You are here

المملكة السعودية ومخاطراستثماراتها الخارجية

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

تنقسم الإستثمارات الخليجية  الخارجية الى عدة انواع ، مالية وتجارية صناعية وزراعية . والإستثمارات المالية تمثلت في المؤسسات  والمصارف والشركات  في معظم انحاء العالم مع التركيز على أوروبا وأميركا مؤخراً بشكل خاص وناجح .

اما الإستثمارات الصناعية والزراعية فقد اقتصرت تقريباً على العالم العربي ودول العالم الثالث في افريقيا وآىسيا .

وما يهمني هنا هو التركيز على الإستثمار الزراعي السعودي داخل المملكة وخارجها في كل من مصر والسودان والحبشة لما يشكل ذلك من أهمية على أمن الخليج الغذائي والإجتماعي .

ولكن قبل أن أسترسل ، لابد من المرور على مشاكل وخلفيات الإستثمارات المصرفية الخليجية في أميركا وأوروبا .

وبالعودة إلى مرحلة السبعينات من القرن الماضي  وماتلاها ، مع ارتفاع اسعار النفط بشكل متسارع ومفاجىء لعدة اضعاف ، بدأ الثراء يظهر على دول الخليج الذي انعكس بناء ونهوضاً واسعاً على كل الصعد استفادت منه الشركات الغربية في الإلتزامات وأعمال البناء ، مما جعل الغرب يضاعف أسعار النفط مجدداً بما فيه من عوائد مجزية له من خلال إستثماراته الخليجية .

إلا أن الخليج كان يواجه إشكالات عدة  مع المصارف الغربية التي اعتادت منذ عقود على الإفلاس  المتعمد لبنوكها كل عشر سنوات ونيف ومن ثم الإستيلاء على اموال الحكومات الخليجية وأفرادها المودعة فيها ، اي معظم اموال النفط  المدخرة بمئات أو ربما آلآف المليارات من الدولارات .

أمام تكرار هذه الممارسات  الإحتيالية إتجهت دول الخليج نحو تأسيس بنوك عربية في كل من أميركا وأوروبا لإيداع أموالها فيها وإنشاء محافظ استثمارات مالية وعقارية وإعلامية واسعة من خلال مصارفها مع التمدد في أعمال التسليف والرهن مما أزعج رأسماليي وول ستريت من يهود واميركان ، إذ اعتبروا ذلك تعدياً على اعمالهم وتجارتهم الأساسية التي نشأوا واعتادوا عليها لتكديس ثرواتهم .

فكان أن وضعت خطة أميركية صهيونية مضللة  لمواجهة الخليجيين في مسعى لتفتيت دولهم بالإساءة للدين الإسلامي وتحميله تعسفاً مسؤولية تفجير برجي نيويورك الذي تم من قبل المخابرات الأميركية تحت يافطة تنظيم القاعدة الإرهابي واتهام المسلمين به .

 علماً ان تنظيم القاعدة التي انشأته اميركا بتعاون مع دول الخليج في وقت سابق ، فإن هذه الدول تخلت عنه مع الإنتفاء الحاجة إليه  بعد تحرير أفغانستان من الإحتلال السوفياتي فاحتضنته المخابرات الاميركية بتمويل  من إيران بعدما  جعلت مقره الجديد في طهران بدلاً من أفغانستان مع إحتلال اميركا لهذا البلد  الى ان انتهى اجل التنظيم  مع مقتل زعيمه بن لادن واستبداله بتنظيم داعش التكفيري.

واحتلال أميركا لأفغانستان كان القصد منه السيطرة على طالبان وهزيمتها لدفع مقاتلي الهزارة والباكستانيين المعادين لها من الشيعة الموالين  لإيران للتفرغ والتوجه نحو العراق   لمشاركة اميركا في غزوه وتسليمه لطهران ليكون منطلقاً عدوانياً ضد البلدان  الخليجية ، من بوابات العراق وسوريا واليمن ، لتقويضها وتفتيتها وتدمير اقتصادها وجيوشها على اسس مذهبية شعوبية ، لوضع حد لتمدد الخليجيين  المالي والمصرفي في أوروبا وأميركا في منافسة مع اليهود .

