You are here

ملك البطيخ / حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

كان "ملك البطيخ"  في مدينة طرابلس اللبنانية أشهر من أن يعرّف رغم اليافطة الضخمة التي وضعها على مدخل دكانه   مع تعدد ملوك البطيخ في مختلف انحاء المدينة بداية موسم الصيف الذين كانوا يحولون محلاتهم من بيع الخضار والفواكه  الى بيع البطيخ الأحمر لشدة الطلب عليه ، حيث يطرحون الرمل الناعم الأحمر في ارضياتها ليرصوا عليها رؤوس البطيخ متجاوزين داخل المحل الى الأرصفة الموازية بكومات تصل احيانا الى أكثر من مترين علواً .

و"ملك البطيخ" ، بطل هذه الحكاية  ، كان محله يقع عند مدخل المدينة المملوكية القديمة الملاصق لدوارالنجمة على بعد امتار قليلة من الجامع المنصوري  الكبير .

كان "الملك" يزيّن بضاعته بالورود والزهور والأضواء الملونة بما يزيد من البهجة والجذب للزبائن ، خاصة اثناء الليل . إذ كان يسهر على بضاعته حتى الصباح بحيث لايغلق أبواب المحل على مدى اربعاً وعشرون  ساعة حتى إنتهاء موسم البطيخ الذي يمتد لخمسة أشهر على الأقل .

وكان يمضي سهرته ممدداً كالسلاطين على تخت رفيع كالكنبة بجانب المحل ، منتشياً على أغاني أم كلثوم الصداحة من المذياع المختلطة بنغمات  أركيلته ورشفات قدح الشاي المعتق الذي يصبه من إبريق نحاسي لاينضب ،  مدفون في رماد موقد النار بجانبه .

ومن هنا تبدأ الحكاية ، إذ انه في أحد الأيام ، وكنت لازلت في مرحلة العزويبة والشباب ، طلبت مني والدتي وانا مغادر الى عملي ان أحضر معي ظهراً جبنة ضرفية وبطيخ أحمر .

هذا الطلب الذي لايمكن رفضه من الوالدة أربكني وأحرجني ، إذ ان شراء البطيخ يتطلب خبرة كبيرة والوالد هو الوحيد في البيت  الذي يملك هذه الخبرة ، إذ يرسل بضع بطيخات بشكل دائم لنضعها في بركة ماء جانبية رخامية عند مدخل البيت لتلطيف  حراراتها  قبل تقطيعها ووضعها في البراد ؛ إذ ان متعة أكل البطيخ ولذته هي  في برودته لإطفاء حرّ الجسم في الصيف الملتهب .

بالنسبة للجبنة الضرفية كان الأمر سهلاً إذ اعتدت شراء هذا النوع من الجبن ، الذي يلذ أكله في أشهر الصيف مع البطيخ الأحمر ، من محل "الحصروني"  في ساحة الكورة العريق ببيع العديد من أصناف الجبن ، خاصة جبن القشقوان الفاخر المصنع من حليب الغنم ، وجبن الضرفية المصنوع من لبن الماعز الذي يستحضره يومياً من بلدة حصرون ، من قمم الجبال العالية  .

أما البطيخ فقد احترت من أين اشتريه ، إذ أن من لايملك الخبرة في اختياره فلابد من ان يتعرض للغش من البائع الذي يعمل على التخلص من البضاعة الأسوأ لزبون غشيم كحالتي يلصقه بها . وهذا تماماً ماحصل معي اذ تحولت مخاوفي الى حقيقة وواقع مع توجهي الى محل "ملك البطيخ " بما أنه الأشهر في المدينة وقد وقعت في شر وثوقي به ، مع إتكالي عليه بأن ينتقي لي بطيختان بما عنده من خبرة. إلا أنه تبين لي فيما بعد أنه  كان من الأفضل أن أنتقي أي بطيخة عن الواجهة بدلاً من أفوضه بالأمر ليغشني ، لأنه من المفترض أنه يضع أفضل مالديه على الواجهة تحسباً من أن يأتيه صاحب خبرة قد يعمد فوراً إلى معاينة البطيخ الذي امامه وينتقي منه حاجته  ، فإن لم يجده صالحاً فإنه سيغادر دون رجعة ، لذا لم يكن من مصلحته ان يوجّه البطيخ الرديء على مدخل محله .

