You are here

They shoot horses, don't they? (الأخيرة)

ayman zaghloul's picture

أما المحكمة العليا فقد كان إنقسامها واضحا إزاء قوانين النيو ديل، ولكن كانت الأغلبية تعارض تلك الحزمة من القوانين أولا لأنها كانت غريبة علي العقلية السائدة حيث أن تبديد أموال دافعي الضرائب لا يمكن تكييفه علي أنه من أعمال الإدارة السليمة التي ينبغي علي الحكومة ألأن تراعيها وفقا لأحكام الدستور. وهذا هو السبب الظاهر. أما السبب الكامن خلف معارضة المحكمة فقد كان مبناه أن الرئيس كان في كثير من الأمور يلجأ للقرارات الإدارية دون العودة إليها وهو ما كان يجعل قضاة المحكمة يشعرون بالتعدي علي الدستور من جانب الرئيس. كما أن المحكمة العليا كان معظم قضاتها من الطبقة التي سوف تجعلها النيوديل تخسر بعضا من نفوذها وسلطتها، وهذا لا يعني أن القضاة يعملون بالسياسة أو يدافعون عن مصلحة طبقة ضد أخري، بالطبع لا، ولكن التربية التي حصل معظمهم عليها لم تكن تهيئهم لقبول مثل تلك الإجراءات الجديدة.

وفي ظل هذا التنازع بين الكونجرس والمحكمة لم يكن الرئيس يتدخل بالقول أو التصريح بل كان يترك الأمر كله للصحف والإعلام أملا في خلق رأي عام مؤيد للنيوديل ومعارض للمحكمة. وبالطبع فقد نجحت هذه السياسة حيث أن ملايين العاطلين من الناخبين كانوا منحازين للإدارة ضد المحكمة حيث أنهم رأوا في النيوديل أملا يخرجهم من المحنة القاسية. وهكذا بدأت المحكمة تفقد أجزاءا من تعاطف الجمهور معها حيث أن النغمة السائدة كانت أن هؤلاء القضاة ممن يتقاضون مرتبات متضخمة مدي حياتهم بالإضافة إلي معاش سخي لأسرهم عقب وفاتهم لا يحسون بالمعاناة التي يتجرعها الفقراء في مذلة الحاجة كل يوم بل كل دقيقة.

وهكذا قلبت المحكمة عدة قوانين من ضمنها قانون الإنعاش الإقتصادي وقانون الدعم المادي للمزارعين حيث أن هذه المجالات واقعة في إختصاص الولايات وليست من مجالات الصرف الفيدرالي. ووصل عدد القوانين التي دمغتها المحكمة بعدم الدستورية 11 قانونا وهو عدد كبير جدا.

وقد عمد الرئيس روزفلت إلي تمرير قانون في الكونجرس يعطي قضاة المحكمة العليا الحق في الحصول علي المعاش كاملا حتي ولو لم يتوفاهم الله في المنصب، حيث أن قضاة المحكمة العليا حتي اليوم لا يحالون إلي التقاعد في أي سن بل يظلون في مناصبهم حتي الموت إن هم ارادوا. وبصدور هذا التعديل القانوني فتح الباب أمام القاضي ويليس فان ديفانتر Willis Van Devanter أشد المعارضين للنيو ديل من قضاة المحكمة لكي يخرج إلي التقاعد في سن الثامنة والسبعين دون أي خصومات من معاشه. وكان هذا القاضي قد صرح علنا أنه طالما كان هذا "المقعد إبن العاهرة" في البيت الأبيض فإن النيو ديل لن تمر من المحكمة. وحل محله قاضي آخر هو القاضي هوجو بلاك الذي عينه روزفلت نفسه وصادق الكونجرس علي ترشيحه وفقا لنظام تعيين قضاة المحكمة العليا فانفتح بذلك الباب أمام قوانين النيو ديل.

كما أن الأمر لم يسلم من كثير من الإنتكاسات في الشارع وليس فقط في المحكمة.

فالقوانين الجديدة التي كانت تعطي العمال حق تكوين النقابات والإتحادات وتجبر أصحاب الأعمال علي الإعتراف بها والتفاوض معها تفاوضا جماعيا كانت شرارة لإشعال حماس العمال في طول البلاد وعرضها بحيث تضاعف عدد العمال النقابيين إي عشرات المرات في فترة زمنية قصيرة مما أساء للعلاقات العمالية رغم إنتشار البطالة حيث أن بعض أصحاب الأعمال رفضوا تنفيذ هذه القواعد الجديدة مما تسبب في إضرابات عمت كثيرا من المواقع في البلاد، شيكاجو سان فرانسيسكو، مينيابوليس بالإضافة إلي إضرابات عمال النسيج في الولايات الجنوبية... إلخ..