ومن هنا كان الإعلام الغربي الصهيوني شديد العداء للإسلام خاصة بعد إنشاء أميركا  تنظيم داعش بتعاون مع إيران وإسرائيل وتسليحه بأسلحة أميركية  من خلال  الجيش العراقي تحت يافطة إسلامية تكفيرية إرهابية  معادية للعرب ودول الخليج والمنطقة باستثناء إيران وإسرائيل .

ولم يكتف الغرب بذلك بل قام بتعاون مع الموساد الإسرائيلي  وتوجيه من  المخابرات الأميركية ، بعملية شارلي إيبدو إلإرهابية مطلع العام 2015 وقتلت اثنى عشر صحفياً ورساماً باريسياً تحت يافطة إسلامية إرهابية حيث أتهم مسلمان لم يتم القبض عليهما ابداً بل اعلنوا مقتلهم لإخفاء الجريمة . وقد اعقب هذه العملية عمليات اخرى من الموساد  في بلاد الغرب تحت يافطة إسلامية إرهابية ،لمزيد من الإساءة للمسلمين .

والقصد من كل ذلك هو تهيئة الاجواء لغزو بلدان الخليج بالإساءة لسمعتها  ، كما سبق ان هيأوا الأجواء لاحتلال افغانستان بعملية برجي نيويورك واحتلال العراق بحجة  إزالة أسلحة الدمار الشامل حيث لم يتبين وجودها بعد الغزو ، كما أن البرجين لم يتبين وجود أي شخص قام بتدميرهما مدعين انهم قتلوا جميعاً في الطائرات التي فجروها في المبنيين ؟!

إلا أن  تصدي السعوديين في وجه الغزو الإيراني المحتمل لمملكة البحرين في العام 2014  والتصدي للمليشيات الحوثية الموالية لإيران في العام 2015، ونصرة الشعب السوري ضد الغزو الإيراني لبلاده ، أفشل المخططات الاميركية الصهيونية لغزو الخليج العربي وتدميره من خلال إيران وداعش   قياساً لما جرى في العراق وسوريا واليمن من دماروحشي هائل  .

مع فشل المخططات الصهيونية ضد المملكة والخليج من خلال إيران ، فيبدو ان اميركا تخلت عن دعمها المطلق لطهران  في اعمالها الإرهابية ضد الدول العربية الذي بدأ يلاحظ مؤخراً بتغير الموقف الاميركي الرسمي بالإنقلاب  ضدها في سوريا والعراق واليمن  مع قرب إنتهاء ولاية اوباما ، وذلك لتسليمها سوريا للروس لانقاذ وضعها المتردي وهزيمتها المتوقعة التي كان لامفر منها من قبل الثورة السورية .

 التخلي الإيراني عن سوريا للروس أغضب اميركا بشدة ، لأن الوجود الإيراني من الهين اقتلاعه من سوريا والعراق متى ارادت ، اما الوجود الروسي فمشكلة حقيقة قد تمتد الى العراق وتركيا وسائر العالم العربي إن لم تسارع اميركا إلى  معالجة الوضع بالتقرب من المملكة ومصر لإزالة داعش وسائر المليشيات التكفيرية التي تشكل الأخطبوط الإرهابي الإيراني  الشعوبي في المنطقة ، شرط  وقف حملاتها الإعلامية الغربية المغرضة ضد العرب والمسلمين عقب كل عملية يقوم بها الموساد الإسرائيلي في اوروبا وبلاد الغرب  بتوجيه من اميركا تحت عناوين إرهابية إسلامية تكفيرية لاأساس لها من الصحة لها إطلاقاً .

