You are here

(2) محنة ال Deutsche Bank

ayman zaghloul's picture

 

أولا لابد من معرفة سبب خروج هذه المجموعة من الموظفين من بنك ميريل لينش وتحولهم إلي الدويتشه بنك.

 

Let's make America great again !!

 

هذا هو الشعار الذي رفعه المرشح الجمهوري رونالد ريجان في حملته الإنتخابية عام 1980 ليفوز بالبيت الأبيض إذ أنه كان يتهم حكم الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر بالضعف والتخاذل والإضرار عن هذا الطريق بمركز أمريكا في العالم. وبالفعل فقد فاز الرئيس ريجان فوزا مؤزرا واكتسح الدوائر الإنتخابية وخرج كارتر من السلطة مدموغا بخاتم الرئيس الضعيف الساذج.

وفي سياق إعادة العظمة لأمريكا من جديد بدأت الجامعات الأمريكية الكبري برامج تحديث مناهج التدريس فيها بإدخال مواد جديدة ومعارف متطورة لم يكن لها من قبل وجود.

ومن ضمن هذه المعارف الجديدة كان التمويل وإدارة الإستثمار  وهو "العلم" الذي نشأت عليه المنتجات الجديدة في أسواق المصارف أو ما يطلق عليه "المشتقات المالية Derivatives  التي لا يفهم من يبيعها ولا من يشتريها ولا من يقوم بتسويقها كيفية عملها..

وخلال الثمانينات كانت هذه المواد تدرس فى جامعات الصفوة في الولايات المتحدة للجيل الجديد والذي كان أحد أفراده هو السيد آنشو جين. وآنشو جين كان مرؤوسا للمدير إدسون ميتشل وكان ثالثهما هو وليام بروكسميت الذي كان أيضا مرؤوسا لميتشل. وكان الثلاثة يعملون لدي بنك ميريل لينش كما سبق البيان.

في عام 1992 كان الإتحاد السوفيتي قد إنتهي من الوجود وأصبحت الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم التي يحسب لها حساب حيث أن الصين كانت منكفئة علي نفسها في أعقاب الزلزال السياسي الذي وقع فيها عام 1989 وأوروبا لم تكن يوما ندا للولايات المتحدة في المجال الستراتيجي خصوصا وأن قاطرتها الإقتصادية ألمانيا كانت مشغولة أيضا بنفسها عن العالم بسبب مشاكل الوحدة بين شطريها.

وهكذا بدا أن البنوك الأمريكية تحمل في جيبها وصفة النجاح المؤكد والثراء السريع مما أغوي معظم البنوك الكبري غير الأمريكية أن تبادر بالعمل داخل السوق الأمريكي من خلال شركات في أمريكا تكون البنوك هي مالكتها.

وفي تلك الفترة ساد الإعتقاد بأن إستثمار فوائض المعاشات وأموال المودعين يحقق أفضل العوائد إن تم توجيهه إلي تلك المنتجات الجديدة المشتقة. وقد كان.

تقع مقاطعة أورانج في جنوب ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة وهي ثاني أكبر مقاطعة بعد لوس أنجيليس وتقوم علي إدارتها إدارة محلية كانت تريد في ظل بدء تدفق أرباح ضرائب الشركات العاملة في وادي السليكون، كانت تريد إستثمار فوائضها لتحقيق أعلي عائد ممكن.

وهكذا كان أن إستثمرت مقاطعة أورانج أموال بلغ قدرها 1.6 مليار دولار في أوراق باعها لها بنك ميريل لينش علي أمل تحقيق ربح أعلي من ربح السوق العادي.

وكان المسئول عن هذه الصفقة هو فريق العمل بقيادة إدسون ميتشل ومعه كل من وليام بروكسميت والعضو الأصغر سنا كان الهندي آنشو جين.

لم تفلح سياسة ميريل لينش في تحقيق نسبة الأرباح الموعودة لمجلس الحكم المحلي لمقاطعة أورانج بل علي العكس تعرض راس المال للخطر وخسر المجلس المحلي أمواله المودعة في هذه الأوراق المشبوهة وبالطبع لكونها أموالا عامة فإنه لجأ للقضاء حتي يحصل علي تعويض من المستشار المالي الذي قام بنصحه في هذا الشأن، وهو بنك ميريل لينش. وظل الأمر معروضا علي القضاء حتي تم الوصول إلي تسوية بين الطرفين دفع بمقتضاها بنك ميريل لينش تعويضا قدره 400 مليون دولار مقابل إنهاء الأمر برمته. ومن الأمور الملحوظة في هذا الأمر أن مدير المبيعات في بنك ميريل لينش كان في أصله ضابط مشاة بحرية يدعي مايكل ستيمنسون كل مؤهلاته هي الحماس وتحفيز العاملين علي بيع الأوراق المالية للعملاء وكان يطالبهم بلأشياء غريبة لا تتناسب مع العمل المصرفي مثل التخفي كالتمساح والتعامل بنعومة الأفعي إلخ.. وكلها مصطلحات قد يكون محلها عمل المارينز ولكن ليس عمل بيع الأوراق المالية. وقد تم خروجه أو إخراجه من البنك عقب هذه القضية.

