You are here

هربرت هوفر (2)

ayman zaghloul's picture

إن القمل متواجد بكثرة في كل مكان، وهو ناقل لمرض التيفوس، لهذا سوف نغطي أنفسنا جيدا بالاغطية الثقيلة ونقضي ليالي سيبيريا الشتوية القارسة في العراء، لأن القمل لا يتحمل البرودة وبالتالي لا تنتقل إلينا العدوي عن طريق القمل..

كان هذا هو وصف ظروف العمل التي يعايشها الأمريكيون أثناء قيامهم بالعمل في هذا المشروع الضخم ولكم جميعا تصور معني المبيت في العراء في شتاء سيبيريا، مهما بلغت كفاءة الأغطية المستعملة.

وقد بلغ عدد الأمريكيين العاملين في هذا المشروع 300 شخص كلهم من المتطوعين وكانت مهمتهم الإشراف الدقيق علي توزيع المواد الغذائية وعدم وقوع سرقات أو إختلاسات أو بيوع لها. وقد أوجب ذلك عليهم أن يصلوا إلي أصغر القري وأبعد الأماكن وهو ما جعلهم يقومون بهذا الوصف للحالة التي كان يعيش عليها السكان في المناطق النائية. وكانوا يستخدمون الجمال في حال عدم توافر القطارات أو الزحافات علي الجليد والتي يجرها حيوان الهسكي أي أنهم لم يتركوا وسيلة إلا وقد إستغلوها لتحقيق غاية المشروع.

وكانت الأكواخ التي يمكنهم المبيت بداخلها مليئة بالقمل الذي يزحف علي الجدران وكذلك كانت عربات السكك الحديدية تمتلئ بهذه الحشرة الكريهة التي تنقل المرض المعوي الخطير التيفوس. ولهذا كانت وسيلة النقل في كثير من الأحيان هي الجمال التي تتحمل من البرودة والعطش والحركة المستمرة ما لا تتحمله الدواب الأخري. بل أن إدارة المشروع إعتقدت في أحد المراحل أن الموظف الأمريكي ويل شافروت قد تم قتله وأكل جسده من قبل هؤلاء الجياع بسبب تأخر ورود أي أخبار منه إلي موسكو. ولكن ذلك بالطبع لم يحدث، إذ أن الروس كانوا يعرفون أن الأمريكيين هم من يطعمونهم ويستوردون المواد الغذائية لهم وبالتالي لم يكن أي من هؤلاء الأمريكيين هدفا لأكلة لحوم البشر من الروس الجائعين.

وروي الناجون من الموت أن الأمهات كن يعلقن أقفالا علي أبواب البيوت ليلا حتي يظن الجياع أنها بيوت مهجورة لأن الإغارة علي البيوت بهدف قتل الصغار وأكلهم كانت تتم في العادة ليلا. وقامت الحكومة المحلية بفرض حرس بالسلاح علي المقابر إن كان بها موتي حديثي الدفن حتي تمنع فتح القبور بهدف أكل الجثث.

كان عدد ضحايا الجوع قد وصل تقريبا إلي 5 مليون قبل أن يبدأ مشروع هوفر في الحركة. وكانت بعض الأمهات تعمد إلي قتل ابنائها الأكبر وأكل لحمهم حتي تستطيع إرضاع الأطفال الاصغر!!

كانت المأساة رهيبة وإتساعها لا سابق له. وكان موقف الحكومة الروسية متخاذلا لا يهتم إلا بالأولويات التي وضعها الشيوعيون وهي أولا وقبل كل شىء تثبيت قوتهم لكي يتمكنوا من حكم البلاد كاملة. وهذا الموقف بالذات جعل هوفر يحتقر الفكر الشيوعي ويزدريه بشدة مما زاده إصرارا علي إظهار الطبيعة الإنسانية للمشروع الضخم.