ومع فشل الهجمات الإرهابية الأميركية الصهيونية بقناعها الإيراني ضد أراضي دول الخليج كما فعلوا ببلدان عربية اخرى ، فإنه لم يعد أمامهم  سوى التركيز على المصالح الخليجية الإستثمارية في الخارج لمضايقتها تمهيداً لإخراجها من الأسواق الغربية التي أشرنا عنها آنفاً إن نجحوا في مخططاتهم .

وبالعودة الى الإستثمارات الزراعية  السعودية في العالم العربي وافريقيا وآسيا ، فإن المملكة   سعت اليها كتنويع لاستثماراتها وكمساعدة لهذه الدول للنهوض باقتصادها . ولكن لو استعرضنا ، كعينة ، مسيرة هذه الإستثمارات في كل من مصر والسودان والحبشة ، فإننا نذهل من هذا الجحود الذي تقابل فيه الإستثمارات السعودية في القطاع الزراعي الذي  تسعى من خلاله الى الأمن الغذائي لمواطينها  .

إذ يعاني المستثمرون السعوديين في هذه البلدان لعوائق جمة ومؤذية بعرقلة استثماراتهم عمداً إذا لم يدفعوا خوات وأتاوات مالية متواصلة ، خاصة في السودان واثيوبيا الى حد احتجاز حرية بعض المستثمرين والصاق التهم بهم وسجنهم بحجج مختلفة لاسند قانوني لها بداعي عدم صحة الاوراق التي تقدموا بها للترخيص او اتهامهم بالتلاعب بأجورعمالهم ، حتى دفع الخوّة . مما جعل بعض المستثمرين السعوديين يتخلون عن استثماراتهم ويتكبدون  ملايين  الدولارات من الخسارة هرباً من الإعتقال والسجن مع استفحال الأمر .

 أما مصر ، كما حال السودان ، فمشكلتها في البيروقراطية وعدم الكفاءة الإدارية التي تعيق الإستثمارات الصناعية والزراعية العربية فيها كما ينبغي ، ناهيك عن الرشوة احياناً لعدم وجود ضوابط رقابية ملائمة . ويعتبر ملف أراضي توشكي للإستثمار الزراعي إحدى اكبر الفضائح .

مع تفاقم هذه المشاكل وسلبياتها أمام الإستثمارات السعودية كان على المملكة ان تجد حلاً لهذه المشاكل المستفحلة بأن تغير أسلوب استثماراتها من السلبية نحو الإيجاب وإن في نفس المواقع . ويكون ذلك بوقف استئجار الاراضي الزراعية واستثمارها في هذه الدول وأمثالها لعجز حكوماتها عن حماية أصحاب هذه الإستثمارات من الإبتزاز وضياع المشروع والمال .

لذلك كان من الأفضل العمل على شراء الإنتاج الزراعي من التجار المحليين أو الشركات مباشرة إذا كان لها وجود ، والإستثمار المالي من خلال تأسيس مصارف سعودية في هذه الدول  كما وشركات مالية تعمد الى تسليف كبار المزارعين الأفارقة والمصريين وغيرهم بضمان رهن الأرض والإنتاج على أن تعمد شركات مختصة الى التعاقد لشراء المواسم قبل حصادها من مستثمريها الافارقة والآسيوية بضمان وتوجيه من  البنوك السعودية  وفق الآليات المتبعة في هذا الشأن .

إلا أن المصلحة الوطنية للمحافظة على الامن الغذائي الحالي والمستقبلي  للمملكة تقتضي العودة الى زراعة القمح والأعلاف وكل انواع الحبوب التي تلائمها الاراضي الزراعية  السعودية  كما كان عليه الامر قبلا مهما بلغت التكلفة ولو اضطر الامر الى استجرار المياه من امكنة بعيدة في المملكة او تحلية مياه البحر ، إذ لايؤمن ولا يمكن الإعتماد على الخارج في تأمين مادة استراتيجية  لحاجة  المواطن كالقمح والحبوب والشعير والأعلاف لمواشيه بما يحافظ على سلامة الثروة الحيوانية .