You are here

الغرب العظيم (1)

ayman zaghloul's picture

الغرب العظيم

هناك قضية جنائية شهيرة وقعت أحداثها في في انجلترا في بدايات القرن العشرين هي قضية مقتل الشاب المصري الثري علي كامل فهمي وهو شقيق السيدة  عائشة فهمي  صاحبة قصر يطل علي النيل مباشرة في نهاية كوبري ابو العلا بالزمالك وهو قائم  حتي الآن، وأحد زوجات يوسف وهبي الممثل.

كانت هذه القضية محل اهتمام الصحافة المصرية والرأي العام لكون الضحية مصري‏ ميسور الحال وشهير والمتهم امرأة فرنسية هي زوجة القتيل.

كان علي كامل فهمي هذا شابا في بدايات العشرينات وكان موظفا في سفارة مصر بباريس في بداية إفتتاحها بعد زوال الحماية البريطانية علي مصر بمقتضي تصريح 28 فبراير وقد إنتقل إلي مقر عمله في باريس حيث تعرف هناك علي فتاة فرنسية فتن برقتها وأخذ بجمالها فعرض عليها الزواج وقبلت هي وبدأت حياتهما الزوجية.

وكان علي فهمي هذا علي ما يبدو من أوراق القضية غريب الأطوار ذا وجهين أحدهما رقيق وهادئ والآخر محب للسادية يقطر قسوة وأذي. 

وحدث أن الزوجين كانا يقضيان إجازة في لندن حيث نزلا في أحد فنادقها الفخمة للغاية وفي أحد الليالي الصيفية إجتاحت لندن عاصفة حادة مبرقة ومرعدة وفي منتصفها سمع خادم الفندق صوت طلقات رصاص إلي جانب صوت الرعد فلما بحث عن مصدرها وجد الزوجة الفرنسية مذعورة أمام جثة زوجها المصري ثم ألقت من يدها بمسدس قامت باستعماله لقتل زوجها بثلاث رصاصات إخترقت رأسه. وقد ألقي القبض عليها طبعا ووجهت النيابة إليها تهمة القتل العمد ولم تدل في أقوالها بما يفيد أنها كانت في حالة دفاع عن النفس أو أن القتيل كان يهم بإيذائها. وبالتالي كانت القضية شبه واضحة المعالم حيث كانت عقوبة الإعدام (في ذلك الوقت) هي جزاء القتل العمد في معظم دول العالم ومنها دول أوروبا.

وجد محامي المتهمة أن الوضع ميئوس منه وأن القضية خاسرة وبالتالي تنحي عنها. 

وهناك ممارسة معروفة في عالم المحاماة هي أن يتقدم محامي طواعية للدفاع في قضية هامة تشغل الرأي العام بغرض إظهار قدراته والدخول إلي عالم المشاهير تمهيدا للحصول علي موكلين من القادرين والأغنياء صعودا إلي عالم مزيد من المجد والثراء.

وبهذه الطريقة تقدم محامي بريطاني مشهور وقتها هو مارشال هول للدفاع عن مارجريت فهمي الزوجة القاتلة المعترفة بجريمتها.

والقضاء في بريطانيا يتبع نظام المحلفين ممن يختارون بعناية لكي يمثلوا المجتمع بأسره وهم من يقررون ذنب المتهم أو براءته أما الحكم فهو للقاضي. والفكرة الكامنة وراء ذلك هو إعادة الحق في حماية قيم المجتمع إلي أفراد المجتمع ذاته وليس إلي مؤسسة بيروقراطية هي القضاء، حتي وإن كان قضاءا محترفا يقوم في عمله علي الدراسة الأكاديمية متبوعة بالممارسة العملية. وهو نظام إختلف في جدواه المختلفون.

والحرفية التي ينبغي أن يثبتها المحامي والإدعاء في هذا النظام تتركز في المقدرة علي إقناع هؤلاء المحلفين بصحة ما يقول به أو بفساد ما يقول به خصمه. وهؤلاء المحلفون يكونون في معظم الأحوال من آحاد الناس ممن لم يتلقوا تعليما قانونيا حتي لا يؤثروا بمهارتهم علي غيرهم من أعضاء هيئة المحلفين. وهكذا يجد المرء بينهم ربة بيت ومبيض محارة وموظف في شركة إلخ...

المهم أن الإدعاء في حالتنا هذه قد بدأ مرافعته بالإشارة القوية إلي أن الأجانب ممن يحضرون إلي بريطانيا أو يعيشون فيها عليهم أن يدركوا أن القانون المعمول به علي هذه الأرض هو القانون البريطاني الذي إرتضته الجماعة البريطانية الوطنية لنفسها وقد كان ذلك بمناسبة أن القاتل والقتيل كلاهما من الأجانب.

