You are here

داعش فون أوبنهايم (الأخيرة)

ayman zaghloul's picture

 

والآن نعود إلي دراسة الوضع في المنطقة العربية.


أولا لابد أن يفرق المرء بين من يريد تعديل النظام الإجتماعي داخل نفس الدولة ومن يريد هدم الدولة من أساسها ولا يعترف بها. فجماعة بادر ماينهوف في ألمانيا لم تكن تريد هدم تنظيم الدولة الألمانية ولكنها كانت تريد تعديل طريقة عمل هذه الدولة وترتيب أولوياتها. وهذا فرق جوهري بين الحالتين. 
فدولة الإسلام في العراق والشام (وربما أيضا في مصر) ترفض أي تنظيم لا تسيطر هي عليه بنسبة 100%. فهي في سوريا ترفض الأكراد وترفض الشيعة وترفض الغير منتمين للدين الإسلامي كما أنها ترفض المسلمين الغير مستعدين للخضوع لها خضوعا كاملا.

ورغم أن هذا الرفض يبدو في ظاهره رفضا حديثا إلا أن جذوره - علي الأقل بالنسبة لمصر - تمتد إلي عصر الرئيس السادات.

فلا تزال حية وحاضرة في ذاكرتي تلك المناقشة الحادة المفتوحة علي صفحات جرائد الدولة المصرية في النصف الثاني من السبعينات، وهي ذات الفترة التي شهدت تدفق أعداد غفيرة للغاية من المصريين إلي دول الخليج للعمل وتحسين مستوي المعيشة لأسرهم وأولادهم في الجيل الثاني داخل مصر. والحقيقة أن تلك التجربة كانت ذات نتائج هائلة الأثر علي المجتمع المصري.

ومن ضمن هذه الآثار المستجدة علي المجتمع الزراعي الريفي فكرة أن الزكاة تغني عن دفع الضريبة. وهي فكرة نالت قسطا وافرا من الإهتمام في تلك الفترة وقامت الدولة المصرية في ذلك الحين بتجنيد عدد كبير من الفقهاء والمشايخ للدفاع عن الضريبة والإفتاء - عن حق طبعا - بأنها تكليف منفصل تماما عن الضريبة. فالعيش في دول الخليج في تلك الفترة في ظل إرتفاع حاد في سعر البترول وبالتالي تعاظم عوائد بيعه في خزائن هذه الدول، بالإضافة إلي القلة السكانية التي كانت تمتاز بها تلك المجتمعات، كل ذلك أدي إلى أن هذه الدول لم تكن تعرف الضرائب ولا التكاليف الإجتماعية التي عرفتها الحضارات جميعا. فالتأمين الصحي مثلا له تكلفته المادية ولكن في دول الخليج تتغاضي الدولة عن إقتضاء التكلفة من المواطنين، رغم أنهم لا يدفعون أصلا ضرائب. وهذا بسبب قلة عدد المواطنين ووفرة الموارد.

وتأمين المعاشات كذلك حيث أن خزانات التأمين في معظم دول العالم قد تحتاج أحيانا كثيرة إلي دعم حكومي للقيام بمهماتها.

وهكذا فقد ورد إلي الفكر المصري - الذي يجوب رؤوس كثير من الأغنياء المصريين ممن عاشوا هذه التجربة - أنه يمكن تمويل نشاط الدولة (المكتظة بالسكان مثل مصر) علي الطريقة الخليجية.

والثابت من تجارب كل الأمم منذ بداية حضارة الإنسان المدني سواء كان ذلك في العراق أو في مصر مرورا بالإغريق والفرس ثم الرومان وكل من جاء بعدهم، الثابت هو أن أي دولة لا يمكنها القيام باي نشاط بدون حصيلة من الضرائب تجعلها قادرة علي تنفيذ هذه المهام. ولا يقدح في ذلك أن بعض الحكومات تسيء إستعمال حاصلات الضرائب فتنفقها فيما لا يفيد مثل الحروب الخارجية أو المؤامرات الداخلية أو ما شابه ذلك من أمور. فحق الدولة في إقتضاء الضرائب من مواطنيها هو حق راسخ لا نقاش حوله. والزكاة بالطبع عمل إختياري بينما الضرائب عمل إجباري. فالخلط بين الوجهين هو خلط ينطوي في أغلبه علي سوء نية ورغبة في إثارة البلبلة وعدم الفهم بيم الناس.

