You are here

داعش فون أوبنهايم (3)

ayman zaghloul's picture

وما نشهده الآن هو أعراض تفكك بل هو فشل للدولة القومية في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهذا يجيء نتيجة طول فترة حكم الرؤساء (صدام والأسد وصالح) إلي جانب التدخلات الأجنبية (لبنان واليمن والعراق ثم سوريا).  فالدولة القومية لابد أن تكون كما يدل عليها إسمها، قومية وليست دينية أو عرقية. وهذا الشرط لم يكن يوما ما متوفرا في تلك الدول الأربع. صحيح أن اليمن تختلف عنهم قليلا لكنها تظل مجتمعا قبليا ينهض علي فكرة الإنتماء القبلي والإنقسام بين زيود وشوافع في الدين وشمال وجنوب في العرق. ولهذا فإن فكرة الجامعة الدينية تعود من جديد إلي الحياة علي صورة داعش وما يشابه داعش من التنظيمات التي تقوم في اساسها الجماهيري علي فكرة الدين وفي أساسها الإقتصادي علي رفض الخضوع لأي سلطة وأخذ ما يعتبرونه حقا بقبضة اليد ممسكة بسلاح.

وهو ما اراد أوبنهايم منذ مائة عام أن ينظمه في صورة جهاد ديني يتوجه بالكامل إلي خدمة السلطان.

ومصر في إحتكاكها بالدول الواقعة في شرقها خلال النصف قرن الأخير إستوردت منهم كثيرا جدا من العادات التي لم تكن معروفة في مصر من قبل : الإستهلاك المفرط فيه، النعرة الدينية المعادية لغير المسلمين، التقليل من شأن الدولة والإعلاء من شأن الرابطة الدينية ثم أخيرا ظهرت عقب أحداث 2011 موجة من الإستعداد للعنف والقتل بدون تفكير راح ضحيتها عشرات الكنائس وعشرات الاقباط وعدد من الشيعة وكثير من السنة وكثير من غير المتدينين وباتت الدولة علي شفا الإنهيار رغم قدمها إلي ما يجاوز 5500 عاما.

وعلي الرغم من أن تركيز الصحافة والتليفزيون واقع علي العراق والشام فقط إلا أنه من الواضح أن هناك تعاطفا من بعض الشباب المصري مع فكرة دولة الإسلام كما تطبق في هاتين الدولتين السابقتين.

فالأمر خرج عن نطاق نزاع بين الإخوان والجيش وتعدي ذلك إلي حرب مفتوحة ضد الجيش الذي هو الشيء الوحيد الباقي من صفات الدولة في مصر. ولا أظن أن من يهاجمون ثكنات الجيش وجنوده مهتمون أصلا بقضايا الحرية والديموقراطية والتعددية والإنتخابات. بل أنني أعتقد (والدليل موجود) أن هذه الهجمات سوف تستمر حتي لو فتح الجيش الباب أمام ال‘نتخابات الحرة التعددية. فقد كانت هذه الهجمات موجودة خلال حكم العسكر أيام طنطاوي ولم تتوقف خلال عام حكم الإخوان. وهذا هو الدليل علي أن الأمر قد أصبح DOGMA   في عقول هؤلاء الشباب، إما أن نحكم وإما فلا حياة لأحد.

هم إذن من الرافضة لكل ما عداهم ومن سواهم.

والحل مع تلك الجماعات لا يمكن أن يكون إلا بالتصفية.

كنت قد كتبت كثيرا من قبل عن محنة الإرهاب اليساري في المانيا في سبعينات القرن الماضي وكيف أن الدولة الألمانية كانت تتبع خطا مزدوجا في التعامل مع هؤلاء الإرهابيين. أولا إتخاذ كل ما يسمح به القانون من إجراءات شديدة سواء بوليسية أو قانونية من جانب النيابة العامة ضدهم وعدم التهاون بأي شكل في تطبيق القانون عليهم..  وثانيا عدم إعتبار هؤلاء الإرهابيين أعداء للوطن ينطبق عليهم قانون الحرب بل إعتبارهم أولاد لآباء المان ربما ضلوا الطريق ولكن إمكانية العودة عن طريق السوء هذا لم تغلق في وجوههم.

