You are here

داعش فون أوبنهايم (2)

ayman zaghloul's picture

كما أننا عرفنا أيضا أن حيرة بريطانيا مع الوضع القانوني لمصر عقب نشوب الحرب قد حسمت بقرار وضعها تحت الحماية مع عدم جعلها أراضي بريطانية (مثل الهند) حيث أن الشعور القومي للمصريين كان يقف حجر عثرة في طريق إلغاء هويتها كدولة. وهذا هو الفارق المهم بين مصر ودول عربية أخري كثيرة بل لعله الفارق بين مصر وتقريبا جميع الدول العربية، إذ أن مصر دولة قديمة جدا وإلغاؤها لا يمكن أن يتم بسهولة، خصوصا في تلك الحقبة منذ أكثر من 100 عام حين بدأ النشاط التعليمي المستمر منذ عهد الخديو إسماعيل يثمر أجيالا متعددة من صفوة كلها حسنة التعليم عارفة بقدر البلاد ولديها شعور قومي غالب علي أمره، بله أقوي من شعورهم الديني كما هو حال معظم المصريين في ذلك الزمان.

لكن الأوضاع في منطقة الشام وغرب العراق كانت جد مختلفة عن أوضاع مصر..

The Middle Kingdom

هو اسم الصين الذي تطلقه علي نفسها لو أن المرء قام بترجمة الاسم. كذلك فإن اسم الولايات المتحدة لو قام المرء بترجمته من الصينية هو 

Beautiful land

 

اي ان الصينيين يرون أن بلادهم تقع في وسط العالم. وكذلك تفعل‏ كل الحضارات القديمة حيث أن الغرور القومي والجهل باستدارة الأرض كانا سببين في هذه الأفكار. 

وعندنا في ‏مصر نقول أن مصر هي أم الدنيا.

وكذلك فإن المصريين لم يعتادوا علي الهجرة، بل بالعكس هم معتادون علي تلقي المهاجرين الي مصر.

ولكن هل يمكن القول ان الدول العربية تاريخيا لها نفس الشعور القومي بهذا العمق الذي تأكدنا من وجوده لدي المصريين؟

أظن أن الإجابة هي بالنفي..

فالمصريون كانوا حتي القرن العشرين  حريصين علي‏ بلادهم وعلي تجنب تدميرها. ولهذا فإنهم غالبا لم يدخلوا حروبا كثيرة خلال الثلاثة آلاف عام الماضية، بل فتحوا أبوابها للاغريق والرومان والعرب بلا مقاومة حقيقية. وكل صراعات السلطة في الدولة الإسلامية كان المصريون يشاركون فيها بالأفكار وليس بالجيوش. وهو ما لا يمكن قوله عن الشوام والعراقيين.

كذلك فإن مصر لم تقع بها ابدا اية حروب أهلية. وذلك بسبب اعتماد أهلها جميعا علي شيئين في حيانهم، الخطاب الديني الواحد  الذي يحض علي عدم العصيان، والنيل الواحد  الذي لا يمكن لأي منهم أن يستاثر بخيره دون غيره‏.

وقد كان سبب فشل الوحدة المصرية السورية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي هو في المفام الأول "الفرعنة المصرية" من جانب الضباط علي الضباط السوريين والطريقة الغير ملائمة في حكم سوريا من جانب السلطة المصرية. وهكذا طردت مصر من الشام للمرة الثانية في خلال قرن واحد إذ أن الحكم المصري للشام تسبب أيضا في ثورة أيام محمد علي.

فالعشائرية والقبلية في تلك المناطق أشد رسوخا من الشعور القومي الذي يربط جميع المواطنين. وطول بقاء نظام حزب البعث في الحكم في سوريا (والعراق أيضا) لا يمكن رده إلي حب جماهيري لهذا الحزب أو شعبية جارفة تبقيه في السلطة لعدد من العقود، ولكنها القدرة بالحديد والنار والمال والإغواء علي الحفاظ علي التوازن المطلوب. بل أن أكرد سوريا لم يحصلوا علي جنسيتها إلا عام 2011 عقب بدء الثورة التي نراها مشتعلة منذ سنوات خمس. فالكردي لا يري نفسه إلا كرديا والعلوي لا يري نفسه إلا علويا وهكذا. أما صفة السوري فهي تالية للصفة العرقية أو القبلية، هذا إن جاء ذكرها أصلا. وهذا إختلاف هائل عن مصر.

وليس من قبيل المصادفة أن إتفاقية سايكس بيكو كانت تركز علي الجزء الآسيوي من ممتلكات الدولة العثمانية وترسم له بالقلم الرصاص حدودا بخطوط علي الورق، بينما بقيت مصر بعيدة عن أي ورق أو قلم رصاص.

وهذه الأمور لابد لمن يريد التخطيط لسياسة هيمنة وتحالف في تلك المناطق أن يعرفها. وهذه كانت مهمة الضابط البريطاني بيرسي كوكس ومساعده توماس لورنس علي الجانب البريطاني.

 

وهكذا قررت بريطانيا أن تنهج نهج البعث القومي العربي في الجزء الآسيوي من أراضي الدولة العدوة، العثمانية.

ولكن ماكس فون أوبنهايم الألماني كان يحاول أن يبعث فكرة الجهاد العابر للقوميات والذي ينهض فقط علي العقيدة الإسلامية وذلك حتي يشتد عود الدولة العثمانية في حربها الأوروبية ضد كل من روسيا في الشمال وبريطانيا التي حاولت غزوها من الغرب عن طريق البوسفور في معركة جاليبولي. وهنا لا يمكن نسيان أن الأسطول العثماني كان موضوعا تحت إمرة أدميرال ألماني هو الأدميرال سوشون. فالتعاون بين تركيا وألمانيا كان متغلغلا في كل شىء له علاقة بالحرب، وقد رأينا أن خط سكك حديد الحجاز كان فكرة ألمانية بتمويل من الدويتشه بنك قبل الحرب بعدة سنوات..