You are here

الثمن (الأخيرة)

ayman zaghloul's picture

أما آخر المعارك الكبري التي وقعت بسبب علاقات العمل فقد كانت معركة Battle of Blair Mountain  في ولاية وست فرجينيا الأمريكية عام 1921.

كان أساس المعركة كما هو المألوف في تلك الفترة القاسية من حياة المجتمع الأمريكي هو الصراع من أجل إنشاء النقابات العمالية. فقد كانت فكرة النقابات في ذاتها تمثل تحديا للروح التي تسود أصحاب العمل وأصحاب رأس المال. ولا ينس المرء أن تلك الفترة كانت هي التي شهدت أيضا إنهيار النظام الروسي القيصري وإنشاء النظام الشيوعي في روسيا والذي كان يمثل شبحا يحلق في سماء كل الدول الصناعية سواء ألمانيا أو إنجلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة. وكانت الفكرة النقابية قد إنتقلت من أوروبا إلي الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر وهي فكرة كانت محاربتها تتم بالاساليب الأمنية من دس المخبرين والجواسيس بين العمال واتخاذ الإجراءات السريعة الحاسمة لمواجهة أي نمو لهذه البذرة في عقول العمال. كانت شركة إستخراج الفحم في وست فرجينيا قد خاضت تجارب متعددة مع عمالها خلال السنوات الأولي من القرن العشرين حيث كان العمال محل نزاع قاس بين إدارة الشركة من ناحية وأصحاب فكرة النقابات من الناحية الأخري. وكانت الإجراءات الإدارية المتبعة في حق العمال المنضمين للنقابات أو الذين يتعاطفون مع الفكرة تتدرج من الإنذار إلي الخصم إلي الفصل من الخدمة وتتعدي ذلك إلي الطرد من البيوت التي يعيشون فيها. وكانت العقلية السائدة قريبة الشبه من عقلية القرون الوسطي حيث كان أصحاب الأعمال يرون في العمال مجرد آلات لتنفيذ عمل معين لهم أجر يكفيهم الجوع والعراء ولكن ليس لهم أكثر من ذلك. بل أن بعضهم كان يعتبر أن طردهم من مساكنهم عقب فصلهم هو عمل مشروع حيث أن من لا يعمل لا يسكن !!

وكما قام هنري فريك قبل ذلك بثلاثين عاما باستدعاء شركة

 Pinkerton National Detective Agency  قام اصحاب مناجم الفحم في وست فرجينيا باستدعاء شركة مماثلة هي شركة  Baldwin Felts Detective Agency  وهي شركة حراسة وأمن عرف عنها العنف وسرعة اللجوء للسلاح.

وتحت هذه الظروف أخذت سحب النزاع تتجمع إذ أن عددا كبيرا من العائلات المطرودة من مساكنها لم تجد مأوا لها فقام الإتحاد بمساعدتها بإقامة معسكر من الخيام علي ضفة نهر تاج فورك.

وبالطبع فإن إجراءات طرد العائلات الفقيرة من بيوتها نساءا وأطفالا هو مما لا يقبله الفكر الإنساني مهما بلغ قدر المآخذ والأسباب. فكان أن تسبب ذلك الإجراء في نتيجة عكسية هي إنضمام أكثر من ثلاثة أرباع العمال إلي الإتحاد الأمريكي لعمال الفحم مما أوغر صدور أصحاب الأعمال ودق في ارواحهم ناقوس الخطر. وبالتدفق الطبيعي للأحداث في مثل هذه الظروف فقد تجمعت عائلات عدد كبير من العمال علي ضفة ذلك النهر وسط إنحياز واضح من جانب الدولة إلي جانب اصحاب الأعمال، إذ أنه حتي تلك الفترة لم يكن قانون تنظيم النقابات قد صدر بعد في الولايات المتحدة (صدر هذا القانون فيما بعد في عام 1933 في سياق قوانين النيو ديل التي جاء بها الرئيس المنتخب حديثا فرانكلين روزفلت).

وبما أن الحالة السائدة كانت تميل إلي حسم النزاع بالسلاح فقد قام العاملون في شركة الحراسة بقتل أهم الزعماء العماليين بعملية غدر مبيتة النية إذ تم إطلاق النار عليه داخل مبني محكمة كان عندما كان متجها لحضور جلسة مساءلته عن تهمة جنائية تتعلق بالعمل علي إحداث تفجيرات في مناجم الفحم.

وبالطبع فإن قتل زعيم عمالي في مثل هذه الظروف هو بمثابة إشعال الحرب العمالية بين الطرفين، إذ هاجت الخواطر وثارت النفوس وأعلن حاكم الولاية الأحكام العرفية فلجأ العمال إلي الإكثار من شراء السلاح وتخزينه وإنشاء دوريات مسلحة للحراسة وكانت الصورة العامة تنبىء بحدوث حرب أهلية في تلك المنطقة.

