You are here

أهداف وأبعاد تهجير السوريين نحو أوروبا

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

مأساة الشعب العربي السوري ليس لها مثيل في التاريخ البعيد والقريب نظراً لوحشيتها في محاولة إبادة شعب بأكمله وتهجيره ، بتوجيه وتعاون وتنسيق  من  الرأسمالية العالمية مع إيران وداعش ، وتهديم مدنه وقراه على أسس طائفية ومذهبية في سياق مخطط أميركي صهيوني يؤكده غياب اي اهتمام جدي غربي في وضع حد وحل سريع لهذه المأساة الكارثية التي ارهقت الشعب السوري على مدى أربع سنوات دامية .

وهذه الحرب العدوانية ضد الشعب السوري لم تكن لتحدث لولاالتسهيلات التي قدمتها اميركا لإيران  في التمدد نحو سوريا  إنطلاقاً من شراكتهما في احتلال العراق وتدمير سوريا تحت حجج مذهبية ، وهو الدفاع عن مقام السيدة زينب العربية السنية القرشية بدءاً،  ثم الإدعاء فيما بعد بأنهم دخلوا سوريا للدفاع عن الرئيس السوري لتتطور الحجج فيما بعد بالدفاع عن النظام السوري من هجمات المعارضين للنظام ثم  ليتطور الأمر اكثر فأكثر بحجة الدفاع عن سوريا من هجمات داعش الإرهابية صنيعة المخابرات الإمريكية بتعاون إيراني ، التي انطلقت من العراق تحت يافطة إسلامية سنية أصولية للتخفيف من رد الفعل العربي والإسلامي ضد هجمات المليشيات الشيعية الإيرانية الشعوبية  ضد المسلمين السنّة  ، التي تَكوًّن جيشها عند تأسيسه من مجرمي سجون المالكي بعد تهريبهم من السجون بتعليمات إيرانية أميركية ومن ثم تسليحهم من سلاح ثكنات الجيش العراقي مع أحدث الأسلحة الأميركية الثقيلة والخفيفة  وألآليات وبالتالي استكمال تسليحهم فيما بعد بعلمية إنزال جوي من الطائرات الأمريكية  . مما حيرّ العالم وجعل الأمر غامضاً للعامة رغم وضوحة للدارسين والباحثين .

ومن هنا نتساءل عن أهداف اميركا  من إستهداف الشعب السوري  وتهجيره للخارج ،  بترهيب من سلاح داعش وإيران ومليشياتها ،  بأعداد غفيرة بلغت الملايين نالت منها اوروبا الغربية مئات الآف من النازحين حتى تاريخه ، بعد ان كان  تهجيره مقتصراً على الداخل والجوار العربي .

نعم نتساءل عن أهداف الولايات المتحدة الأميركية الممثلة للرأسمالية العالمية من استهداف الشعب والنظام السوري المسالم الذي سامح بالجولان المحتلة لتضمه إسرائيل اليها ويصبح جزءاً من  إسرائيل دون اي محاولة من النظام  لاسترداده ، رغم قدرته العسكرية على ذلك ، مفضلاً الإبتعاد عن إثارة القلاقل  بينه وبين إسرائيل للحفاظ على نظامه ، مقايضاً الأرض بالسلام مع العدو بالتفاهم الضمني بوساطة روسية  دون بيان رسمي أو إتفاق معلن .

والجواب على هذا التساؤل هو أن هذه الحرب الإلغائية ضد الشعب السوري وتهجيره إنما هي من تداعيات الأزمة المالية التي ضربت أميركا والغرب  نهاية العقد المنصرم التي لاتزال تتفاقم حتى الآن دون جدوى رغم كل محاولات الإصلاح الغربية .

ومع ذلك نتساءل ماعلاقة الشعب السوري بمشاكل الغرب المالية والإقتصادية ؟!

سؤال في محله سأجيب عليه في السياق بعد عرض موجز عن مشاكل الأزمة المالية التي دعت الى تهجير الشعب السوري بعد سنوات على حدوثها .

الأزمة المالية انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية  فيما عرفت بأزمة الديون العقارية بسبب تعثر السداد العقاري التي بلغت ذروتها  في العام 2008 . وهي ازمة مفتعلة من وول ستريت والحكومة الأميركية معاً في تخطيط مالي إقتصادي للجم التضخم والحد من تنامي إرتفاع الأجور بإغلاق المصانع والشركات الضخمة والمؤسسات المالية بما فيها من مصارف وبنوك وإعادة استثمار أموالها  في الصين بأيد عاملة رخيصة لتجبر الأيادي العاطلة عن العمل الى القبول بأجر أقل وإلى تأسيس محلات ومخازن عائلية صغيرة دون أجر ثابت والدفع نحو الزراعة العائلية في الريف بأجر ضئيل يغني عن الفاقة .

ولتسريع  هذه الخطة رفعت أسعار المحروقات لعدة اضعاف مما أجبر معظم المصانع الغربية على الإغلاق مع ارتفاع تكاليف الإنتاج بحيث لم يعد يعوض عليها فارق  إنخفاض الأجور ، مما دفع الرأسمالية العالمية  ضمن خطة مسبقة محكمة ، الى ترحيل اموالها نحو الصين في معظمها حيث الأجور شبه معدومة بما يشبه الإستغلال لليد العاملة في نظام حديدي آلي مسير  كالروبوت .