كان المديرون المحليون في روسيا للمشروع الأمريكي من ضباط الجيش الأمريكي المتقاعدين وذلك لضمان إحكام الربط والإلتزام. وكانت أول عقبة تواجه إنقاذ الأرواح هي التخلف الشديد الذي كانت تعاني منه شبكة السكك الحديدية التي يقع عليها العبء الأعظم في النقل. ووقع أول خلاف بينهم وبين مدير السكك الحديدية الذي كان يعمل بالطريقة الروتينية البطيئة ولا يراع ظروف المشروع الطارئة حيث أن كل اسبوع يكلف كما عرفنا حياة 25 الف شخص. وقد كان مدير السكك الحديدية يأمر بتحويل الشحنات أولا إلي العاملين في مرفق السكك الحديدية ليستهلكوها بمعرفتهم أو لكي يبيعونها لصالحهم. وكانت أسباب تلك اللامبالاة تقع في طبيعة الفساد المنتشر في ذلك الوقت في المجتمع الروسي وإلي التثاقل في العمل الذي يتسم به كثير من الروس بالإضافة إلي كون معظم ضحايا الجوع من الشعوب الشرقية الغير روسية مثل البشكير والتتار. أما الروس الذين كانوا يعيشون في هذه المناطق فقد كان كثيرون منهم يرون أن ما يحدث هو إستحقاق رباني لعقاب الروس المسيحيين علي ما وقع في البلاد من ثورة علي القيصر يقودها كفرة شيوعيون دخلوا إلي الكنائس وقاموا بقتل القساوسة ورجال الدين المسيحي ولهذا فعقاب المجتمع هو عقاب عادل!!

ولهذا لجا المدير الأمريكي المقيم إلي الإجراء الوحيد الذي يمكنه القيام به في مثل تلك الظروف وهو التهديد بوقف المشروع. ولكن كيف فعل ذلك وكيف كان الاثر منه؟  

كانت الشكوي الرئيسية من مرفق السكك الحديدية بسبب فساد رجاله وإهماله وعدم صلاحية عرباته أي خرابه شبه الكامل. ولكن لم يكن هناك من وسيلة للوصل إلي هذه المسافات البعيدة بالسرعة المطلوبة إلا عن طريق السكك الحديدية. لهذا كتب الضابط الأمريكي المسئول برقية مفتوحة بدون شفرة إلي رئيسه هربرت هوفر يطلب منه إيقاف شحن أي كميات من الحبوب من نيويورك حيث أن المشروع لا يتحرك فعليا علي الارض لأن السكك الحديدية غير متعاونة. وبالطبع كان ذلك مقصودا حتي يقرأه المسئولون الروس ويخضعوا للتهديد عن طريق معرفة نوايا اصحاب المشروع الأمريكيين.

وعند هذه النقطة خشي الروس ان ينقطع المشروع بالفعل وأن تقوم في البلاد ثورة الجياع التي قد تضعف مركزهم أو تنهيه بالكامل فاقالوا مدير السكك الحديدية ووضعوا مكانه رئيس جهاز أمن الثورة الذي إشتهر عنه عدم التردد في قتل من يري فيه خطرا علي الثورة. وبذلك فهم كل عامل في السكة الحديد أنه إما أن يعمل علي قدر طاقته أو سوف يتلقي رصاصة تخترق راسه!! هكذا كان أثر البرقية.

والسبب الاساسي الذي جعل الضابط الأمريكي يتصرف بهذه الطريقة هو أن موعد غرس بذور المحصول الجديد من الذرة والقمح هو ربيع عام 1922 وذلك إن كان يرجي جني أي محصول في خريف ذلك العام لكي يقي البلاد شر مجاعة جديدة العام القادم. ولما كان الموعد يقترب والبذور لم يتم توصيلها بعد فقد رأي ذلك الضابط أن الخطر سوف يتكرر إن هو لم يقم بعمل حاسم.

