You are here

فنلندا دولة عظمي (2)

ayman zaghloul's picture

وهذا السبق المصري في مجال الدين جعل من العسير تصور فصل الدين عن السياسة – بالمفهوم الأوروبي - في هذا البلد، وإن كان هناك إستقرار علي فصل من نوع مخفف ومخالف مبناه الحرص علي عدم تعدي الحاكم علي قداسة الدين في قلوب المصريين ومراعاته للمشاعر الدينية بينما تلتزم المؤسسة الدينية بتأييد الحاكم والدعاء له علي المنابر – سواء المنابر الإسلامية أو المسيحية – في مقابل عدم تقتير الحاكم في التعامل المالي مع تلك المؤسسة. وبذلك وقع ما يمكن أن يسميه المرء "الفصل في الإختصاصات"  وليس "الفصل في الكيانات" كما هو الحال في أوروبا عقب تجاربها الطويلة مع الكنيسة، وهو فصل مخفف كما أسلفت.. ودراسة العلاقة بين الحكم والكنيسة في أوروبا تسهل بالمقارنة بدراسة العلاقة المناظرة لها في دول الشرق، إذ أن دول الشرق كانت هي مصدر كل الفكر الديني عبر التاريخ سواء كان هذا الفكر توحيديا أو تعدديا، كما أن التاريخ الديني للشرق يسير متوازيا مع التاريخ العام لتلك المنطقة، فلا شرق بلا دين، بينما التاريخ الديني للغرب هو في حقيقته تاريخ مسيحي فقط، إذ أن ما كان موجودا قبل ذلك كان نوعا من اللادين أو التحرر من الدين، سواء في زمن الإمبراطورية الرومانية أو الشعوب الأوروبية الشمالية الغير خاضعة للرومان.

 وليست هذه المقارنة محلا لموضوعنا هنا ولكن التنويه إلي طبيعة هذا الفرق هو أمر لازم لفهم وإدراك العوامل التي جعلت من مصر تلك "القوة العظمي" في مجال الفكر الديني.

وقد كان هذا هو النموذج الشرقي التعايشي في التعامل بين المؤسستين، فلا رجال الدين يريدون الحكم ولا رجال الحكم يتدخلون في شئون الدين، مع إحتفاظ رجال الحكم بالكلمة الأخيرة والمرجعية العليا في كل شىء.

والإمبراطورية العثمانية لم تكن خروجا عن هذا التفاهم، فشيخ الإسلام فيها كان في نهاية المطاف أحد رعايا السلطان وعندما دب بينهما أحد أنواع الخلاف قام الثاني بإعدام الأول بدون تردد ولم ينبس أحد من رجال الدين بكلمة إعتراض واحدة، فالسلطان كان هو الخليفة. وهذا الفصل الإختصاصي  والقائم  منذ القدم ظل ساريا في مصر أيضا حتي بدايات أو منتصف القرن العشرين، وهناك واقعتان هامتان في التاريخ تظهران بوضوح طبيعة الفكر الديني المصري في مواجهة مركز السلطان الخليفة في مصر.

1. في النصف الأول من القرن التاسع عشر وقع أن حاكم مصر محمد علي قرر أن السلطان العثماني قد غبنه حقه ولم يعدل في معاملته بالمعاملة التي يستحقها نظير خدماته لمقام السلطنة سواء في الحجاز أو في اليونان وبالتالي فقد شق عليه عصا الطاعة ودخل في نزاع مسلح مع الدولة العلية التي هي فى أساسها دولة قائمة علي مبدأ الخلافة الإسلامية التي تتبعها مصر. فما هو رد فعل المؤسسة الدينية المصرية لدي رؤيتها لحاكم البلاد يتحدي خليفة رسول الله؟

2. وفي النصف الأول من القرن العشرين وقع أن من يضعون أيديهم علي مصر بحكم الإنتداب قد زجوا بالفلاحين المصريين في أتون حرب عالمية يقاتلون فيها ضد قوات السلطان الذي يحمل في نفس الوقت لقب خليفة رسول الله. وقد قاتل هؤلاء المصريون ولم نسمع عن إنشقاق واحد من هؤلاء الفلاحين بسبب مكانة السلطان الدينية. فماذا كان رد الفعل الصادر عن المؤسسة الدينية المصرية؟

 

لو تفحص المرء هاتين الواقعتين لتوصل إلي عدد من النتائج الكاشفة.

التعليقات

Mohamed Souaissy's picture

التعليق: 

تحياتي ..شكراً على الملاحظة وقد تم نشر موضع السينما خطا..وقد تم حذفه