وللمستشار الألماني وقتها هلموت شميدت خطاب شهير قال فيه علي هؤلاء الأولاد والبنات أن يتحملوا عناء السجون وشظف العيش فيها لعلهم يتعلمون أن التعامل مع المجتمع لا يكن بهذه الطريقة. وإذا عادوا عن هذا الطريق فتحنا لهم باب العودة فهم أولادنا ولهم علينا حق الأبوة طالما إلتزموا بالقانون الذي إرتضاه المجتمع.

ولكن هل هذا الأسلوب يصلح للتطبيق مع الشباب العربي والمصري من أعضاء دولة الإسلام؟

الحقيقة أنني فكرت طويلا في هذا السؤال، وإجابته صعبة للغاية..

 

أولا لابد من ملاحظة أن الدولة الالمانية هي كيان يقوم علي القومية وليس علي العرق أو الدين. فلا فرق بين بافاري من جنوب ألمانيا وألماني شمالي من هامبورج أو شرقي من برلين. كما أن أحدا لم يتساءل عن الإنتماء المذهبي لهؤلاء الأولاد والبنات، بل أن جودرون إنسليم  العضوة القيادية الثالثة بعد أولريكا ماينهوف وأندرياس بادركان والدها قسيسا بروتستانتيا. ومع ذلك لم يفرق أحد في تجريمهم جميعا سواء الكاثوليك منهم أو البروتستانت، بل أن أحدهم كان كوهن بينديت اليهودي ولكنه لم يشارك أبدا في أعمال العنف بل كان يشارك في التظاهرات ويدعو إلي نبذ العنف. المهم في كل ذلك هو أن الدولة كانت تنظر إليهم كمواطنين لدولة قومية وليس كافراد في تنظيم ديني أو عرقي.

ثانيا لابد من ملاحظة أن هذه الدولة الألمانية لم تنظر نفس هذا النظر إلي العناصر الفلسطينية من تنظيم أحمد جبريل وجورج حبش الذين تطوعوا بخطف الطائرة الألمانية لوفتهانزا العائدة من إسبانيا ليجبروا الدولة الألمانية علي الإفراج عن المساجين وشرعوا بالفعل في إحراقها بمن فيها وذلك عقب قتل قائدها بدون جريرة وإلقاء جثته علي ممر الهبوط في عدن. فهؤلاء الفلسطينيون كانت تنظر الدولة إليهم علي أنهم مجرمون في حالة حرب معها ولذلك تعاملت معهم بالرصاص فورا في مقتل وبلا إنذار، وهي في ذلك كانت محقة حيث أن الفلسطينيين لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل في أمر ألماني داخلي بحت، بل هم كانوا قتلة بالأجر أو حتي بغير أجر. والمؤكد أنهؤلاء الفلسطينيين قد تطوعوا لمجرد إسداء الخدمات.. وقد عرف بعد ذلك أن تدريبهم كان لدي مخابرات المانيا الشرقية التي يشرف علي القسم الخارجي فيها ماركوس فولف اليهودي الالماني الذي لم تقم ضده أية دعاوي جنائية قضائية وخرج بعد الوحدة سليما بوساطة أو شفاعة إسرائيلية لأنه كان يمد إسرائيل أولا بأول بكل ما تريده من معلومات عن هذه المنظمات الفلسطينية بحيث تكون المخابرات الإسرائيلية سباقة دائما خطوة علي الاقل في التخطيط والمعلومات..

ثالثا أن الدولة الألمانية كانت تريد من هؤلاء المساجين سواء الموجودين في حوزتها أو من قبض عليهم لاحقا أن يبدوا الندم علي ما فعلوا وأن يعلنوا تخليهم عن العنف طريقا لتغيير المجتمع، وقد نجحت مع بعضهم وأفرج عنه بالفعل ولم تنجح مع البعض الآخر فقضوا مدد أحكامهم في السجن.

 

 

هذا عن الوضع في المانيا.