You are here

الثمن (2)

ayman zaghloul's picture

كان أندرو كارنيجي شابا صغيرا من أسرة مهاجرة من سكوتلندا إلي الولايات المتحدة. وكان أهله جد فقراء مما دفعه إلي العمل مبكرا. وقد بدأ حياته ساعيا في مكتب تلجراف ثم ساقته الظروف إلي أن يوصل التلجرافات إلي الشركات فالتقي اثناء توصيل التلجرافات بصاحب شركة السكك الحديدية في مدينة بنسيلفانيا توماس سكوت الذي أعجب بكفاءته وسرعته في العمل وقوة تحمله وقرر أن يتبناه ويلحقه بالشركة. وبطبيعة الحال ترقي كارنيجي بسرعة في عمله الجديد وأصبح ملما بكل خبايا مجال الأعمال (رغم أنه لم يتلق تعليم Business Administration  الذي بات شباب العالم يحلم به طريقا للصعود إلي الثروة). وقد فهم كارنيجي مبكرا أن الحديد هو عماد تقدم البلاد فهو المادة التي تصنع منها القضبان والعربات وبالتالي ركز جهوده علي مشروع صهر الحديد وتشكيله بالطريقة البدائية التي كانت متواجدة أيامها. وعقب الحرب الأهلية الأمريكية التي إنتهت وهو في الثلاثين من عمره  كان رئيسه توماس سكوت يعاني من ضائقة مالية بسبب تغول شركة سكك حديدية أخري هي شركة كورنيليوس فاندربيلت الذي كان أكبر سنا من كليهما ولكنه لا يقل عن كارنيجي طموحا إلي الثروة.

وقد عاصر كارنيجي نهاية شركة توماس سكوت وقرر أن يترك مجال السكك الحديدية ويدخل نهائيا وبالكامل في مجال تصنيع الحديد وذلك بكل ما استطاع أن يدخر من مال.

والمهم ليس هو السيرة الذاتية لهذا الملياردير أو ذاك وإنما يركز موضوعنا علي علاقات العمل في تلك الفترة من تاريخ الولايات المتحدة.

كانت سلطة الدولة غائبة عن علاقات العمل حيث أنها مجال لحرية التعاقد اللانهائية بين الأطراف. ولهذا فقد كان رجال الأعمال من هذا الطراز لا يتورعون عن الزج بالعمال في الأعمال الخطرة مثل الديناميت وتفجيراته والعمل في قاع المناجم وأمام الأفران العالية لساعات طويلة بلا اي تأمين معاشات ولا رعاية صحية ولا تأمينات للبطالة ولا ضد العجز أو الشيخوخة. وهذه المصطلحات لم تكن معروفة في الولايات المتحدة بل كانت محل إستهجان من كل من الدولة وأصحاب الأعمال.

وهكذا كان الحل يكمن دائما في ترهيب العمال والعمل علي جعلهم باستمرار في حالة خوف من الفصل أو المرض بأن كان صاحب العمل يعين شخصا قاسيا لإدارة شئون العاملين يكون هو الواجهة الوحيدة للشركة فيما يتعلق بسياسات الأجور وتحديد ساعات العمل وخلافه.

وقد وجد أندرو كارنيجي ضالته في هنري فريك الذي بدا حياته في عائلة تعمل في مجال الحديد ولكن بدون نجاح يذكر.

تصاعدت أرابح شركة كارنيجي للصلب بسرعة صاروخية وخصوصا عقب إكتشاف الحديد الصلب كمادة تصلح لإنشاء الكباري وكانت باكورة هذا النوع من الكباري هي كوبري سانت لويس الذي إفتتح عام 1874 وكان جديدا في نوعه مما أخاف المشاة من عبوره حيث كانوا يعتقدون أنه سوف ينهار بهم بسبب قطاعات الحديد النحيفة التي جعلته يبدو هشا لا يتحمل.

وفي يوم الإفتتاح ولكي يتشجع الجمهور ويعبر الكوبري بلا خوف قرر أندرو كارنيجي أن يستأجر فيلا ضخما من حديقة الحيوان ويجعله يفتتح المسير علي الكوبري مرة وإثنين لكي يقتنع الناس بأنه منشأ متين. وقد كان.

وهذا الكوبري بالإضافة إلي حملة العلاقات العامة المصاحبة له كان سببا فيما بعد في تخطي أرباح شركة كارنيجي للصلب كل الحدود المعروفة في ذلك الوقت وتحوله إلي أحد أغني رجال العالم وليس فقط الولايات المتحدة. فقد إنهالت عليه طلبات الحديد  لاستخدامها في الإنشاءات وصاحب ذلك ايضا إنشاء العمارات العالية التي تناطح السحاب وكل هيكلها الداخلي من الحديد الصلب فحدث طلب هائل علي منتجات كارنيجي.

وبسبب هذا الرواج الكبير في حجم العمل كانت خدمات هنري فريك للشركة هو مما لا يمكن الإستغناء عنه. وفي ظل التوسع الكبير وزيادة عدد العمال بطريقة سريعة وزيادة المهاجرين من أوروبا إلي الولايات المتحدة حيث أن أوروبا هي معقل الفكرة النقابية فقد بدأت بوادر التذمر تظهر علي العمال وخصوصا في ظل خطورة العمل أمام الأفران والميكنة التي لم تكن تخضع لأي قواعد أمن أو قوانين للسلامة مما نعرفه الآن. وهكذا كثرت الحوادث القاتلة وأصبح حال العمال قلقا متذمرا مما أفضي إلي البدء في أول إضراب في مصانع كارنيجي لمطالبة بالتفاوض علي الأجور وساعات العمل وتشكيل نقابة إلخ.. وكلها كانت افكارا جديدة علي المجتمع الأمريكي شديد القسوة في ذلك الوقت.