ووصل الأمر إلي أن رئيس الولايات المتحدة وارن هاردنج (رئيس جمهوري) قد هدد بإرسال القوات المسلحة لكي تفض تجمع العمال المسلحين بل صرح بأنه قد يرسل طائرات قاذف للقنابل لكي تساند مجهود فض الإنتفاضة العمالية !!

وكان رئيس البوليس من أشد الصقور حماسا ضد الحركة العمالية حتي أنه قد قام عامدا بخرق إتفاق تم التوقيع عليه قبل يومين بين الطرفين وذلك رغبة منه في الحسم بالسلاح. وبالفعل بدأت المعركة بإطلاق النار من جانب قوات الشرطة علي العمال من مؤيدي النقابة وتداعت الأحداث وصولا إلي إطلاق نار متبادل وكان ذلك في أغسطس عام 1921. بل وقد وصل الأمر إلي أن أصحاب المناجم إستأجروا  طائرات خاصة لكي تلقي بقنابل الغاز من مخلفات الحرب العالمية الأولي علي رؤوس العمال النقابيين !!

وأرسل الجيش الأمريكي أيضا طائرات قاذفة إلي ساحة القتال لكي تقوم بالإستطلاع وجمع المعلومات، رغم وجود وسريان قانون Posse Comitauts الذي يحظر علي الحكومة الفيدرالية إستعمال القوات المسلحة في داخل أمريكا لقضايا أمنية.

كان مشهدا شاذا لا يمكن تصوره إلا لمن عاشه. فهاهو المجتمع الأمريكي في القرن العشرين قبل النيو ديل يعبر عن متناقضاته بطريقة لم تعرفها المجتمعات الأوروبية ولا غير الأوروبية منذ القرن السابع عشر. ولو أن تلك الأحداث قد وقعت في دولة أقل إتساعا من الولايات المتحدة مترامية الأطراف لكان ذلك سببا مباشرا في حرب أهلية شديدة المراس !!

أسفرت الحملة الحربية التي وقعت في تلك الايام عن وقوع ما بين 50 و100 قتيل في صفوف العمال وما بين 20 و30 شرطي وموظف بشركة الحراسة. هذا بالإضافة إلي إعتقال 1000 عامل تقريبا وتوجيه التهم إليهم ومحاكمتهم. وقد قيل أن هذه المعركة قد أطلق فيها مليون رصاصة من الطرفين، وذلك من واقع التقرير الصادر عنها فيما بعد.

وقد كانت هذه المعركة سببا مباشرا في رغبة الرئيس الأمريكي الذي جاء بعد وقوعها بإثني عشر عاما في تعديل القوانين الفيدرالية للسماح بإنشاء النقابات العمالية وذلك في سياق مجموعة قوانين النيو ديل.

أي أن العبرة التي يمكن إستخراجها من كل هذه القصص هي أنه لا يوجد مجتمع عرف للتقدم طريقا وبني قاعدة إقتصادية ودستورية تشريعية متينة وصل تأسيسا عليها إلي مرحلة الرخاء إلا وكان قبلها قد دفع لذلك التقدم ثمنا باهظا. فلا يوجد شىء في هذه الحياة بالمجان. وهذه المجتمعات لم تولد هكذا متقدمة وثرية ولكناه دفعت ثمن هذا التقدم. وقد رأينا كيف كان الثمن الذي دفعته أوروبا باهظا علي شكل قرون من الصراع والحروب الداخلية والخارجية. وكذلك رأينا كيف دفع المواطن الأمريكي ثمنا باهظا لحريته التي قد تبهر البعض منا ممن يزورون تلك البلاد عابرين أو يعيشون فيها، فكافة هذه المجتمعات عانت واكتوت بنار الصراعات حتي عرفت في النهاية الطريق الي صياغة عقد مجتمعي سليم يحفظ الحقوق للجميع ويحدد بدقة واجبات وحقوق كل من الدولة والمواطن.

وهو ما ينطبق أيضا علي المجتمعات العربية وكل مجتمعات العالم الثالث. فلابد من الإستثمار في تعليم المواطن وتحسين مستوي فهمه وإدراكه وإخراجه من الخرافات والأكاذيب وتعويده علي الإنتاج المتميز.

 

ولابد من وضع حدود للحكام حتي لا يقع ظلم ولا ينشأ طغيان. وهذه الوصفات تحتاج إلي سنين طويلة لكي تنتج أثرها وعليه لابد من الصبر وعدم اليأس من المحاولة وعدم الحيود عن هذا الطريق الذي قد يبدو للبعض وعرا ولكنه الطريق الذي لا مناص منه لمن اراد الخروج من أزماته.