وعلي سبيل المثال فإن شركات إنتاج السيارات لم تتقبل هذه القوانين بسهولة بل ظلت طويلا لا تعترف بها إلي أن بدأت شركة جنرال موتورز أولا بالإعتراف ثم تلتها كايزلر وبقي هنري فورد صاحب شركة فورد صقر الصقور وأشد المعاندين لهذه القوانين، رغم أن عدد العاملين في مصانعه قد إنخفض من 130 ألف إلي 37 الف عامل فقط بسبب هذه الأزمة التي تسببت في فصل الكثيرين وتخفيض أجر من لم يفصل منهم، ولكن فورد ظل علي موقفه المناهض للنقابات  إلي أن أقرها إبنه بالتفاوض مع العمال علي إنشاء نقابة يعترف بها فاضطر الأب إلي قبول ذلك علي مضض. وقد تسبب هذا الرفض المتفشي بين أصحاب الشركات في موجة من الإضرابات والإضطرابات عمت البلاد.

وهذا الموقف العصيب بالطبع كان مسيئا لمركز الإدارة الديموقراطية وبالذات للرئيس روزفلت حيث أن أصحاب الأعمال رأوا أن سياساته "الإشتراكية" قد أفسدت العلاقات العمالية وشجعت العمال علي "التخريب" ولذلك فقد باعد الرئيس بين نفسه وبين حركات العمال المضربين بل وأرسل الحرس الوطني (وحدات شبه عسكرية) إلي شيكاجو لفض هذه القلاقل بعد أن فقد 10 اشخاص حياتهم وجرح ما يزيد عن مائة شخص وهو موقف إعتبره العمال تخاذلا عن تأييدهم من الرجل الذي أعطاهم حقوقهم !!

صحيح أن الرئيس كان دائما يردد أنه خلافا لمن سبقوه همه الأول هو رجل الشارع common man وليس أصحاب الأعمال أو الأغنياء ولكنه في تلك الظروف إرتأي ألا يزيد الأمر إشتعالا بأن يقف موقفا مؤيدا للعمال بل وقف موقفا ضدهم ولعله أراد أن يبين لهم أن للتأييد حدودا لا يمكن تعديها.

وفي ظل هذه الظروف العصيبة نشأت في المدن الأمريكية تلك المسابقات للرقص اللا نهائي والتي كان محلها قوة تحمل رجل وامرأة راقصين علي أقدامهما لأطول فترة ممكنة دون أن يسقط أي منهما طمعا في جائزة مالية كانت وقتها تعتبر كبيرة هي 500 دولار.

وسبب إقبال كثير من الناس علي أمثال هذا العبث اليائس هو أن المشاركين في هذه المسابقة كانوا يحصلون علي طعام مجاني وعلاج طوال أيام مدة الرقص التي كانت تتخللها أوقات راحة بسيطة لا تزيد عن ساعتين يمكنهم خلالها الحصول علي طعام وراحة علي سرير خشن، وهاتان الميزتان لم تكنا موجودتين في الحياة خارج صالة الرقص، أي أن حتي من يخسر المسابقة يكون قد عاش أياما يجد فيها طعاما ومأوي.. وهذا كان موضوع الفيلم السينمائي الذي بدأت به حديثي.

هي منتهي المهانة لإنسانية شخص محطم تماما بل علي شفا الإنتحار كما وقع لبطلة الفيلم..

 

وفي النهاية ينبغي أن يتساءل المرء: ما هو الدرس المستفاد من هذا التاريخ؟

يقع السبب الحقيقي في الإهتمام المجدد بقضية تشريعات النيوديل في محاولة البحث عن حلول إجتماعية لقضايا حادة تعاني منها كل المجتمعات العربية بلا إستثناء. فتوزيع الثروة في جميع الدول العربية يعاني من خلل حيث تتفاوت الدخول تفاوتا هائلا وبالتالي يتفاوت النفوذ السياسي علي إدارة شئون الدول.

فما هي الدروس التي يمكن إستخلاصها من النيوديل؟

هذا موضوع شاق والبحث فيه طويل ولهذا فله حديث آخر..