وكان من ضمن شروط عقد المشروع التي وقع عليها ممثلو الحكومة الروسية أن يشتروا بذور الغلال من الولايات المتحدة ويقومون بغرسها في الوقت المناسب حتي يكون هناك محصول جديد. وقد رأي كل من الضابط هيسكل ورئيسه هوفر في عدم غرس بذور الغلال حتي هذا الموعد المتأخر خرقا لبنود العقد المبرم.

وبالفعل تحرك مرفق السكة الحديد بطريقة أفضل تحت تهديد قطع المشروع وتحت سمعة رئيس الجهاز الأمني وبدأ تدفق الغلال يتحسن خلال ربيع وصيف 1922.

ومن ألطف الاشياء التي يمكن للمرء أن يقرأها هو وصف الأمريكيين لطريقة عمل الروس وأسلوب حياتهم. فقد كان من نتائج هذا المشروع أن تلاقت الثقافتان بطريقة مباشرة وظهرت الفوارق.

فالأمريكيون يتوقعون من الروس أن يبدأوا العمل في تمام الثامنة صباحا ولكن العاملين الروس لم يكنوا يظهرون في أماكن العمل قبل العاشرة أو التاسعة والنصف وكانت حججهم دائما من نفس نوع حجج الشرقيين التي نعرفها، أمي مريضة، إبني سخن، كنت أبيع خروفا في السوق لأنه سوف يغلق عند الظهر إلخ...

وعلي الجانب الآخر فإن الأمريكيين لم يكنوا مستعدين علي الإطلاق للتعامل مع حضارات وأعراق مختلفة تعيش جنبا إلي جنب. فالبشكير المسلمون لا يحبون الكازاخ المسلمين أيضا وكلاهما يكره الروس.

وهكذا وجد المسئولون عن المشروع أنفسهم داخلين في موازنات سياسية وعرقية ليس لهم بها أي معرفة ولا إتصال.

وفي خريف عام 1922 بدأت بوادر المحصول الجديد في الظهور وبذلك نجحت مهمة هوفر في روسيا ولكن المشروع بقي يعمل بطريقة مخفضة حتي خريف العام التالي 1923 حين خرج آخر أمريكي من روسيا بعد أن بلغ عدد من أنقذهم هذا المشروع الكبير 11 مليون شخص كان محتما عليهم الموت جوعا.

ومما هو جدير بالذكر أن تلك الفترة في بداية عام 1922 هي نفسها التي شهدت توقيع إتفاقية راباللو بين الإتحاد السوفيتي وألمانيا حول التعاون في عديد من المجالات وهو ما سوف يسفر عنه بعد ذلك تقوية الطرفين كل في مجاله تمهيدا للحرب القادمة.

وهربرت هوفر المهندس الكفء قال بعد ذلك بحوالي 10 سنوات أنه كان يظن أن مشروعه لإنقاذ الجائعين الروس سوف يساهم في إضعاف الفكرة الشيوعية بإظهار تهافتها وبيان عجزها إلا أن أمله قد خاب ووجد نفسه في النهاية قد ساهم في نجاح سيطرتها علي روسيا.

وهو علي كل حال قد تعرض لمحنة أشد كثيرا من مجرد إدارة مشروع عاجل، وهي محنة الكساد الأمريكي الداخلي الذي خاضه رئيسا أمريكيا منذ عام 1929 وإلي عام 1933 وهو الكساد الذي إمتد ليشمل العالم كله فلم يستطع بقدراته الهندسية أن يجد لها أي حل بل وجد الحل فيما بعد تشريعيا علي يد رئيس آخر ديموقراطي هو رجل القانون فرانكلين روزفلت الذي إنتقد هوفر علنا في وجهه أثناء إلقاء كلمة حفل تنصيبه خلفا لهوفر في يناير 1933.

فالتغييرات الضرورية الكبيرة في المجتمعات لا يتم إنجازها بمجرد تنفيذ المشروعات ولكن بالتشريعات..

ونلك رواية أخري.. تشريعات النيو ديل..