إلا أنه وقع المحظور ، إذ ماأن سألته لينتقي لي بطيختان حتى رحب بي بشدة وأجابني انه وضع البطيخ الجيد في الداخل لأمثالي ،  في سخرية ضمنية مفرطة ، إنعكست جديّة كاذبة على وجهه بالإهتمام بتلبية طلبي لاحترافه الغش .

كانت العادة ان يعاين الزبون البطيخة من الخارج بالنقر  الخفيف براحة اليد حولها  كنوع من التفاخر والتظاهر بالمعرفة المخادعة ، إذ ان معظم الناس تجهل إنتقاء البطيخ . وبإظهار "الملك " جديته  واهتمامه الكاذب لم يدع لي مجالاً للشك في سؤ نيته في انتقاء البطيختان  وأصراره ان يضع  كل واحدة منها في كيس من النايلون الأسود  دون ان يتيح لي مجالاً للمس إحداها  أو النظر اليها او تفحصها طالباً مني أن افتح صندوق السيارة وان يضعهما بيده حرصاً عليهما ، ليحشرهما جانباً في الزاوية  لئلا تهتزا خلال الطريق وتعطبا . واردف قائلاً ، سلم على الوالد ، زيادة في الإستهزاء والسخرية  التي لم ادركها إلا فيما بعد ؟

وصلت الى البيت مزهواً بما جلبته  وكأني قد احرزت نصراً في المقدرة والمعرفة بانتقاء البطيخ ، ولكن ماأن اخرجت إحداها من الكيس لغسلها وتقطيعها لوضعها في البراد ، حتى دخلت اصابعي في منتصفها المهترىء وكذلك كان حال  الأخرى لأرميهما معاً في سطل الزبالة ، ليتضح لي  عندها أنه كان يضع البطيخ المهترىء في الداخل ليبيعة لعديمي الخبرة والتجربة أمثالي . إلا ان هذا التصرف كان درساً  مفيداً لي دفعت ثمنه رخيصاً لاكتساب الخبرة في الحياة للإحتراس من هكذا اشخاص منافقين يوحون الثقة بالكلام المعسول ، واكتساب الخبرة فيما بعد  في إنتقاء البطيخ بحيث استخرج البطيخة الجيدة من بين مئة بطيخة بمجرد النظر اليها من قبل ان ألمسها أو أعاينها .

انقطعت عن الشراء من عند " الملك "   وقد صممت أن ان أرد له السخرية والإستهزاء على طريقتي بأشد من سخريته حتى لايظن  انه هزمني ويستغرق في الضحك في سره كلما رآني او مررت في خاطره .لذا كنت امر من امامه يومياً بسيارتي  ، ولكني لم اتوقف للشراء من عنده إلا من بعد عشرة ايام من هذه الواقعة .

توقفت وتقدمت نحوه ملقياً السلام فرحب بي بحرارة ، إلا انه كان وقحاً وحذراً ، وهو ملتهٍ بمسح البطيخ بقطعة من القماش ، ليسألني   : كيف وجدت البطيختان وهو ينظر الى بطرف عينه ليرى رد فعلي ، فكان جوابي : لاتسألني ، فجهدك ضاع عبثاً في إنتقاء البطيختان إذ نسيتهما في السيارة تحت اشعة الشمس لمدة عشرة ايام فخربتا ؟

سره الجواب ، إلا أنه أبدى تحسراً كاذباً  عليهما وبادرني بانه سيبيعني أفضل منهما مخبئتان لزبون عزيز إلا ان يفضلني عليه تعويضاً لي ؟!.

فأجبته بأني قد جربت حظي معه ولم ينفع ، لذا سأجرب حظي مع نفسي باختيار بطيختان عشوائيا،  على أن آتي في الغد ليختار لي بضع بطيخات دفعة واحدة .

أقنعه  ذلك ووافق ، إلا أنني اشترطت عليه أن أنتقي البطيخة التي أريد ، وأشرت إلى اثنتين بأعلى الكومة عند  مدخل المحل ، إلا انني رفضت ان يضع اي منهما في كيس ، خوفاً من يبدلهما ، ليضعهما واحدة تلو الأخرى في أرض السيارة بجانب مقعد القيادة وقد استبد به الغيظ والتجهم دون ان يحمّلني اي سلام للوالد ، إذ تبين لي بعد شقهما انهما من أجود أنواع البطيخ وألذه  .

