You are here

فنلندا دولة عظمي (4)

ayman zaghloul's picture

فهم المصريون بسرعة حجم التغيرات الهائلة وأدركت صفوتهم المتعلمة تعليما غربيا أن الفرصة قد سنحت لكي تنشأ عملية إعادة نقسيم للثروة وللسلطة في المجتمع المصري، وبالذات إعادة تقسيم تصب في مصلحة المصريين من أبناء القطر المصري بعد سقوط الدولة التي كانت تحمي وتبدي العنصر التركي الشركسي علي غيره من العناصر. كما أدركت الصفوة أنه لابد من كتابة دستور جديد يجعل الملكية في مصر ملكية دستورية وليست ملكية مطلقة، وهي خطوة هائلة الدلالة في مجتمع لم يعرف طوال الستة آلاف عام السابقة علي ذلك سوي الملكية المطلقة القاهرة المستبدة.

كذلك تجرأت الصفوة ووضعت نصا في دستور مصر الجديد يؤكد علي حرية العقيدة مطلقا بلا حدود. وهذا هو ما يهمنا فيما نحن بصدده.

عرف المجتمع المصري في عشرينات القرن العشرين تطبيقا كاملا لهذا النص بحيث لم يكن الملحدون يخجلون من المجاهرة بأنهم ملحدون، وهي حالة فريدة في التاريخ المصري الذي يقوم في 100% من وقائعه علي الربط بين الدين والقبول المجتمعي. ولم ينتج عن ذلك لا عنف ولا إحتكاك بل ولا حتي إعتراض. والحادثتان اللتان يذكرهما التاريخ هما قضية علي عبد الرازق وكتاب الإسلام وأصول الحكم وقضية طه حسين وكتاب الشعر الجاهلي، والحالتان لم تتخذ حيالهما أية إجراءات من جانب الدولة التي إلتزمت بالدستور وحكمه السابق ذكره.

ولئن كان هذا هو الخط العام في المجتمع المصري إلا أن الأمر لم يسلم من وجود بعض التيارات الهامشية التي بقيت بلا أثر يذكر في الحياة السياسية والتي كانت تبكي علي الخلافة الضائعة. وأهم هذه التيارات كانت بعض أجنحة الحزب الوطني الذي كان مصطفي كامل قد أسسه في العقد الأول من القرن العشرين. وهذا الحزب كان ينادي بجلاء الإنجليز عن كل مصر ولكنه كان في نفس الوقت ينادي بالحفاظ علي مصر جزءا من الخلافة العثمانية حتي عقب تصفيتها.

والغريب أن هذا الحزب كانت له ذراع سرية مقرها المانيا !! وكان من ضمن هذه المنظمات السرية منظمة تسمي الحزب الراديكالي. وهذا الحزب كانت له إتجاهات إسلامية معادية للأزهر ولكنها في نفس الوقت ِإشتراكية تطالب بإعادة توزيع الثروة وهي مطالبة تشابه ما كانت تطالب به الحركة الشيوعية في أوروبا، وهنا لا يمكن إغفال التاثير الألماني إذ أن هذا الحزب الغريب كان مقره ألمانيا !!

وكان لهذا الحزب مجلة تحمل عنوان "القصاص" تصدر علي هيئة منشور يتم تهريبه إلي مصر. وفي عدد سبتمبر 1924 أي عقب إلغاء الخلافة نهائيا بعدة شهور جاءت النشرة حاوية لبرنامج الحزب المذكور ويشمل ما يلي:

1.    

قلب نظام الحكم: خلع من يدعونه ملكا وطرد هذه العائلة الحاكمة

2.    

حل مجلس الشيوخ والنواب

3.    

الإنتقام للوطن من كل خائن بادئين بسعد

4.    

مقاومة الخطر الصهيوني والإسرائيلي

5.    

محاربة الدخلاء والأجانب

6.    

إغلاق الأزهر وإجبار علمائه علي الأشغال اليدوية

7.    

العمل ضد الاقباط

8.    

المساواة بين جميع الطبقات وتقسيم الثروة

9.    