ولعل هذه الحادثة كانت سببا في سن قانون من مجلس العموم في بريطانيا يحظر علي الإدارات المحلية التعامل مع بنوك الإستثمار وعقد أي صفقات معها بشأن أموال عامة.

والذي يهمنا هو أن الفريق المكون من ثلاثة أشخاص يرأسهم ميتشل قد ترك العمل لدي ميريل وأصبح يستعد للعمل المستقل ولكن كان ينقصه رأس المال حيث أن القانون يشترط للعمل في مجال البنوك رأس مال كبير لم يكن متوافرا لهم. وكان ذلك في عام 1995. ولما كان الدويتشه بنك يسعي إلي تقوية مركزه في مجال البنوك الإستثمارية فقد تلقي هذا الفريق بسرور بالغ وقام بتسليمه قسم البنوك الإستثمارية وأصبح الثلاثة من العاملين بمرتبات ضخمة وبرنامج للحوافز الهائلة لدي الدويتشه بنك في مقره الإستثماري في لندن.

وفي نهاية التسعينات خطا الدويتشه بنك خطوة أخري بشراء مصرف بانكرز ترست الأمريكي (بالطبع بنك إستثماري أيضا) وبذلك أصبح الدويتشه هو أكبر بنك في العالم.

والآن لابد من محاولة فهم ما كان فريق الإستثمار يفعله لأنه من الأمور المعقدة..

أولا لابد من ذكر أن السيد إدسون ميتشل قد غادر الحياة مبكرا بعد أن تحطمت طائرته الخاصة أثناء هبوطها عام 2000 وبذلك أصبح آنشو جين هو المسئول عن الفرع الإستثماري للبنك.

أما الموظف الثالث وليام بروكسميت فقد كان مدير لإدارة تقييم المخاطر وهي الإدارة التي تعطي المخاطر المصاحبة للإستثمار نسبة مئوية يتقرر علي اساسها إن كان البنك سيقوم بهذه العملية أم لا.

هناك موضوعان يتعلقان بالمشاكل التي وقع فيها البنك الألماني وهما الذهب والتلاعب في اسعاره والتلاعب الآخر في ما يطلق عليه LIBOR وهو ما يسمي في اللغة العربية معدل الصرف بين البنوك وفقا لبورصة لندن. London Inter Banking Offered Rate  وهو مؤشر يتم تحديده يوميا بالتوافق بين عدد من المتعاملين في تلك البورصة حيث يعلن كل منهم سعر الفائدة التي يمكنه الإقراض بها ثم يؤخذ المتوسط، وهو أمر معقد يعتمد علي العرض والطلب كما هو ماثل أمام كل من هؤلاء المتعاملين.

ولنبدأ بالذهب.

يتحدد سعر الذهب أيضا وفقا للعرض والطلب وهذا يقع يوميا في محادثة بين أكبر خمسة من ممثلي الشركات الكبري المنتعاملة في الذهب وقد كان الدويتشه بنك واحدا منها.

والخدعة التي قام بها الدويتشه بنك هي إعطاء رقم أعلي من السعر الماثل أمامه والمحسوب وفقا للعرض والطلب وذلك بحيث يهبط السعر فور الإعلان عن هذا الرقم وبالتالي يقوم البنك بشراء الذهب رخيصا ثم يعيد بيعه بعد ذلك ويتربح من الفرق الذي مهما كان ضئيلا فهو ينتج كميات كبيرة من المال بسبب ضخامة التعاملات. وقد تم كشف هذا التلاعب من جانب الدويتشه بنك وأقر فرع لندن بأنه يمارس هذا الغش في الذهب ودفع غرامة باهظة بسبب تلك المخالفات.

وتلزم الإشارة هنا إلي أن السيد ميتشل رئيس هذه المجموعة كان يجاهر بأنه يكسب أمواله عن طريق

OPM  .. وهي نظرية إبتدعها قبل وفاته وملخصها هي العمل بنشاط وهمة علي كسب المال الكثير بصفة شخصية عن طريق اللعب بأموال أناس آخرين وتعريضها للخطر.. ولهذا جاء إسمها معبرا عنها.

 

Other People’s Money.