 

ثانيا فإنه خلال الأعوام الأربعين التي مضت منذ تفجر هذا النقاش في مصر، قد وقعت أحداث كثيرة وكبيرة كان أولها الركود الفكري واللتعليمي والثقافي والسياسي وآخرها حركات الإنتفاضة التي وقعت في سياق ما أطلق عليه الربيع العربي. وهذا الحدث الأخير أنتج شبابا لا يعترفون بالدولة ليس فقط في مجال الضرائب، (هم علي كل حال فقراء بدرجة لا تضعهم في أي شريحة ضريبية) ولكن التغير الذي وقع جاء اساسا في مجال القبول الفعلي المادي لمظاهر الدولة متمثلة في شرطة وجيش وجهاز إداري وقوانين وقرارات. فما هو العمل مع هؤلاء؟

من الصعب طبعا وضع وصفة لمجتمع كامل واقع تحت تاثير فكر مريض.

ولكن قد يكون لنا في تجارب الدول الأخري ربما بعض من حسن الاسوة..

والحل الذي اراه اقرب للتطبيق في الدول العربية المصابة بداء حركات الإنفصال هو توسيع نطاق فرض الضرائب علي الأغنياء لكي تستطيع الدولة تقديم مزيد من الخدمات للطبقات الافقر.

والملاحظة الأولي التي تقع عينا كل زائر لدول الشرق الأوسط وخصوصا الجمهوريات منها هو إختفاء الطبقة الأهم في كل المجتمعات، وهي الطبقة المتوسطة. فالتناسب مختل تماما بين مواطني تلك الدول المنكوبة. وهذا الخلل هو ما تحاول منظمات مثل داعش أن تدخل منه إلي المجتمع وبالذات شبابه.

علي أغنياء الدول الفقيرة أن يعرفوا أنهم أغنياء في دول فقيرة وليسوا أغنياء في دول غنية.  وهذا يعني أن مستوي البذخ والعيش الرغد الذي يعرفه أغنياء الدول الفقيرة لابد له أن يتعدل إلي اسفل.

كانت الحياة في المجتمع الأمريكي قاسية حتي مطلع القرن العشرين وكان المجتمع بالفعل منقسما إلي أغنياء وفقراء. وكانت الطبقة المتوسطة شبه غائبة أو هامشية لا قيمة لها ولا وزن إقتصادي أو سياسي.

وقد نجح الرئيس الديموقراطي فرانكلين روزفلت في إيجاد طبقة متوسطة في الولايات المتحدة ساعدت علي النهوض بكل البلد إلي ما نراه اليوم. وكان الإجراء الذي قام به الرئيس روزفلت هو مجموعة تشريعات ما أطلق عليه نيو ديل New Deal  وترجمتها بالعربية الصفقة الجديدة ولكنني أفضل ترجمة إعادة التوزيع حيث أن توزيع أوراق الكوتشينة يطلق عليه في اللغة الإنجليزية  to deal  ولهذا فالترجمة الاقرب لطبيعة هذه الإجراءات هي إعادة التوزيع.

 

ولكن هل يصلح حل كهذا في الدول العربية أو بمعني أصح في المجتمعات العربية التي بدأت تتخلي عن الدول؟

هذا موضوع شرحه يطول جدا جدا..

التعليقات

Mohamed Souaissy's picture

التعليق: 

تشكر على هذا المقال لأهميته .. طرق المعالجة ممكنة ولكن  فكر الحاكم  العربي عاجز عن الإصلاح لاسباب عدة منها غياب الديمقراطية وضعف ثقافته الدينية والعامة ، إلا أن الفساد اهمها ..من الحاكم ومن الحاشية ..
ماأحب ان اشير اليه هي ملاحظة ارودتها عفواً في مقالك دون تعقيب ضروري لازم منك أو توضيح ، وهو ان الزكاة عمل اختياري ؟!..
ولاشك  انك تقصد بانها اختيارية في الأنظمة العربية الحالية  التي لاتعتمد النظام الإسلامي ..إذ ان الزكاة في  النظام الإسلامي إلزامية ومن اجلها نشبت حروب الردة