You are here

(1) محنة ال ‏Deutsche Bank

ayman zaghloul's picture

 محنة الDeutsche Bank

 

هناك عدد هائل من القضايا مرفوعة ضدنا في المحاكم سواء داخل ألمانيا أو خارجها..‏ وسيرة البنك أصبحت في كل الصحف مقترنة بالأنباء السلبية. وهو أمر يضر بسمعتنا..

 

من قول رئيس مجلس إدارة الدويتشه بنك في الجمعية العمومية الأخيرة في أبريل 2015. وفي سياق ذلك تردد منذ عام أن عدد تلك القضايا يصل إلي 6000 قضية مرفوعة ضد البنك سواء من شركات كبري أو من صغار المودعين.

والدويتشه بنك كان حتي يوم 7 يونيو 2015 تحت إدارة ثنائية من السيدين يورجن فريتشن وآنشو جين. وقد تقدم الإثنان باستقالتهما في ذلك التاريخ وأعلن عن تولي البريطاني جون كرايان رئاسة مجلس الإدارة محلهما..

فما هي القصة؟

الدويتشه بنك هو مؤسسة ألمانية مالية عريقة كان نشاطها دائما يتسم بالعمل علي تمويل الصناعة الالمانية ومدها بالقروض والتسهيلات اللازمة حتي يمكنها إنجاز الأعمال المسندة إليها وبذلك كان له دور فاعل في تقوية الإقتصاد الألماني خلال أكثر من قرن من الزمان. وهو نوع من النشاط لا يتطلب السرعة والحرية الواسعة الممنوحة لموظفيه بل كان بنكا تقليديا.

كان الفريد هرهاوزن هو رئيس مجلس إدارة الدويتشه بنك خلال الثمانينات. والثمانينات كانت هي الفترة التي قفز خلالها الاقتصاد الألماني قفزات واضحة بحيث أصبحت البنوك الألمانية ثرية تريد أن توسع من مجال عملها‏..

وألفريد هرهاوزن كان رجلا متعدد المواهب صاحب رؤي ووجهات نظر وكان مقتنعا أن للدويتشه بنك إمكانيات كبيرة لم تستغل بعد. وقد كان مديرا غير تقليدي من مديري البنوك، فقد كان يدعو مثلا إلي أن للبنوك مسئولية إجتماعية إلي جانب عملها في مجال المال، وكان يدعو إلي ربط عمل البنوك بالمؤسسات المجتمعية حتي لا تنفصل البنوك عن المجتمع وتصبح عالما منفردا بذاته. بل أنه كان يدعو إلي شطب الديون المستحقة للدول الفقيرة لدي البنوك. وهو قد عاش في عقد الثمانينات وهو وقت المناداة في الإتحاد السوفيتي بسياسات المكاشفة وإعادة البناء فكان هو أيضا يدعو إلي الجلاسنوست في عالم المال والمصارف. وبالطبع فإن أمثال تلك الدعوات لا تجعل منه مديرا عاديا كالآخرين.

وقد كان ألفريد هرهاوزن مقتنعا بأن النظام المالي العالمي يقترب من التكامل والتداخل بين أعضائه بشدة ولذلك أراد أن يكون للبنك الذي يرأسه دور عالمي. ولهذا فقد كان حريصا علي شراء العديد من الشركات والبنوك الأخري وخصوصا في العالم الأنجلوساكسوني حيث تسود ثقافة البنوك الإستثمارية التي يتكون نشاطها الرئيسي من أعمال البورصة والمضاربة سواء في الأسهم أو في المواد الأساسية.

وكانت آخر عملية قام بها السيد ألفريد هرهاوزن هي شراء بنك مورجان جرينفل البريطاني المتخصص في مجال الإستثمار في البورصة. وحين سئل في المؤتمر الصحفي المصاحب للإعلان عن الصفقة عن اللغة التي سيتم بها التخاطب في البنك قال أن من لا يتحدث الإنجليزية لا مستقبل له في عالم البنوك !!

ولكن القدر له تصرفاته. إذ أن ألفريد هرهاوزن بسبب نجاحه في تصعيد الدويتشه بنك إلي مصاف البنوك العالمية الكبري كان يجد معارضة من المتهوسين والأيديولوجيين جعلت منه هدفا لعملية إغتيال قامت بها جماعة الجيش الأحمر الالمانية عام 1989 عقب سقوط سور برلين مباشرة وعقب توقيع صفقة شراء البنك البريطاني بأسبوع واحد. ومات هرهاوزن مباشرة ولكن أفكاره لم تمت. وبقي البنك محتفظا بالرغبة في التمدد والإتساع ولعب دور أكبر علي الساحة العالمية.

والحقيقة أن هذه الرغبة في التوسع والنمو لم تكن شاملة كل مناحي النشاط المصرفي وإنما كانت محدودة بمجال البنوك الإستثمارية Investment Banking  وهو كما سلف البيان مجال التعامل مع البورصة والمضاربات. وهو مجال جديد نسبيا علي البنوك الألمانية حيث أنه متسع ومنتشر أكثر في الدول الأنجلوساكسونية إنجلترا والولايات المتحدة. ومجال عمل البورصة هو مجال مختلف تماما حيث تقوم به مجموعة من الشباب  الذين لا تزيد أعمارهم عن الخامسة والثلاثين ولديهم تفويض بالتعامل في المليارات خلال ساعات النهار بيعا وشراءا ومضاربة ويتقاضون أرباحا ومكافآت تصل إلي عشرات بل مئات الملايين كل عام.