باختصار شديد فإن كل الجهود التي وضعت لإعادة النهوض بالإقتصاد الغربي كانت فاشلة ، بل زاد من تفاقمها في معظم الدول الأوروبية  باستثناء المانيا . لان الأزمة المالية كما سبق ان قلنا كانت مفتعلة لتهجير  الأموال نحو المانيا والصين  لاستثمارها هناك .

 كما وأن إرتفاع اسعار النفط كان متعمداً لشل قدرات المصانع الأوروبية بالذات على الإستمرار والمتابعة . بينماالصين كانت قادرة على الإستمرار  في التصنيع باسعار كلفة منافسة لأنها دولة بترولية حيث بإمكانها احتساب الكلفة بسعر نفط رخيص إن احتاج الأمر ، إلا انها كانت تستورد معظم حاجاتها من النفط بالمقايضة على السلع  من إيران التي فرض عليها الغرب المقاطعة الإقتصادية ضمن خطة محكمة لإنهاك مواردها المالية لإجبارها على بيع نفطها باسعار متدنية حيث كانت تبيعه في السوق السوداء وللصين  بأبخس الأسعار للأنفاق على تصدير الثورة بما أفاد الصناعة الصينية التي كانت لاتتقيد بالعقوبات الغربية على إيران نظراً لموقعها الإقتصادي الفاعل وهمينتها على الأسواق .

مع تزايد الإستثمار الغربي في الصين فإنه أصبح لديها فائضاً في الإنتاج يزيد عن حاجة السوق مما أدى الى تراجع التصدير الى حد إضطرار العديد من المصانع الصينية الى التوقف  مع تكدس البضائع وبالتالي إغلاقها نهائياً الى جانب ارتفاع الأجور من عام الى عام مع توفر الأرباح والمنافسة بين المصانع مع ارتفاع كلفة السلع .

هذا الأمر أدى الى تخوف الرأسمالية الأميركية من تكرار أزمة الكساد العالمية في الربع الأول من القرن الماضي ، مما دفعها بإعادة النظر بخططها الإستثمارية في الصين لتعيد للسوق الأميركي نشاطه الصناعي والمالي السابق بتأن لانها لم تعد تأمن للصين مع اندفاعها لغزو الاسواق الأميركية  الخارجية تجارياً واقتصاديا ، ومالياً وهو الأخطر على مصالح وول ستريت  .  وقد سبق أن فصلت ذلك في مقال سابق دون حاجة لتكراره ، في آسيا والمتوسط والهند وأفريقيا .

لذا أُعِيد التخطيط مجدداً لمواجهة هذا الخطر الصيني المستفحل ولجمه ، مع توفر السيولة الهائلة لدى الصين من النقد الأجنبي وقروض الخارج ، حتى للولايات المتحدة الأمريكية .

وإعادة الأسواق التجارية  الغربية للإنتعاش كانت تقتضي تخفيض أسعار النفط بالدرجة الأولى وتوفير الأيدي العاملة الرخيصة لتمكين منافسة الإنتاج الصيني ، خاصة مع فارق أسعار النقل لفارق المسافة بين أوروبا والصين بالنسبة لدول البحر المتوسط .

ولكن توفير الإيدي العاملة الرخيصة  بوفرة وبشكل سريع كان يتطلب حرباً عالمية ثالثة استبدلت بأعمال التهجير من خلال إيران وداعش في أعمال مجارز دموية أرعبت المواطنين السوريين ليخرجوا من وطنهم هرباً بالملايين تجنباً لأعمال القتل الطائفية والمذهبية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ، وفق هدف محدد وهو ترحيلهم نحو أوروبا ، وإلى المانيا بالذات حيث انها الدولة الصناعية الأنشط والأقدر على منافسة العديد من المنتجات الصينية .

إلا ان اختيارالسوريين بالذات لترحيلهم ، رغم عمليات ترحيل العراقيين السابقة ،   فلأن لهم خبرة بالزراعة والصناعة بأفضل من العراقيين ويقبلون بأجور اقل .

وقد شجعت المانيا توجه المهاجرين السوريين الى بلادها حيث استقبلتهم بحفاوة ووزعتهم على ولايات عدة وبلدات حيث المصانع والأراضي الزراعية إذ تخطط  للاستفادة من المهاجرين لسد النقص في الأيدي العاملة لديها .

اما أمريكا فلاتحتاج الى اي من  قوافل المهاجرين السوريين إذ تعتمد على الأيدي العاملة السوداء من المكسيك وسائر اميركا الجنوبية .

وبالمحصلة فإن الحرب السورية  وتلك التي جرت في المنطقة فإنها كانت لاهداف عدة ، أهمها تهجير شعوبها   كأيد عاملة رخيصة  لتساق كما الأقنان بما يشبه عملية خطف الأفارقة وشحنهم في البواخر  الى اميركا زمن الإستعباد قبل مئات الأعوام، إنما بإخراج آخر .

وتأكيداً لهذا التوجه فقد صرحت "ايزابيلا كوبر" المتحدثة باسم الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود (فرونتكس)، أن الاتجار بالبشر الذي يشبه أحيانا الاستعباد الجنسي والاستغلال في وظائف بأجور زهيدة، هو "التجارة الأكثر ربحا على ما يبدو" من كل الانشطة الاجرامية، ويتخطى حتى تجارة الأسلحة وتجارة المخدرات .