You are here

?(2) They shoot horses, don't they

ayman zaghloul's picture

وكان النمو الإقتصادي الغير مسبوق في التاريخ الإنساني سرعة وحجما واتساعا والذي أعقب الحرب الأهلية الأمريكية قد أدي إلي ظهور نمط من حياة الناس في المدن جعل الفرد العامل يتمني أن يمتلك شقته أو منزله الصغير مما أدخل كثيرا من هؤلاء الموظفين في عقود رهن عقاري مع البنوك بقصد تمويل شراء المسكن الخاص بهذه الأسر الغير موسرة.

حتي أن الرئيس الجديد الذي بدأ رئاسته في يناير 1929 أي قبل هذه الأزمة بتسعة شهور كاملة إختار لحملته شعارا يناسب تلك الروح المستشرية بين الأمريكيين حيث كان شعاره

 "إن الرخاء في متناول أيدينا"    Prosperity is right around the corner وهو ما قام كثيرون بتصديقه وتخطيط حياتهم تأسيسا عليه.

وكان هذا الرئيس الجمهوري قد فاز بمنصب الرئاسة في إنتخابات عام 1928  ضد مرشح ديموقراطي كاثوليكي من نيويورك هو آل سميث الذي كان ينتمي إلي طبقة المعدمين الفقراء ممن لم يتلقوا تعليما بسبب الفقر ولكنه حصل علي ترشيح الحزب الديموقراطي وخاض حملة إنتخابية ضد المرشح الجمهوري الأوفر حظا ومالا والذي حوّل الأمر ليبدو علي أنه صراع بين الكاثوليك والبروتستانت.

 

ضربت الأزمة الإقتصادية الولايات المتحدة في مقتل، إذ تسبب جشع المضاربين في بورصة نيويورك في هبوط الاسهم بالطريقة المتسارعة التي وقعت في ذلك اليوم المشئوم من شهر أكتوبر عام 1929 تسبب في تحول عدد كبير من الشركات المساهمة إلي شركات غير جديرة بالإقراض وبالتالي طالبت البنوك فجأة عددا كبيرا من الشركات بإرجاع القروض التي كانت قد حصلت عليها مما أساء كثيرا لمركز كل من المقرض والمقترض. فالسوق المالي يعتمد في حياته علي الثقة ويخشي المخاطرة.

وبسبب فقدان القروض أو إستحالة الحصول علي المزيد منها أخلت الشركات الصناعية الكبري والصغيرة سبيل ملايين العمال بالفصل الفورى مما زاد عدد العاطلين زيادة كبيرة وذلك في ظل غياب أي مظلة تأمينية تغطي تلك الحالات. بل وفي ظل غياب تشريع ينظم عمل النقابات والإتحادات العمالية التي كان أصحاب الأعمال ينظرون إليها علي أنها شر يضر ولا يفيد وبالتالي كانوا يسعون بكل جهد لمنع صدور مثل تلك التشريعات.

فلما وقع إنهيار البورصة بسبب جشع بعض المضاربين (عائلة ويتني بالتحديد) وفصل مئات الآلاف من الموظفين والعمال عجزوا عن دفع أقساط القرض العقاري فقامت البنوك بالإستيلاء علي تلك العقارات بغرض بيعها في مزاد علني لاستيفاء القروض مما نتج عنه طرد الآلاف من منازلهم وبقاؤهم في الشارع بلا مأوي. وهكذا نشأت في كثير من المدن الأمريكية ملاجىء من الكرتون والصفيح والخيام لإيواء هؤلاء الموظفين السابقين ممن عجزوا عن سداد ديونهم للبنوك وقد أسماها الناس سخرية وتهكما Hoovervilles اي قري هوفر نسبة إلي الرئيس الأمريكي الموجود وقتها هربرت هوفر.

وبديهي أن خروج الآلاف من وظائفهم فجأة وبصورة جماعية ينتج إنهيارا في حجم المال المتاح في أيدي الكتل البشرية مما يتسبب في كساد كبير تعاني منه الشركات الصناعية حيث توقف الطلب علي منتجاتها أو كاد أن يتوقف لعدم وجود مشترين.

