You are here

المسحراتي والوداع / حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture

تأليف : محمد السويسي

من مباهج شهر رمضان في مدينة طرابلس اللبنانية هي فرقة السحور التي كان يبتهج لها الأطفال ويسرون . وربما كانت حاجة فيما مضى لتوقظ الناس قبل أذان الصبح ليتناولوا وجبتهم قبل بدء يوم الصيام إقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

ورغم التطور التكنولوجي في المنبهات الألكترونية ، بوسائل وأدوات عدة منها الساعات والهواتف ، فإن المسحراتي لازال مواظباً على عمله قائماً به منذ مئات السنين يعمل على إيقاظ أهل المدينة طوال شهر رمضان .

وكان المسحراتي فيما مضى حتى نهاية الثمانينات يبدأ جولته في منتصف الليل ومعه فرقة من الفتيان والشباب وقد حملوا بأيديهم زوجاً من الفوانيس المضيئة على عصاً طويلة ينشدون الأناشيد النبوية بصوت رخيم وبيدهم الدفوف والصنوج يدقون بها على وقع طبل كبير يحمله أكبرهم بإيقاع جميل يجبر الأطفال بفرح ظاهر للسعي والتفرج عليهم من الشرفات والشبابيك . وما كان المطر ولا البرد القارس ليمنعهم عن تأدية واجبهم هذا طوال هذا الشهر الكريم .  

ومن الطريف أن المسحراتي كان يعرف منزل كل شخص ويناديه بأسمه ، خاصة وأن تلك المنازل لم تكن في الأربعينات والخمسينات لتتعدى الطابق او الطابقين علواً إلا قلة منها ، فكان يقف كل يوم تحت شباك أحدهم لينشد له قصيدة على أسمه ثم يدعوه  للنهوض وتناول الطعام .

وعمل المسحراتي في السابق ، زمن العثمانيين ،  لم يكن عشوائياً لمن شاء أن يعمل به . إذ أن كان الأمر  يحتاج لترخيص أو بالأحرى لفرمان سلطاني . ويبدو أن السلطات اللبنانية كانت تدعم هذا الأمر إذ لم يلحظ القانون اللبناني أو تنظيماته أي مرسوم أو قرار في هذا الشأن . وليس ذلك بغريب إذ لازال لبنان يعمل في نواح عدة بالتنظيمات العثمانية وأهمها قانون تنظيم الجمعيات أو الأحزاب دون أي تعديل لملائمته .

ولذا فإن المسحراتي كان محمياً بهذا الفرمان السلطاني يعلقه في مكتبه ، الذي هو عبارة عن مخزن صغير للعطارة ، ليشاهده المواطنون ويتأكدوا من حقه في رعاية فرقة السحور والإستفادة منها ، لأن عمل المسحراتي كان يتقاضى عليه أجراً بدءاً من العشر الأخير من رمضان حيث تقوم فرقته بوداع الصائمين ، بدءاً من إنتهاء صلاة العشاء حتى منتصف الليل تقريباً ليناولهم كل رب عائلة ماتيسر له من المال .

   

فرقة الوداع : وهي نفسها فرقة السحور ، إلا أنها كانت تبدأ عملها في العشر الأخير من رمضان بأناشيد دينية خاصة مؤثرة ، حيث كان المسحراتي يلبس"الغمباز" كما عادة أهل زمان ويضع طاقية بيضاء على رأسه ويطرق كل باب على حدة ليغطي كامل الأحياء المعني بها ، لأنه كان هناك أكثر من مسحراتي لسائر أنحاء المدينة حيث كانوا يتوارثونها أباً عن جد .

إلا أنه من منتصف السبعينات لم يتقدم أحد من ورثة  حملة هذا الفرمان ليتابع مهنة آبائه وأجداده فأضحت مفتوحة لمن يشاء ، إلا أن رونقها قد ذهب مع تعدد المسحرين حتى في المنطقة الواحدة وكذلك من يودعون ، بحيث يدقون الأبواب لوداع شهر رمضان بعد خمسة أيام من بدئه لجمع ماأمكنهم من مال ؛ وقد يأتيك أكثر من مودع ليأخذ ماتيسر ولا رقيب أو حسيب

.وكان من الأفضل فيما لو عمد هؤلاء إلى طرق الأبواب إعلاناً بترحيبهم بشهر رمضان بدلاً من وداعه ومازال في أوله ، لكان ذلك أكثر قبولاً وترحيباً من وداعه زوراً وهو في بدء هلته .

إلا أن الأكثر طرافة أنه حتى منتصف الستينات وما قبل ، فإن فرقة الوداع كانت قد تأتي أحدهم  ليلاً  إلى منزله ولا تجده وقد غاب لسبب ما ،فلا تعيد الكرة  إذ إنها لم تكن لتملك الوقت الكافي  للعوده إليه فينتظره المسحراتي في محله الصغير في السوق الذي ماأن يراه حتى يقرع الطبل مهنئاً بالعيد فيعطيه الرجل مايطيب خاطره .