You are here

هربرت هوفر (1)

ayman zaghloul's picture

 

 

نحن الآن في عام 1919 وقد وضعت الحرب العالمية الأولي أوزارها ومؤتمر السلام منعقد في باريس بقصر فرساي. وكانت الحرب قد بدأت بغزو ألماني لأراضي بلجيكا حتي تصل منها إلي فرنسا. وبالتالي وقع 7 مليون بلجيكي تحت الحكم الألماني. وهؤلاء كان حالهم عدم حتي أنهم كانوا مهددين بالجوع عقب الحرب مما جعل من ضمن مقررات مؤتمر فرساي أن تتولي الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بشدة بالحرب حيث أنها دخلتها متأخرة جدا، تتولي توريد المواد الغذائية إلي بلجيكا لكي لا يهلك شعبها. وقد كان وزير الإقتصاد الأمريكي وفي نفس الوقت رئيس هيئة الإغاثة الأمريكية American Relief Administration  هو مهندس مناجم نجح في عمله الهندسي في خارج وداخل الولايات المتحدة حيث عمل في الصين وأستراليا وروسيا وهو هربرت هوفر. وقد نبغ في التخطيط اللوجستي وإدارة المشاؤيع حتي أنه تقلد ذلك المنصب وأصبح بطلا قوميا داخل الولايات المتحدة ورمزا للكفاءة والقدرة المتميزة في العالم الخارجي. وكان يستقبل بحفاوة أينما حل وفي كل البلاد.

والآن نحن في يونيو 1921 وقد توجه الكاتب الروسي مكسيم جوركي بنداء عبر صحف العالم قال فيه أن بلد ديستيوفسكي وتولستوي ومندلييف مقبل علي ايام حالكة وأننا نحتاج إلي مساعدة فورا قبل أن يحل الشتاء ونهلك جميعا..

كيف كانت الأوضاع في روسيا إذن؟؟

من يتذكر منكم فيلم دكتور جيفاجو يعرف هذه اللقطة التي تظهر أحذية الجنود مثقوبة وبالية والراوية يقول أن الجنود الذين دخلوا الجيش كانوا سعداء لحصولهم علي أحذية جديدة مجانية، ولكن الأحذية لا تدم طويلا ولا تتحمل فصلي شتاء متتاليين.. لقد باتت الثورة وشيكة خصوصا وأن الهزائم الروسية علي يد الجيش الألماني ثقيلة..

كانت الثورة كما عرفنا من تدبير المخابرات الألمانية  عن طريق مد لينين بالمال اللازم ونقله في قطار مغلق من سويسرا إلي روسيا عن طريق السويد. وقد نتج عن تلك الهزائم المتوالية أن أجبر القيصر نيكولا علي التخلي عن العرش وقامت في البلاد حكومة ليبرالية فتحت الباب للحريات وللصحف لأول مرة في التاريخ الروسي الممتد وهي حكومة كيرينسكي التي لم تكن تحظي بإعجاب الشيوعيين مما أدخل البلاد في حرب أهلية بين البلشفيك (الحمر) والمانشفيك (البيض) الذين كانوا معسكرا سائبا لا يربطه رابط سوي الرغبة في محاربة الشيوعية بينما كان المعسكر الشيوعي أفضل تنظيما وأسرع حركة إذ أن ليون تروتسكي أنشأ الجيش الأحمر لكي يواجه به الجيش الأبيض. وهكذا أصبح الحسم بالقوة هو لغة التخاطب بين الطرفين. وقد إستمرت هذه الحرب طويلا بعد نهاية الحرب وحتي عام 1922 بأن حسمها الجيش الأحمر لصالحه.

وقد صاحب هذا التردي في الأوضاع شتاء قارس ومحصول شبه منعدم في ذلك العام 1921. ولذلك أرسل الكاتب مكسيم جوركي نداءه المذكور إلي العالم.

كان السيد هوفر بحكم خبرته في بلجيكا قد أصبح من المهتمين بالشئون الدولية وقد قرأ هذا الإعلان في إحدي الصحف وقرر التصرف..

 

لم يكن هربرت هوفر يميل بأي حال إلي الشيوعية بل أنه كان جمهوريا يري أن السوق المفتوح وحرية التجارة هي من الأمور الهامة التي تميز الدول المتقدمة الناجحة. ولكنه في نفس الوقت كان يري أن إظهار الكفاءة الأمريكية في إدارة المواقف الصعبة وإظهار الرخاء الإقتصادي الذي تتمتع به بلاده هي كلها عوامل يمكنها أن تساعد في تهيئة الظروف لمعسكر لا يؤمن بالشيوعية في روسيا وخصوصا وأن الموقف كان قد بدأ يميل إلي صالح الشيوعيين عندما أعلن جوركي بيانه الشهير دون أن يسأل لينين إذنا أو دون أن يشير إليه أو إلي حكومته من قريب أو من بعيد.

والواقع أن أمريكا لم تكن في ذلك الوقت بعيدة أبدا عن الصراع الفكري حيث أننا جميعا نتذكر قضية ساكو وفانزيتي التي كانت في أساسها مختلقة لكي تضع مثالا رادعا لكل من يتداول الفكر النقابي أو الإشتراكي. كما أتتا عرفنا عن الإضراب العام في سياتل في ولاية واشنطن أقصي شمال غرب الولايات المتحدة والذي كان يمثل شبحا يتهدد رجال الأعمال. فقد كان الخطر الشيوعي ماثلا علي الأقل في أفكار ومخيلة الطبقة الصناعية المالية الأمريكية. وقد لاقي هربرت هوفر مصاعب في تمرير مشروعه من الكونجرس حيث أنه كان لابد له أن يحصل علي تصريح من الكونجرس لمساعدة المهددين بالموت جوعا في روسيا، معقل الشيوعية وأول بلد في التاريخ تأخذ بهذا النظام السياسي الإقتصادي الإجتماعي الفكري.