وقد بلغ حجم الثروات التي تم تبخرها في إنهيار البورصة الأمريكية في نيويورك خلال تلك الأزمة إلي 30 مليار دولار أي ما يساوي  850 مليار دولار بأسعار زماننا هذا.

وهكذا دخلت البلاد في حالة من الخمود الإقتصادي لا يتحرك فيها لا منتج ولا مستهلك، إنه الكساد الكبير

Great Depression  أما في الريف والمناطق القروية فقد أدي فقدان القوة الشرائية المتاحة للمستهلك إلي هبوط أسعار الحاصلات الزراعية التي اراد المزارعون أن يتخلصوا منها بأي سعر قبل أن تتعرض للتلف والهلاك مما جعل بعضهم يعرضها بنصف الثمن الأصلي ومع ذلك فشل كثيرون في إجراء البيع.

والآن لابد من دراسة الخطر السياسي والإجتماعي المصاحب لهذه الحالة الإقتصادية النادرة في التاريخ.

لقد أصبح الوضع علي درجة هائلة من الخطورة. فالمساكن التي أخلاها ملاكها المقترضون لم يمكن بيعها في المزاد العلني بالسعر الذي يعوض المقرض عما أقرضه. وبالتالي ظل كثير منها خاويا لا سكان فيه ولكنه لا يباع ولا يؤجر لغياب القوة الشرائية.

والمواد الغذائية التي اصبح سعرها رخيصا للغاية حتي هبط إلي اقل من النصف أصبح تخزينها عبئا علي المزارعين الغير قادرين علي بيعها وهم أيضا من المقترضين من البنوك وليس لهم قدرة علي السداد. وبذلك وضعت البنوك يدها علي الاراضي الزراعية المملوكة لهؤلاء الفلاحين تمهيدا لبيعها. ولكن البيع ايضا لم يتم بسبب عدم توافر النقد اللازم للشراء.

وبدأ بعض المزارعين في التخلص من الحاصلات الزراعية بإلقائها في الأنهار أو حتي علي قارعة الطريق حتي لا يتكبدوا مصاريف تخزينها وحراستها وهم علي كل حال كانوا في طريقهم لترك الاراضي بسبب المديونية.

وهكذا أصبحت المساكن والمواد الغذائية متوافرة ولكنها غير داخلة في أي دورة إقتصادية !!

وبينما لا يجد كثيرون مساكن ويبيتون في خيام وعشش كرتون وصفيح كانت المساكن تقف خالية غير مأهولة (تكررت هذه الظاهرة من جديد عقب أزمة العقارات عام 2008 حتي أنه قد نشأ نشاط تجاري جديد يقوم علي السماح للراغبين في سكني هذه العقارات بالإقامة فيها بسعر زهيد لمجرد ألا تغلق وتتأثر حالتها من جراء هذا الإغلاق).

 وبينما لا يجد كثيرون طعاما بسبب قلة مواردهم كان المزارعون يلقون بإنتاجهم من الطعام في القمامة.

كذلك فإنه بينما يرتدي الفقراء أسمالا بالية وخرقا مهلهلة كانت مخازن المتاجر ممتلئة بالملابس الجديدة التي لا تجد من يشتريها !!

وهذا التناقض الصارخ هو الوجه السييء للرأسمالية التي تنهض علي تبادل السلع وتحركها بين الايدي وتتحطم إذا توقفت هذه المبادلات.

وهو وضع كان يبشر بفشل كبير وشلل شبه كامل للحياة الإقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يجد أحد حلا لهذه المعضلة حيث أن الإنتاج كان ينتظر الطلب بينما الطلب غير موجود.

وكان الرئيس الموجود وقتها هو المهندس هربرت هوفر الذي كان مهندس مناجم ناجح ومدير مشروع متميز ووزير إقتصاد ولكنه لم يكن يمتلك الجرأة والمقدرة علي الخروج بفكره عن حدود المالوف فلم يكن عهده سوي سلسلة من الإخفاقات.

