You are here

They shoot horses, don't they ?4

ayman zaghloul's picture

 

الملحوظ هو أن الولايات المتحدة هي آخر دولة صناعية تبنت نظام التأمين ضد البطالة ونظام المعاشات ونظام الضمان الإجتماعي وقد جاءت هذه النظم جميعا في سياق قوانين النيوديل. (نظام التأمين الصحي لم يكن جزءا من النيوديل وهو النظام الذي يحاول الرئيس الحالي أوباما أن ينجزه بعد 80 عاما من النيوديل.

وهذا يوضح لنا كيف كانت هذه النيوديل إنقلابا في حياة الأمريكيين ويفسر لنا سبب المقاومة العنيدة التي لاقاها الرئيس وإدارته من الكونجرس والمحكمة العليا واصحاب الأعمال بل ومن المواطنين العاديين ومن الكنيسة البروتستانتية.

فقد تسببت هذه القوانين في طلاء سمعة الرئيس باللون الأحمر الشيوعي.

وهذه الصفحة علي الإنترنت تختصر بإيجاز القوانين التي إستصدرتها إدارة الرئيس روزفلت لكي تواجه بها أزمة الكساد التي ضربت أمريكا في مقتل.

http://www.historylearningsite.co.uk/modern-world-history-1918-to-1980/a.../

وكما نري فإن العلاج الناجع في الدول التي لها نظام قانوني مكتمل ومنضبط هو اللجوء إلي التشريعات القانونية التي ينمكنها أن تغير وتعدل من مسار الحياة الإقتصادية وليس إلي المشروعات العاجلة التي لا تترك أثرا يذكر.

كان الرئيس روزفلت حصيفا في تناوله لشأن البنوك. فالبنوك كانت متسببة بطريقة مباشرة فيما وقع للإقتصاد من إنهيار بسبب أنها لم تكن تتورع عن المضاربة بأموال المودعين في البورصة. ولذلك فقد سعي بمجرد وصوله للحكم إلي إستصدار قانون Glass  Steagall Act

الذي أوجب علي البنوك أن تفرق بين كونها بنوك إسنثمارية عملها ينصب علي مضاربات البورصة بأموال مودعين موافقين علي ذلك مقدما ومقدمين علي المخاطرة عن علم وقبول وبين بنوك تجارية تقوم بتمويل المشروعات المدروسة سواء منها الصناعي أو الزراعي أو التجاري أو العقاري. وقد ظل هذا القانون ساريا حتي ألغاه رئيس ديموقراطي آخر هو بيل كلينتون في نهاية التسعينات أي عقب حوالي 65 عاما.

ثم خطا الرئيس خطوة أخري لو أن شخصا قد قال بها اليوم لرماه الناس بالجنون.

فهو لم يغلق كل البنوك مرة واحدة وإنما أغلقها في مجموعات متتابعة حيث أعلن إغلاق البنوك حتي يتم فحصها بهدف دراسة جديتها وبعد ذلك أعلن عن إعادة فتحها واحدا واحدا. وهي خطوة ليس لها مغزي إقتصادي وإنما هو مغزي نفسي سيكولوجي حيث أن المودعين والمدخرين كانوا يحتاجون لمن يعطيهم نوعا من الضمان بأن هذا البنك أو ذاك هو بنك جاد لن يضيع أموالهم.

وهكذا خرج الرئيس في خطاب لاحق علي الشعب يؤكد لهم بالحرف أنه من الأكثر أمنا وعقلا أن يبقي المدخرون أموالهم في بنك أعيد إفتتاحه عن أن يضعوا هذه المدخرات تحت المرتبة !! (هكذا قال بالفعل). وهذه العملية لم تستغرق سوي أقل من شهرين من مارس إلي مايو 1933. وبذلك عادت الثقة إلي البنوك من جانب المودعين.

علي أن أهم صفة كان روزفلت يتحلي بها هي أحاديثه المستمرة إلي الجمهور عن طريق الإذاعة والتي كان يطلق عليها أحاديث المدفأة. 

كما أن الرئيس الجديد سعي بمجرد وصوله للحكم إلي تحقيق وعده الإنتخابي بإنهاء الإحتقان الطائفي الذي كان موجودا في البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الأولي والذي تمثل في منع الخمور نكاية في الكاثوليك من الأمريكيين حيث أن البروتستانت كانوا يعتبرون أن الكحول رذيلة جالبة لسوء الخلق ولذا فمن الأفضل منعه !!!

بينما الواقع هو أن الغرض كان محاصرة الكاثوليك وإثبات السيادة البروتستانتية (سيادة الواسب WASP علي الولايات المتحدة الأمريكية)، إذ أن الإيطاليين والهسبانيك ليس لديهم تلك العقلية البيورتانية التي تمنع الكحول. وهكذا إنتهي حظر الكحول بعد أكثر من 12 عاما من إنشائه. (الرجا الرجوع إلي مقال بيتون بليس منذ عام 2012 ).وهذا الوعد الإنتخابي بالذات كان سببا هاما من أسباب تفوق روزفلت الساحق في الإنتخابات.

والآن علينا أن نتفحص سبب أو أسباب رفض فئات عديدة في المجتمع لهذه القوانين التي عرفت كحزمة واحدة تحت إسم النيو ديل.

