You are here

فنلندا دولة عظمي (5)

ayman zaghloul's picture

والملاحظ هو أن جمعية الإخوان المسلمين لم تكن تأبه كثيرا بالسياسيين المنتخبين إنتخابا مباشرا من قبل الشعب، بل كانت تنااصبهم العداء في بعض الأوقات وتمالئهم في أوقات أخري كما يفعل كل السياسيين. وهي في ذلك ملتزمة بالأداء الديموقراطي من جهة. ولكنها من جهة أخري كانت لا تتجرأ علي نقد الملك ولا علي توجيه أي كلمة غير إيجابية في حقه، وهم في ذلك أوفياء للخط الإسلامي التقليدي الذي يري أن الخروج علي الحاكم هو خروج علي الشرع إن كان الحاكم لا يزال مسلما مجاهرا بإسلامه. وفاتهم بالطبع أن الملك بحكم الدستور القائم وقتها كان لا يحكم بنفسه وإنما يحكم فقط من خلال وزرائه، بل أن توقيعه علي ورقة لم يكن له قيمة دون توقيع رئيس الوزراء.

والواقع أن إنشاء جمعية الإخوان المسلمين في تلك الظروف بالذات، سقوط خلافة/ فقدان القدرة علي التوجه لدي غير المتعلمين تعليما غربيا وهم الأكثرية الكاثرة من الناس/ أزمة إقتصادية طاحنة في الثلاثينات إستلزمت إجراءات قاسية قادها إسماعيل صدقي باشا/ رمعاهدة مع بريطانيا تفتح أرض مصر للقوات البريطانية في حال قيام حرب / قلاقل في فلسطين الواقعة تحت إنتداب بريطانيا  بين العرب واليهود المستوطنين مما أجج مشاعر البسطاء إلخ... كان إنشاء الجمعية يضمن لها كثيرا من التأييد العاطفي من طوائف كثيرة بالذات من غير المتعلمين أو المتعلمين تعليما بسيطا.

وفي تلك الفترة لعبت كتابات حسن البنا دورا كبيرا للغاية في تبرير إنشاء الفكر الإسلامي الغير مرتبط بالمؤسسة أو الغير ملتزم بخط الدولة. ولأن حسن البنا كان يعتبر أن رسالته عالمية إسلامية فقد حرص علي أن ينشر كتاباته في الدول الإسلامية الأخري كسوريا واليمن وجزئيا في العراق إذ لم يحاول الإتصال بالثقافة الشيعية التي تسوده، وبالطبع بقي بعيدا عن إيران. ولكنه كان متصلا بالهند أثناء فترة التفاوض علي الإستقلال بعد الحرب، ولا يعرف سبب عدم إهتمامه بالدول الواقعة في الجانب الغربي من مصر، رغم أنها دول إسلامية ايضا، فقد سقطت من حسابه علي ما يبدو. وهناك من الأسباب الكثيرة ما يجعل المرء يظن أن حسن البنا قد توسم خيرا في إنشاء دولة باكستان علي أنقاض الهند الكبيرة، فقد كان له إتصال بالهند وبمحمد علي جناح مؤسس الدولة ولعله رأي أنها بذرة صالحة لتطبيق القوانين الإسلامية !!

والذي يهمنا هنا هو الفكر الديني المصري الذي أسست له جماعة الإخوان وسعت إلي نشره، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري الفكر الديني المصري الذي لم تقل به جماعة الإخوان وإنما نشا كنتيجة لوجودها وعملها.

وليس المقصود من ذلك هنا هو أي إسهام في النقاش الدائر حاليا حول الحياة السياسية في مصر، فهذا عرض جانبي من أعراض المشكلة، ولكن المقصود هو معرفة أثر خروج جناح من الفكر الديني المصري علي المؤسسة الاصلية التي كانت حتي سقوط الخلافة تحتكر وحدها تنظيم الحياة الدينية فكرا وإفتاءا.

 

و قبل الدخول في حقل الألغام هذا لابد من التصريح الواضح بأن جماعة الإخوان ليست دائما هي من تصدر هذه الافكار بل علي العكس هي بريئة منها براءة مباشرة، ولكنها في نفس الوقت مسئولة مسئولية غير مباشرة عن فتح هذا الباب المفضي إلي ما نحن فيه. فالخروج عن الخط التقليدي للمؤسسة الدينية (لكم الحكم ولنا المنابر لندعو لكم من فوقها) هو في النظرة الأولي تطور إيجابي يتماشي مع الحرية وفك الإسار الفكري وفتح الباب أمام سبل جديدة للإجتهاد. إلا أن النظرة الثانية تشي بالعكس تماما. فالذي يحدث في أمثال هذه المجتمعات التي لا خبرة لها في أمور التعددية والرأي ونقيضه هو شيء لا يمكن تسميته إلا فوضي. وهذه الفوضي تفتح بابا واسعا لتدخلات أجنبية ليس الغرض من ورائها إلا الإضرار بهذا المجتمع الذي ينظر إليه الأجنبي علي أنه جاهل. وهذا هو ما وقع خلال النصف قرن المنصرم..