You are here

المصابغ والكوي / حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

كانت المصابغ أو محلات الكوي  في مدينة طرابلس الفيحاء  اللبنانية من خمسينات القرن الماضي قليلة جداً . إذ أن معظم الناس كانت تكوي ثيابها في بيوتها ، لأنه من النادر في ذاك الوقت أن يرسل أحداً ثيابه للمصبغة للتنظيف أو الكوي ، الإ عائلات من الطبقة الوسطى والأثرياء ، التي كانت تقتصر على البذلات والقمصان والبناطلين الرجالية والفساتين النسائية ومايصعب كويه في البيت من برادي وشراشف مطرزة بخيوط الحرير للطاولات او الأسرّة .

وكان تجمّع معظم المصابغ الكبيرة في شارع عزالدين ، الموازي  لشارع التل ، التي كانت تتميز عن المصابغ الصغيرة في الأحياء الداخلية بالتطور مع كل تحديث يطرأ . وقد انتقلت في عملها من مكاوي الفحم الى مكاوي الحديد التي كانت توضع فوق بابور كاز على الأرض ، ثم ترفع بعد ان تصبح جمراً بسيخ  من حديد طويل ينتهي بمسكة خشبية ثم يعمد المكوجي  الى تغطيسها في سطل ماء للتخفيف من حرارتها ليتصاعد منها البخار الكثيف الحارق ، ثم يضعها على طاولة الكوي ليمسك مقبضها بخرقة من القماش سميكة مطوية لعدة طويات ثم يبدأ بكوي الثياب بعد أن يضع فوقها قطعة من الكتان الأبيض يرطبها بإسفنجة مبللة بالمياه بين سحبة وأخرى . ولو أخطأ احدهم وغطّس المكواة في سطل المياه دون الإستعانة بسيخ الحديد لاحترقت يده فوراً من البخار الحارق واحتاج لعلاج فوري في المستشفى .

أما المصابغ الصغيرة في الأحياء  والزواريب فكان يقتصر عملها على الكوي بمكواة الفحم في الأربعينات ومن ثم مكواة الحديد مع بداية الخمسينات . ومكواة الفحم شبيهة بالمكواة العادية ، إلا أنها تعلو بسماكة 12 سنتم عن الأرض تقريباً ،  دون مقبضها الخشبي ، حيث كانت تفتح كالعلبة  من فوق ليوضع فيها الفحم وبعض السبيرتو الزرقاء على خرقة قماش وتشعل بعود من الكبريت وتترك حتى يلتهب الفحم ويصبح جمراً ، ومن ثم يتم الكوي بها بعد وضع قطعة قماش مرطبة بالماء على الثوب حتى لايحترق .

وكانت ربات المنزل تستعمل نفس المكواة ولكن بحجم أصغر . إلا ان محلات الكوي كانت تستعمل عدة مكاوي دفعة واحدة تشعل فحمها بأوقات متفاوتة بحيث ما أن يستهلك الجمر في إحداها وتبرد حتى يعمد الى استعمال الأخرى فوراً التي تكون قد اصبحت جاهزة لمواصلة العمل دون توقف لتلبية حاجات الزبائن .

اما عملية تنظيف الثياب قبل كويها فكانت تتم بوضعها في وعاء ماء مع برش الصابون ، ومن ثم مع مساحيق الغسيل في وقت متأخر من الخمسينات ، لتفرك باليد ومن ثم تنشر في الهواء الطلق على حبل عال يمتد في أزقة الشارع من طرف الى أخر حتى المساء ومن ثم ليتم كويها في اليوم التالي .

إلا أن هذه المهنة قد تطورت مع بداية الستينات ، إذ أصبحت المصابغ الصغيرة تستعمل المكواة الكهربائية بدلاً من الجمر  وكذلك البيوت لتصبح مكواة الفحم اثراً نادراً من التراث .

أما المصابغ الكبيرة في شارع عزالدين فقد تطورت الى استعمال الأجهزة البخارية لكوي الملابس ، إلا انها ظلت تغسل الثياب باليد الى أن ظهرت في شارع يزبك ، المتفرع من وسط التل ، مصبغة حديثة أكثر تطوراً تغسل الثياب وتعقمها وتنشفها في وقت واحد في جهاز كهربائي  كبير أشبه بخزانة حديدية ضخمة ومن ثم تحيلها للكوي على البخار مباشرة كما حال المصابغ اليوم ، بحيث ان معظم المصابغ الصغيرة والكبيرة التي لم تتطور مع الحداثة قد اغلقت جميعها مع منتصف السبعينات لتحل محلها المصابغ الكبرى الحديثة .

أختم بالإشارة الى ان المصابغ كانت لاتصبغ الثياب مباشرة من خلالها بل ترسلها الى مصابغ متخصصة بصباغ الأقمشة والجلد  والثياب فقط دون الكوي .

إلا أن من ميزة هذه المصابغ أو بالأحرى محلات الكوي في أنها كانت إن  رأت فتقاً او تمزقاً في ثوب او نقص في الأزرار فكانت تصلحه دون اي أجر إضافي ، إذ كان لديهم دائماً من يجيد  مثل هذه الأعمال ، أما الآن فإنها اعفت نفسها من تقديم مثل هذه الخدمات  نهائياً .

التعليقات

shafei's picture

التعليق: 

تحياتي يا أستاذ محمد.

وأقترح أن تكتب سلسلة، سمها ما شئت، عن مشاهد من طرابلس القديمة. وسأضعها متسلسلة.

1

Mohamed Souaissy's picture

التعليق: 

تحياتي د. نايل
انا اسميتها حكاية مدينة وقد كتبت عدة حلقات ..وفي كل فترة اكتب حلقة ..وطبعاً ساتابع الكتابة في هذا المضمار واشكر تشجيعك