والآن أنقل لكم ما كتبه الأستاذ لويس عوض في كتابه أوراق العمر في صفحة 188 عن هذه القضية التي حضر النشر الصحفي عنها عندما كان صبيا عام 1923

"عندما يأتي الأجانب إلي هذه البلاد فهم يخضعون للقوانين المعمول بها فيها. وكل إزهاق للنفس يعد قتلا ما لم يثبت العكس. ومن صميم إعترافهانعرف أنها هي التي سببت موت زوجها، ومادام ليس هناك ظرف يغير من توصيف الجريمة فلابد أن تدينوها بتهمة القتل".

كانت هذه هي كلمات المدعي العام.

أما كلمات المحامي مارشال هول فقد جاءت كالتالي

"في ليلة 9 يوليو 1923 كانت تدوي في سماء لندن عاصفة رعدية تعاقب فيها هزيم الرعد وضياء البرق حتي ما بعد منتصف الليل وكانت عاصفة رهيبة لم تر لندن مثيلا لها لسنوات خلت، بدأت بعد يوم قائظ يزهق الأنفاس من ناحية كينجستون وريتشموند وبلغت لندن نفسها بعد أن كان أكثر رواد المسرح قد عادوا إلي بيوتهم. واستمرت أكثر من ساعتين تخلع القلوب بقعقعة غيومها السوداء وبروقها التي مزقت الظلام بالضياء الخاطف المتعاقب وسقطت في الليل صاعقة كأنها كرة  النار التي تناثرت إلي ألف شظية".. 

وقد عقب الأستاذ لويس عوض علي هذا الأسلوب بأنه لم يستخدم إلا من قبل شكسبير في وصف الليلة التي إغتال فيها ماكبث مولاه الملك دانكن كأنما الطبيعة نفسها قد شاركت في إعداد مسرح الجريمة.

وبالطبع فالغرض من إستعمال هذه الألفاظ وتلك التوصيفات هو التأثير علي نفسية المحلفين لكي يدخلوا بواسطة المحامي إلي حالة من التعاطف المتفهم لظروف السيدة مارجريت المتهمة بالقتل.

بني هول دفاعه عن المتهمة الفرنسية علي أساس أنها كانت معذبة تعيسة في حياتها القصيرة مع زوجها المصري "الشرقي" وأن عقد الزواج المدني الذي وقع عليه الزوجان كان مشطوبا من نصه عبارة أن الطلاق من حق الطرفين حيث أن الزوج أراد الإحتفاظ لنفسه فقط بهذا الحق وأن الزوجة لا يحق لها مراجعته في هذا القرار إن هو إتخذه بإرادته المنفردة.

وكتاب لويس عوض يتتبع المرافعة التي قام بها مارشال هول المحامي تتبعا دقيقا ولا مجال هنا لإعادته ولكن الفقرة النهائية من المرافعة هي التي تهمنا فيما نحن بصدده.

"هذه المرأة أخطأت خطأ فاحشا بزواجها من شرقي. وأنا أستطيع أن أقول أن الحضارة المصرية ربما تكون بالفعل واحدة من أقدم حضارات العالم ومن أروعها ولكن إذا نزعنا عنها القشرة الخارجية وجدنا تحتها الشرقي علي حقيقته. إن علي كامل فهمي إستدرج هذه المرأة الغربية إلي حديقته الشرقية وهذا يفسر لكم الرعب الذي كانت تعيش فيه هذه المرأة. إن اللعنة في هذه القضية هي الجو الذي نعجز عن فهمه، شعور الشرقي بامتلاك المرأة كالتركي في حريمه وهو شئ يتجاوز قدرتنا علي الفهم ولا نستطيع التعامل معه.

إنني أطالبكم بالإفراج عن هذه المرأة الغربية إذ سوف تفتحون بوابة السجن لكي تعود هذه المرأة لتمشي في الضياء ضياء شمس الله الغربية العظيمة، لا لتمشي في ظلام الصحراء كما مشت المرأة في رواية هيتشنز بيللا دونا"..

ولكم بالطبع أن تخمنوا كيف جاء حكم المحلفين في المحكمة البريطانية..!!

البراءة..

وبسبب عدم معرفتي بالقوانين البريطانية لا أستطيع القول هل كان قرار المحلفين مبناه رفض تهمة القتل فقط التي إدعت بها النيابة،  أم أنه رفض تهمة القتل والقتل الخطأ أيضا.

فالذي حدث كما صوره المحامي هو توافر لأركان القتل الخطأ .. ولكن المحلفين عندما سألهم القاضي عن حكمهم وجه إليهم - وفقا للويس عوض - سؤالين وليس سؤالا واحدا

هل هي مذنبة بالقتل؟

هل هي مذنبة بالقتل الخطأ؟

وجاءت الإجابتان متماثلتين.. لا.. ليست مذنبة !!

ومن غير الواضح بالنسبة لي إن كانت النيابة وجهت لمارجريت أصلا تهمة القتل الخطأ..

 

ولكن يبدو أن المحلفين والقاضي جميعا قد إستبقوا المدعي ورفضوا التهمتين..

والآن علينا أن نبحث في أمر هذا "الغرب العظيم"..