أولا هناك طبقة رجال الأعمال وأصحاب الصناعات الكبيرة ممن كانت القوانين الجديدة تمثل تحديا كبيرا لسلطتهم المطلقة. فقد عرفنا كيف كانت العلاقات العمالية قبل تلك القوانين (راجع مقال الثمن منذ 4 شهور) وكيف كانت سلطة أصحاب العمال  علي عمالهم مطلقة إلي درجة أن بعضهم كان يري أن من لا يعمل لا يستحق حتي أن يسكن !! ورأينا كيف كانت طريقة معركة جبل بلير
 
Blair Mountain في وست فرجينيا عام 1921 عنيفة بحيث سقط فيها ما يقارب من 100 قتيل من الطرفين وكان محلها الفكرة النقابية والحق في الإضراب. وقد عرفنا أن فكرة ضرب العمال المضربين باستعمال سلاح الطيران كانت محل تداول من رئيس الدولة بل وفكرة ضربهم بالغازات السامة المتبقية من مخلفات الحرب العالمية الأولي !! فالإضراب كفكرة لم تكن شرعية، بل ممنوعة !!

وفي ظل هذه العقلية يمكن للمرء أن يتصور صعوبة تقبل أن تنحاز الدولة بعد 10 سنوات فقط إلي الجانب الآخر لكي تصدر قوانين تحدد ساعات العمل وتسمح بإنشاء النقابات وقوانين تنشىء مظلة إجتماعية وقوانين تضمن أجر في حال البطالة وفي نهاية المطاف قوانين تجبر أصحاب العمل علي قبول النقابات كشخصية إعتبارية تقوم علي تمثيل العمال ورعاية مصالحهم وقوانين تبيح الإضراب.. فهذه القوانين كانت تمثل إنقلابا هائلا في مجتمع لم يسمع بمثل هذه الأمور من قبل.

وإذا أضفنا إلي ذلك أن الولايات المتحدة هي مجتمع يقوم أساسا علي فكرة الحرية والمشروع الخاص بحيث أن هذا المفهوم لو أنه تأثر أو أخفق تنفيذه لأصبحت الولايات المتحدة مجتمعا آخرا غير ما نعرفه ويعرفه العالم أجمع. فالحرية الإقتصادية لم يكن مفهومها في ذلك الزمان مرتبطا بالبعد الإجتماعي الذي عرفته أوروبا قبل الولايات المتحدة بحوالي 60 عاما. فالتأمين الصحي وتأمين المعاشات مثلا عرفته ألمانيا منذ عهد المستشار بسمارك الذي أنشأه في سبعينات القرن التاسع عشر. وهذا الفكر الألماني ذو المركبة التكافلية الإجتماعية كان موجودا بطريقة أو بأخري أيضا بدرجة أقل في بريطانيا وفرنسا أما الولايات المتحدة فقد ظلت بعيدة عنه حتي وقعت أزمة عام 1929.

كذلك فإن الرئيس فرانكلين روزفلت الذي ينحدر من أصول هولندية كان من العائلات التي هاجرت مبكرا جدا من أوروبا إلي القارة الجديدة ونجحت في تكوين ثروة كبيرة رفعت أبناءها إلي مصاف الأغنياء، وبالتالي لم يكن أغنياء أمريكا قادرين علي تفهم أن يتبني أحدهم أفكار كانوا يصفونها بالشيوعية والتخريبية nihilist التي تحرم أصحاب الأموال من عوائد أموالهم وتضع أموال دافعي الضرائب في أيدي من لا يستحقونها من "الكسالي والفاشلين والمتسلقين الطفيليين". فكانوا يعتبرونه خائنا لطبقته مارقا علي تقاليده وأصوله.

ومما زاد الطين بلة هو أن المثقفين الأمريكيين كانوا يقرأون عن الأحداث التي تقع يوميا في الإتحاد السوفيتي تحت قيادة الرفيق ستالين (هذا ليس إسمه وإنما هي إضافة تعني الحديدي أو الصلب) من تعسف في إنفاذ النظرية الشيوعية وتصفيات جسدية للمعارضين وعبادة الفرد والتعدي علي كل معاني الحرية. وبالطبع لم يكن أحد مستعدا أن يقبل أن تتحول الولايات المتحدة إلي مجتمع من هذا النوع. وبالطبع وكرد فعل علي إنتشار الفكرة الشيوعية بين الأوساط الفقيرة والمتوسطة نشأت أيضا الفكرة الفاشية المتأثرة بشدة بالفاشية الالمانية التي كان يمثلها أدولف هتلر حتي أن الفاشيين الأمريكيين كانوا يرفعون ذراعهم اليمني للتحية ويرددون الكلمة الألمانية Sieg - Heil  وكل هؤلاء كانوا ينادون بالموت للمفسد روزفلت الذي يأتي بأفكار تخريبية تدمر أسس الولايات المتحدة كما يتبدي في مفهوم سيادة العرق الأوروبي الأبيض ويحاول قلب النظام الإجتماعي القائم ويستعين باليهود في إدارة أعماله..

لقد كانت أمريكا بالفعل علي شفا حرب أهلية ثانية في نهاية رئاسة هربرت هوفر..

 

ومن ناحيته كان الرئيس يرد عليهم بقوله أنكم تكرهونني رغم أني أحاول إنقاذ الرأسمالية من نفسها ومن الفشل. فالرأسمالية بالأسلوب الذي مارستموها به أودت بكم إلي ما أنتم فيه من أمر، وما أفعله هو محاولة إخرج البلاد من أزمة الرأسمالية حتي لا تنهار أسس المجتمع الرأسمالي.

وقد وقعت بالفعل محاولة لاغتياله عقب نجاحه في الإنتخابات بشهرين بل وقبل أن يؤدي القسم كرئيس وراح ضحيتها شخص آخر هو عمدة شيكاجو الذي كان يزور ميامي مع الرئيس في حفل جماهيري.

هذا عن أصحاب الأعمال..