وكلنا نتذكر قضية المضارب الشاب نيك ليسون الذي تسبب في إفلاس بنك بيرنج أقدم بنوك إنجلترا في عام 1995 بسبب مضارباته وتزويره للمستندات وكان عمره وقتها لا يزيد عن 30 عاما وتم إلقاء القبض عليه في فرانكفورت. وهو بالطبع بريطاني !!

وهكذا وفي ظل تراجع الدولة في العالم الغربي عن دور الرقابة وتبني فكر السوق الكبير المفتوح الذي يتمتع بالحرية وينزع عنه ما يطلق عليه الإنجليز red tape  أي رقابة الدولة وإشرافها، تبني الدويتشه بنك فكرة التحول من بنك تجاري النشاط إلي بنك إستثماري وكانت الخطوة الأولي هي شراء بنك مورجان جرينفل عام 1989 كما سلف البيان.

وفي ذلك الوقت برزت مجموعة من المتخصصين في النشاط الإستثماري ومضاربات البورصة في بنك ميريل لينش كان يترأسها البنكير المعروف Edson Mitchell الذي كان له مساعد متميز من أصل هندي درس عقب خروجه من الهند في الولايات المتحدة وأصبح مرؤوسا لميتشل وهو آنشو جين، وكان مجال خبرته هو "المشتقات" من الأوراق المالية derivatives  وهي منتجات بنكية لا وجود حقيقي لها وإنما هي أوراق إفتراضية تعتمد في تحديد سعرها علي أوراق مالية حقيقية أو علي عقارات مديونة بالرهن العقاري أو علي مؤشرات البورصة تشتق منها قيمتها وتباع وتشتري ولكنها في النهاية ليست لا صك ملكية (سهم) ولا إثبات مديونية (سند)..

كان الدويتشه بنك حريصا علي أن يستفيد أقصي إستفادة ممكنة من فوائض أرباحه الكبيرة في مجال جديد ولذلك كان حريصا للغاية علي ضم هذه المجموعة التي يراسها ميتشل لكي يدخل بها في مجال الإستثمار والمضاربة. وهكذا تحولت مجموعة ميتشل عام 1995 إلي الدويتشه بنك التواق إلي دخول عالم بنوك الإستثمار وبالطبع كان مقر هذا النشاط من أنشطة البنك هو لندن..

والفرق بين البنوك الإستثمارية والبنوك التجارية التمويلية المألوفة هو ما لفت نظر المشرعين الأمريكيين عقب وقوع الأزمة الإقتصادية الهائلة عام 1929 والتي نتجت عن المغالاة الجشعة في المضاربات في البورصة بحيث كان مسموحا بشراء اسهم حتي وإن لم يكن المشتري يملك الثمن لهذه الاسهم فانهار النظام بأكمله واتضح أن البنوك قد ضاربت بأموال العملاء وضاعت مدخرات كثير من الناس.

ولهذا تنبه المشرعون في الكونجرس وأصدروا قانون يفصل بين عمل البنوك الإستثمارية والبنوك التجارية وهو يعد من أوائل القوانين التي وقعها الرئيس الأمريكي الجديد فرانكلين روزفلت عام 1933 وهو ما أطلق عليه حينها قانون Glass – Steagall Act  والذي كان الغرض منه حماية أموال عملاء البنوك من الدخول في مضاربات.

إلا أنه فيما بعد اثناء حكم الرئيس بيل كلينتون قام الكونجرس بإلغاء هذا القانون وكان ذلك علي ما يبدو برغبة البنوك التي ارادت حرية واسعة للحركة فتم إلغاؤه عام 1999 وأصبح الطريق مفتوحا أمام البنوك لكي تضارب كما تشاء وهو بالضبط ما حدث مرتين أحدهما تسببت في أزمة الإنترنت عام 2000 والأخري في أزمة العقارات عام 2008. وفي الحالتين كانت المضاربة بأموال المودعين الذين خسروا مدخراتهم. ويلاحظ أن الإدارات الأمريكية منذ ربع قرن تحيط نفسها دائما بخبراء في الإقتصاد والتمويل من جهة واحدة هي بنك جولدمان ساكس (بنك إستثماري بالطبع) وهو الذي يقدم النصيحة دائما للحكومات الأمريكية المتعاقبة. وفي الأغلب كان جولدمان ساكس هو صاحب فكرة إلغاء القانون القديم. 

 

وفي هذه الأجواء المحمومة بدأ فريق دويتشه بنك عام 1995 (وهو أول عام من أعوام الإرتفاع الشاذ الغير عادي في أسعار الأسهم)، بدأوا عملهم في مجال البنوك الإستثمارية بقدر كبير من الحرية والمال المتاح. فماذا فعلوا؟