فماذا فعل لكي يتغلب علي هذه العقبة؟

كان الرئيس الأمريكي هو الرئيس وارن هاردنج الجمهوري المنتخب حديثا والذي دخل البيت الأبيض عقب إنتخابات 1920. وقد نجح هوفر في إقناعه بأن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في إظهار وجهها الإنساني أمام شعب روسيا الذي يخوض الآن غمار حرب أهلية بين الشيوعيين وخصومهم. كذلك فإن تدخل الولايات المتحدة ذات النظام الراسمالي هو رفع من قدر هذا النظام أمام ناظري الشعب الروسي كما أن الخلاف بين الولايات المتحدة والنظرية الماركسية لا يصح له أن يمتد ليشمل المعونات الإنسانية وقد كان نظر الرئيس الأمريكي موافقا لهذا الرأي. ولكن بقي علي هوفر أن يقنع الكونجرس.

كانت الأحوال الإقتصادية عقب عودة 2 مليون من جنود الجيش الأمريكي إلي الولايات المتحدة عقب نهاية الحرب العالمية الأولي ليست علي ما يرام. وقد كانت هناك بطالة في البلاد كما أن الثورات العمالية المتتالية كانت من عوامل القلق الكبيرة. وبالتالي كان الكونجرس غير محبذ لاعتماد أي مبالغ مالية للخارج في ظل هذه الظروف وبالذات لتقديمها إلي بلد يتهدده النظام الشيوعي تهديدا جديا. 

لكن الوجه السياسي الآخر للأمور لم يكن سيئا حيث أن فائضا ضخما من محصول القمح والذرة كان متواجدا في السوق الأمريكي مما يهدد بخفض الأسعار وخسارة الفلاحين، ولذلك فقد نجح هوفر في الحصول علي موافقة الكونجرس بفضل مساندة لوبي المزارعين داخل الكونجرس. وهكذا إعتمد الكونجرس المبلغ اللازم لتنفيذ مشروع هوفر بقدر 20 مليون دولار وهو ما يعادل 600 مليون دولار بأسعار زماننا هذا.

كان طريق الشحنات طويلا حيث يبدأ في نيويورك عبورا للأطلنطي ثم مرورا بمضيق جبل طارق فالبحر المتوسط بأكمله مرورا إلي البحر الاسود عبر البوسفور ومن هناك يتم توزيعه علي المناطق التي أضيرت بشدة من الجوع ومعظمها يقع في الجزء الآسيوي من روسيا، أي علي بعد أكثر من 1000 كم.

وهو ما يعني الإحتياج إلي شبكة من المواصلات تنهض بهذا العبء الهائل.

كما أن العمل علي أرض روسيا كان يلزمه أفراد كثيرين لكي يقوموا بالتوزيع حيث أن الخطة كانت إنشاء عدد كبير من المراكز التي يتم فيها طهو الطعام ثم توزيعه علي المحتاجين. وقد بلغ عدد هذه المطابخ 19000 مطبخ علي إمتداد القطر كله، وعمل بالمشروع بأسره 120 ألف روسي !!

وهؤلاء العاملون لم يكن الحصول عليهم سهلا بالمرة حيث كان الأمريكيون يبحثون عمن يستطيع الحديث بالإنجليزية أو بأي لغة أوروبية معروفة لهم ولكن ذلك كان نادر الوجود بسبب الجهل الهائل المستشري في روسيا.

وإضافة إلي كل هذه العوامل المحبطة كان هناك عامل الوقت حيث أن 25 الف شخص كانوا يموتون كل أسبوع لو لم تصل إليهم إمدادات الطعام. ثم كان هناك تشكك الحكومة الشيوعية المهووسة بالأمن من تهريب الاسلحة وتدريب المخربين ضد الثورة لكي يجهضوا الثورة الوليدة !!

وهكذا وجد هوفر وفريقه العامل في روسيا أمام كم كبير وجبل هائل من التحديات، فماذا فعلوا إزاءها؟

أولا لابد من معرفة الأحوال التي كانت سائدة في شرق البلاد حين وصل الأمريكيون إليها لكي يشرفوا علي المشروع الكبير.

كانت الغالبية من المتضررين من الجوع هي من الأطفال، إذ أن كثيرا من الآباء والأمهات إما قضوا جوعا وإما هجروا أطفالهم ونزحوا من قراهم. كما أن من بقي في تلك القري لم يكن قادرا علي الحركة من شدة الجوع. وقد لجأ كثيرون إلي أكل القش الذي يستخدم في تغطية البيوت البسيطة في تلك القري.

بل أن المقابر قد فتحت وأخرجت أجساد المتوفين حديثا لكي تؤكل من جانب الجائعين. وتمت المتاجرة بالفعل في اللحم البشري للإستخدام كطعام ويذكر الأمريكي ويل شافروت أحد الأعضاء المهمين في تلك المهمة أن الحكومة بعد فترة أمرت بإغلاق 10 محلات جزارة تبيع لحوم الآدميين. هذا طبعا ناهيك عن أكل لحم القطط والكلاب والخيول والحمير.

وكان أكل القش يتسبب في إنتفاخ يعطي الإنطباع أن الشخص سمين وصحيح ولكن بعد فترة تظهر عليه أعراض المرض الذي ينتهي بالموت. وقد تسبب كل ذلك فى إنتشار القمل بسبب عدم النظافة وعدم القدرة علي الحركة وهذا القمل كان ناقل لمرض التيفوس وهو مرض قاتل إن لم يعالج مبكرا.