كان هناك تشكيل شبه نقابي لعمال الصلب هو الإتحاد الأمريكي لعمال الصلب ولكن عضويته كانت منخفضة بين عمال الشركة ولا تمثل سوي أقلية. وقد إعتبر الشريكان كارنيجي وفريك أن هذا الإتحاد معطل للعمل ومفرق للجماعة وهو بالتالي فكرة سلبية لابد من خنقها في المهد حتي لا تنتشر. وهكذا بدأت الشركة في سبر أغوار المطالب العمالية فاتضح أنها زيادة الأجور التي يتزعمها العمال الأعضاء في الإتحاد.

ولكن الرجل المسئول عن هذه الأمور في شركة كارنيجي لم يكن لا عالما ولا مؤهلا لهذه العملية الحديثة علي العقل الأمريكي. بالإضافة إلي أن توافر المال بكثرة بين يديه جعل الأمور تبدو سهلة في نظره فقرر أن يعلق منشورا علي حوائط الشركة يبلغ فيه العمال أن الشركة لا تدخل في مفاوضات مع عمالها لا حول الأجور ولا حول ساعات العمل وأن علي من لا يرضي عن الحال القائم أن يرحل ويترك وظيفته لغيره.. وهو بالطبع منشور إستفزازي ليس به أي نوع من الحنكة السياسية التي يرجي لها التوفر في أمثال هذه المواقف.

وهكذا تصاعد الأمر إلي أن أوقف العمال المصنع وتجمهروا علي بوابته لمنع أي عمال من خارجه لكي يحلوا محلهم ومنعوا الداخلين من المرور.

إذا كان جيلنا قد عرف مؤخرا جدا عن شركات مثل بلاك ووتر العاملة في مجال الأمن وذلك عقب إستخدامها بكثرة في حربي العراق وأفغانستان فإن الأجيال القديمة قد عرفت نفس هذا النشاط الخاص منذ منتصف القرن التاسع عشر حيث كانت هناك شركات تعمل في نفس هذا المجال. وكان من بين هذه الشركات أكبرها عددا في الأفراد وأفضلها تدريبا واشدها مراسا وهي شركة

Pinkerton National Detective Agency

وهي شركة خاصة غالية التكاليف تعمل بكفاءة حتي أنها كانت من قبل قد قامت بأعمال الحراسة الخاصة للرئيس إبراهام لنكولن. وقد فاق تعداد العاملين فيها في ذلك الوقت تعداد الجيش الأمريكي وكانت تستدعي للقيام بأعمال خدمات الأمن والحراسة. وهذه الشركة كان فريك قد أحضرها قبل الإضرابات بعدة أسابيع قليلة لكي تتولي الأمن والحراسة.

ونظرا لأن هذه الشركة هي رقم واحد في هذا المجال فقد تعاقد معها فريك علي أن تقوم بالإستيلاء علي المصنع وتخليصه من أيدي العمال المضربين وذلك حتي يتسني له فصلهم جميعا وإستبدال عمال آخرين من خارج المنطقة بهؤلاء ال 800 عامل مضرب من أعضاء الإتحاد.

وهكذا تصاعد الأمر عقب رفض العمال المضربين طلب المأمور بأن يفكوا الحصار من علي المصنع ومزقوا مذكرته الرسمية مما فتح الطريق أمام فريك ليقوم بالخطوة التي طال إنتظارها.

فقد توجه العاملون في شركة الأمن إلي البوابة وطلبوا من المضربين إخلاء الطريق فورا لأن هذه ملكية خاصة لا يصح أن يمنع عنها المضربون المرور.. فلما رفض العمال وقع ما لم يكن بعيدا عن العقلية الأمريكية في  ذلك الزمان. بدأ رجال شركة الأمن المسلحون المدربون ممن يتقاضون أجورا عالية في إطلاق الرصاص في مقتل علي العمال العزل المضربين وذلك بغرض القتل وليس بغرض التخويف.

وفي هذه المعركة التي دخل فيها المسلحون من شركة الأمن والحراسة ضد العمال العزل والغير قادرين علي الدفاع عن أنفسهم سوي بإلقاء حجارة الرصيف علي المسلحين فقد 9 من العمال حياتهم وأصيب قرابة المائة عامل من جراء إطلاق النار.

ولكن لم يحكم علي أحد في اي محاكمة حيث أن العمال كانوا يسدون طريق الملكية الخاصة لصاحب العمل وقد رفضوا أمر الشرطة في اليوم السابق علي المذبحة وبالتالي فقد وضعوا أنفسهم في مأزق العتدي علي أموال خاصة لصاحبها أن يستخلصها منهم بالطريق المتاح أمامه. وقد كان ذلك وانتهي الإضراب فعلا ولكن السيد هنري فريك كاد أن يدفع حياته ثمنا لانتصاره حيث حاول أحد العمال قتله في مكتبه بمسدس بإطلاق رصاصتين علي رقبته ثم طعنه علي الارض في ساقه ولكنه اصيب فقط ولم يفقد الحياة. وقد أعلن المهاجم أنه اراد قتله فأخذ ذلك عليه في المحكمة بأنه سبق إصرار وحكم عليه بالسجن الطويل وتسببت تلك الحادثة في إضفاء سمعة سيئة علي العمل النقابي والإضرابات النقابية بصفة عامة. وكان من نتيجة ذلك فصل 2500 عامل من الشركة بالإضافة إلي خفض أجور من بقي من العمال إلي النصف عقابا لهم وإنتقاما لما فعلوا.

 

أما شركة البترول التابعة للملياردير الآخر جون روكفلر فقد كان لها موقعة أخري مع عمالها المضربين في زمن لاحق ووقع ذلك في عام 1913.