذى كان يعج بالجرحى وقع هرج ومرج وفرار من الأطباء والممرضين لاعتقادهم أن الجيش سوف يهجم عليهم ويقتلهم فتركوا الجرحى ولم يظهروا صفتهم الطبية مما زاد الخسائر أثناء عملية الفرار بينما الألمان كانوا يعلمون عن هذه الإتفاقية ولم يكونوا ينوون الهجوم على المستشفى ولا دخوله من الأصل
وبالأمس عرفت معلومة جديدة علىّ وهى أنه أثناء تقدم القوات الأمريكية داخل ألمانيا عام 44 بعد عبور نهر الراين، (وأصر الجنرال باتون الأمريكى أن يخرج ذكره أمام الكاميرا لكى يتبول فى الراين أثناء ركوبه السفينة التى عبرت به حيث أنه كان قد أقسم قبلها أن يفعل ذلك ورأيت أنا شخصيا هذه اللقطة !!) فى هذه المواجهة وقعت معارك شديدة الدموية بسبب المقاومة العنيدة من الألمان مما جعل كنيسة إحدى القرى تتحول إلى مستشفى مشترك للطرفين !! بحيث كان هناك أطباء ألمان لمعالجة الجرحى الألمان وإلى جانبهم فى نفس القاعة أطباء أمريكان لعلاج جرحاهم.. وهو موقف مذهل لكى تتصوروه عليكم تخيل أنه أثناء حرب أكتوبر مثلا يتم تحويل مبنى مدينة القنطرة شرق إلى مستشفى ميدانى للطرفين يقدم فيه العلاج للجرحى المتحاربين جنبا إلى جنب !! ولا أدرى إن كان هذا قابل للحدوث فى الشرق الأوسط
وهذا هو سبب رسم صليب كبير على أسقف المستشفيات حتى لا تغير عليه الطائرات المعادية
أنا كنت أعلم أن الحروب الأوروبية فى القرون الوسطى كانت تتوقف يوم الأحد لما لهذا اليوم من قداسة لدى الطرفين، ولعل هذا هو ما وقع فى ظن الجنرال الإسرائيلى إيجال آلون الذى صرح يوم 7 أكتوبر أو 6 أكتوبرعلى ما أذكر أن هجوم السادات على إسرائيل فى يوم عيد الغفران هو عمل "غير أخلاقى" لأن هذا هو عيدهم الأكبر حيث أن آلون كان ذا خلفية أوروبية
الحقيقة أن للحروب أيضا قواعدها وقوانينها وهو موضوع شيق ربما لا نعلم عنه الكثير
ومثال آخر على غرائب الحروب هو أنه فى ديسمبر عام 1914 وأثناء أعياد الميلاد إتفقت الأطراف تلقائيا على إجازة من الحرب وكان أطراف هذا الإتفاق هم الجنود البسطاء من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وتوقف القتال بالفعل وخرج الجنود المتحاربون من الطرفين من الخنادق لكى يلعبوا كرة القدم ويغنوا أغانى عيد الميلاد بطريقة جماعية كل على حسب لغته ولكنها كما نعرف تؤدى بنفس اللحن بل أن بعضهم قام بإهداء البعض الآخر هدايا !!!
وعقب نهاية الأعياد عاد الجميع إلى إستئناف القتال.
والظاهر أن هذه التقاليد قد إنتهت بدخول الولايات المتحدة الحرب فى نهايتها عام 1917 حيث أن الأمريكيين ليس لديهم هذا النوع من الثقافة المتوارثة بل هم يريدون إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن..
من ضمن الممارسات التى كانت متبعة فى الجيوش الأوروبية منذ أيام الرومان واستمرت حتى القرن الثامن عشر ما يطلق عليه تخفيض القوة بمقدار العشر DECIMATION وهو لفظ مشتق من لفظ ديسى ويعنى عشر مثل ديسيبل وديسيمتر وفيه كان القائد الذى يري عقاب جيشه بسبب التمرد مثلا أو بسبب عدم البلاء بلاءا حسنا فى إحدى المعارك يمتلك الحق فى إعدام ما لا يزيد عن عشر القوات بدون مساءلة قانونية وكان الأمر يتم عن طريق إجراء قرعة بانتقاء الجنود لأحجار من إناء به أحجار بيضاء مع أحجار سوداء بنسبة العشر ومن يقبض على حجر أسود يسوقه زملاؤه إلى الإعدام ضربا لعنقه بالسيف..
وقد إستعمل يوليوس قيصر هذا النظام العقابى الصارم عندما تمرد عليه الجنود فى أثناء فتوحاته قبل أن يصبح قيصرا..
ولست أعلم إن كان الجيش البريطانى قد طبق هذا النظام فيما مضى ولكن الأكيد هو تطبيقه فى الجيوش الأوروبية وعلى رأسها الجيش الفرنسى حتى قيام الثورة الفرنسية على ما أذكر..
وإذا كانت هذه العقوبة تبدو لبعضكم قاسية وغير إنسانية يكفى أن تعرفوا أنه فى ذات الفترة (القرن الثالث قبل الميلاد) كان جيش الإمبراطور الصينى شين يقوم بتوحيد كل أقاليم الصين تحت حكم هذا الإمبراطور عن طريق الحروب التى كلفت ما لا يقل عن 1.2 مليون ضحية من الطرفين.. وكان النظام العسكرى لجنود شين يقوم على أساس مرتب ثابت بالإضافة إلى مكافأة عن كل رأس قاموا بقطعها لجندى من الجيش المعادى يأتون بها إلى القيادة ولهذا كان حماسهم للقتل رهيبا.. وفى المقابل كانت هناك قاعدة أن كل مجموعة مكونة من عشر جنود تفقد أحد أفرادها يكتب عليها أن تأتى خلال فترة معينة بعشرة رؤوس مقطوعة لجنود الجيش المعادى مقابل رأس زميلهم التى قطعت فإن لم يفعلوا ذلك تقطع رؤوس المجموعة المتبقية كلها أى التسع أشخاص الباقين !!! وهو عقاب أقسى كثيرا من عقاب الرومان بخصم العشر كحد أقصى.. كذلك بقى أن تعرفوا أن هذا الإمبراطور الصينى كان فى قدرته أن يجهز جيشا قوامه 600 ألف جندى وقد حقق ذلك بالفعل وقام بغزو مملكة شون بهذا الجيش ولم تخضع له تلك المملكة إلا بهذه الطريقة العنيفة وفى النهاية جن جنونه بسبب رغبته فى الخلود فابتلع سما وهو يعتقد أنه يبتلع إكسير الخلود حيث أقنعه بذلك أحد الصيادلة الذى تعرض لإلحاح شديد بل وتهديد من الإمبراطور لكى ينتج هذا الإكسير..
الظاهر الشرق الأوسط لم يكن أعنف المناطق بل أهدأها فى ذلك الزمان..