إنشاء جمهورية إسلامية لمصر والسودان

10.                       

العمل ضد الإنجليز.

وهو برنامج إسلامي سلفي الطبع سياسيا يقترب به من أحلام المراهقين وبه مسحة إشتراكية لعلها مستوردة من أوروبا وبالذات من التجربة السوفيتية الناشئة في تلك الفترة إذ أن القساوسة كانوا بالفعل يضطهدون هناك ويجبرون علي العمل اليدوي. كما أن تقسم الثروة والمساواة الكاملة هي من أفكار ماركس الالماني التي طبقها عميل المخابرات الألمانية لينين الروسي ومن بعده ستالين.( أي أن فكر السلفية هو في أصله أيضا مصري(!!!

والغريب أن هذا الحزب قد تبنه مبكرا للخطر الصهيوني والإسرائيلي وهو أمر لا يمكن تفسيره إلا علي ضوء خبرته الأوروبية الالمانية حيث أن تلك الفترة كانت تشهد تكثيفا للهجرة من روسيا وبولندا إلي فلسطين وهو أمر ربما كان من يعيش في أوروبا يلحظه أكثر.

ومن بين أعضاء هذا الحزب جاء إلي القاهرة الشاب عبد اللطيف عبد الخالق الدلبشاني الذى كان يدرس الطب في برلين وحاول إغتيال سعد زغلول الذي كانت منشورات الحزب تصفه ب "الأزهري سعد زغلول" وكأن الأزهرية سبة !! ولكن المحاولة لم تنجح ولم يوضع الجاني في السجن بل أودع مستشفي الأمراض العقلية رغم شهادة أطباء المستشفي أكثر من مرة أنه سليم القوي العقلية.

ولا ننسي أن محمد فريد زعيم الحزب الوطني بعد مصطفي كامل كان قد لجأ في سنين الحرب إلي المانيا التي توفي بها ودفن في برلين ثم أعيد دفنه بمصر مرة أخري بعد نقله.

وألمانيا كانت طوال سنوات الحرب الحليف الأقوي للدولة العثمانية بل أن الاسطول العثماني كان موضوعا تحت تصرف أدميرال ألماني هو الأدميرال سوشون.

إلا أنه كما سلف البيان لم يكن لهذا التيار اي نصيب يذكر من الشعبية أو الإنتشار لأن شعبية الوفد وسعد زغلول والأزهر إلي جانبه كانت جارفة، وهو التطبيق العملي للإتفاق القديم للغاية والغير مكتوب بين المؤسسة الدينية ورجال الحكم بأن لكم السلطة ولنا المنابر لكي ندعو لكم من فوقها..

كما أن هناك حالة ثالثة ولكنها غير مشهورة وهي قضية المساءلة في البرلمان عن منهج الأدب الإنجليزي في كلية آداب القاهرة والتي يدرس بها نص الشاعر جورج برنارد شو في مسرحية جان دارك  يقول فيه شيئا مثل محمد سائق الجمال Camel Driver إلا أن الأستاذ الإنجليزي الذي سئل في ذلك تمسك بالحق في الحرية العلمية ورفع الأمر للعميد طه حسين الذي رفض التحرك. ولم يزد الأمر عن ذلك وألغيت المسرحية من المقرر وما أظن أن أحدا أحس به  خارج حدود الجامعة وأوساط الأكاديميين.

ولكن علي ما يبدو فإن هذا النهج الجديد كان قد وجد من يطعن عليه ولا يقبل به لمخالفته للمالوف من التاريخ المصري. لقد بدأ التيار التقليدي يتنبه إلي أن  رجاءه في الأزهر قد خاب وأن الإسلام قد أصبح بلا خلافة وأن التغريب يجري علي قدم وساق في طول البلاد وعرضها وأن الأجانب يعيشون جنبا إلي جنب مع الأهالي فخاف هؤلاء من زوال الهوية التي رأوها قومية، وأساسها الدين الإسلامي.

 

وهكذا بدا خلط الهوية القومية بالدين الإسلامي عن طريق تأسيس جمعية الإخوان المسلمين.