إنطلقت بالبطيختان دون ان أعاود للوقوف عنده نهائياً نظراً لسؤ اخلاقه في تعامله مع الزبائن عند البيع والشراء ، خاصة مع الأغراب من خارج المنطقة الذين لايعرفونه او يعرفهم .إذ انه بعد انتهاء موسم البطيخ يعود الى بيع الخضار والفواكه وكافة أنواع  الحشائش ، من بقدونس وخس ونعناع وخلافه ، يعرضها على مصاطب خشبية متدرجة يرشها بخرطوم  المياه معظم النهار لتظل طازجة ، كما يغسل الرصيف امام المحل ، كما ولايوفر الإسفلت المواجه حتى منتصف السكة  بحيث يبدو وكأنه  يتسلى بخرطوم المياه أكثر مما يحتاجه لغسل البضاعة .

ولكن مع سؤ تصرفه الذي سأستعرضه ، يتبين انه كان يرمي لغرض آخر من كثرة استعماله لخرطوم المياه ، إذ نظراً لموقعه التجاري عند مدخل السوق فإن الكثير من المارة كان يلفتها اناقة عرضه  لبضاعته لتتوقف عنده لتشتري بعضاً من حاجاتها ، إلا أن بعضهم كان  يقع في الخطأ لمحاولته إنتقاء مايشتهيه بيديه فيرفض "الملك " تلك المحاولات . إذ انه لايسمح لأحد ابداً ان يمد يده إلى اي صنف من الخضار لديه او الفواكه ، إذ يجب ان يشير اليه بالصنف الذي يختاره دون لمس ، ثم يضع له "الملك " في الكيس مايشاء دون اي مفاصلة بالسعر أو انتقاء ،  وإلا تعرض لرشة من الماء أو لمحتوى سطل من المياه يلبسه إياه وهو يغادر ، إن تمنّع عن الشراء .

 وما اكثرالمشاكل التي كانت تحدث من جراء هذا التصرف الأرعن ليتدخل الجيران ويفصلون بينه وبين الزبائن المشاكسين أمثاله .

ولكن ليس دائماً تسلم الجرّة ، إذ صدف ان مرّ احد عمال البساتين وقد تدلى من خلف ظهره سلاً من القصب ، فتوقف عند " الملك"  وسأله عن سعر البرتقال  ، فهاله ارتفاع السعر وكان قد حمل بعض ثمارها بيده فإعادها الى موضعها ثم تابع سيره متأففاً  ، فما كان من "الملك" إلا ان شتمه بأقذع الألفاظ  مستهيناً به لفقره وأعقب ذلك برشة من خرطوم المياه . إذ كان يستغل امثال هؤلاء المساكين الفقراء الذي يخطئون ويقفون عنده ليستعرض عضلاته في الشارع بتعمد الإساءة اليهم .

 إلا أنه في هذه المرة اخطأ في حساباته بما لم يتوقعه إذ نجا من الموت بأعجوبة . فقد  كان هذا العامل اشد منه ضيقاً في  الخلق ، إذ ما أن شتمه ورشه بالماء حتى القى العامل  السلة جانباً وأخرج منها بلطة مندفعاً نحو "الملك"  بغضب شديد ، الذي ماأن رأها حتى انطلقت رجلاه عدواً تسابق الريح وهو يصرخ ويستنجد بالمارة التي حالت بينه وبين صاحب البلطة الذي لم يستطع ان يطاله فالتفت الى المحل يعمل به تكسيراً وتحطيماً ، كما تحطيم إبراهيم لأصنام قومه ،  الذي لم يتبق شيئاً من محتوياته وإلا واضحى على الأرض بين الأقدام ، و"الملك " خائف من الإقدام والتصدي .

وغادر الرجل بعد توسط ورجاء من الجيران والمارة ، إلا ان "الملك " لم يبطل خصاله في التعرض للزبائن ، ولكنه اضحى أكثر حذراً في اختيار الضحايا الذين يتعرض اليهم بالإساءة إن ساوموه أو عزفوا عن الشراء من عنده لغلاء اسعاره .