وقد جاء رد الرئيس هوفر علي أحداث البورصة وما تبعها من زلزال إقتصادي ردا فاترا إذ أنه لم يغير موقفه القائل بأنه يثق كل الثقة في الإقتصاد الأمريكي وأنه يعلم أنه سوف يخرج قريبا من عثرته المؤقتة وهو كلام لا ينم إلا عن عقل غير واع بحجم المشكلة التي كانت الولايات المتحدة تقف بكل هذه الموارد عاجزة أمامها. فالمشكلة لم تكن كامنة في قدرة الولايات المتحدة وإنما في النظم القانونية والمالية التي كانت سارية فيها. وكما عرفنا فقد كان الإنتاج يكفي ويفيض ولكن التوزيع كان سيئا للغاية. وهذه المشكلة لا تحل بمعسول الكلمات وإنما بتشريعات تغير من الوضع وتحرك السوق الراكد. وهذا ما عجز عنه هوفر. فقد هبط إنتاج الحديد مثلا إلي 10% من نسبته العادية وهو العنصر الذي يدخل تقريبا في كل الصناعات. إلا أن هذه المؤشرات لم تنتج أي أثر يذكر علي نهج الرئيس هوفر.

بيد أنه إتخذ في عام 1930 قرارا باسترداد القروض التي كانت الولايات المتحدة قد وفرتها لجمهورية ألمانيا وبذلك وجد البنك المركزي الألماني نفسه مضطرا إلي سداد 14 مليار دولار فجأة (أكثر من 400 مليار دولار باسعار اليوم) وهو ما أثر بشدة علي مركز ألمانيا المالي إلي درجة أن كثير من المؤرخين يذهبون إلي أن سحب تلك الأموال من السوق الألماني كان سببا مباشرا في النتيجة الهائلة التي حققها حزب العمال الالماني القومي الإشتراكي (حزب هتلر) بسبب إرتفاع البطالة في ألمانيا نتيجة قرار الرئيس هوفر، (بلغت نسبة البطالة في ألمانيا في تلك الفترة حوالي 25% من القوي العاملة وهي تقريبا نفس النسبة التي كانت موجودة في الولايات المتحدة، ذلك أن إقتصاد ألمانيا تأثر كثيرا بأزمة الولايات المتحدة).

كذلك وقع في تلك الفترة من حكم الرئيس هورفر أن إحتشد حوالي 15 ألف شخص من بينهم زوجات وأطفال العاملين السابقين في القوات المسلحة ممن خدموا في الحرب الأولي ووعدتهم القوات المسلحة بصرف مكافآت لهم ولكنها لم توف بالوعد. فلما وقعت الأزمة أرادوا الحصول علي تلك المكافآت لكي تعينهم علي مشاق الحياة ولكن القوات المسلحة رفضت وكذلك رفض الكونجرس أن يصدر قانونا يسمح بالصرف لهم. ولذلك تجمهروا أمام مبني الكابيتول في واشنطن في خيام نصبوها مطالبين بالصرف.

 

وبعد فشل عدد من المحاولات لإثنائهم عن عزمهم إستدعي الرئيس هوفر قوات الجيش (رغم أن ذلك ممنوع بمقتضي Posse Comitatus Act الذي يحظر إستعمال القوات المسلحة داخل الولايات المتحدة لأغراض حفظ النظام. وكان سبب ذلك هو التخوف الكبير من وقوع إتقلاب شيوعي أو إقتحام لمبني الكابيتول (الكونجرس) وكان من المناظر التي لا تنسي منظر طفل يختنق من دخان القنابل وطفل آخر ضرب بالسونكي في ساقه لأنه أراد إحضار لعبة الدب القماش (تيدي بير) من خيمة والديه أثناء إطلاق النار من قوات الخيالة والدبابات التي أرسلها هوفر.