You are here

أوكيناوا، تورجوت أوزال والدولة القومية (الأخيرة)!!

ayman zaghloul's picture

والآن ما هي حصيلة السياسة الأوروبية من النزوع إلي تجنب المواجهات والإعتماد الكامل علي الولايات المتحدة التي يقول لسان حال الأوروبيين أن لها السيادة وعليها الدفاع؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من عقد مقارنة بين المجتمع الأوروبي الذي تمثله دول أوروبا الغربية كفرنسا وهولندا والمانيا والمجتمع الأمريكي الذي تعرفه الولايات المتحدة..

أولا:  فالمجتمعات الأوروبية تحمل خبرة قرون طويلة وإرث ثقيل من معرفة الحروب. وقد عانت معاناة ضخمة خلال الحروب التي وقعت علي أرضها خاصة بعد أن تحولت الحرب إلي صراع منتجات صناعية ولم يعد للفرد ولمهاراته القتالية دور كبير مثلما كان الوضع من قبل. فالدبابة الافضل تكسب الحرب حتي ولو كان قائدها اسوأ من غريمه، وكذلك الطائرة والمدفع والصاروخ. إنها حرب منتجات صناعية. وهذه الحرب بطبيعتها مدمرة لا تبقي علي شىء، وأفضل مثال لذلك هو ما وقع في مدن هامبورج وبرلين ونورنبرج وميونيخ ووارسو وستالينجراد وغيرهم كثيرون.. وهذه تجربة لم تعرفها الولايات المتحدة التي لم تعرف الحرب لأرضها طريقا عبر كل تاريخها.

 ثانيا:  فإن السلاح وإستعماله والتعامل معه هو أمر غائب في أوروبا حيث أن حمل السلاح أمر غير مألوف، لأنه حكر علي الدولة،  خلافا للولايات المتحدة التي يجوز أن يحمل المواطن العادي فيها سلاحه في كل مكان تقريبا وبحكم الدستور الذي ينص أيضا علي

"جواز إنشاء ميليشيا مسلحة حسنة التنظيم لضرورة الدفاع عن الدولة (الولاية).

  well regulated militia being necessary to the security of a free State 

ثالثا: فإن الدور المجتمعي للدولة في أوروبا أكبر كثيرا من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. فالمواطن الأوروبي يصرخ طالبا تدخل الدولة كلما عنت له مشكلة لا يقدر علي حلها، بينما المواطن الأمريكي مطالب بحل مشاكله وحده بعيدا عن الدولة. هما مجتمعان مختلفان إختلافا كبيرا وبالتالي ينعكس هذا الإختلاف علي طريقة نظر كل منهما لقضايا الدفاع والأمن.

والدولة القومية كانت وسوف تظل دائما هي المسئولة عن الدفاع عن المجتمع وذلك بنصوص الدستور في كل الدول. ولكن هذه الدولة القومية في أوروبا بدأت تتنازل عن إختصاصاتها للكيان الجديد الذي يسمي الإتحاد الأوروبي. وهكذا يطمح الأوروبيون إلي إيجاد سياسة خارجية ودفاعية جماعية لكل الدول مشتركة، ولكنه أمر صعب المنال ويحتاج إلي وقت طويل في ظل تعارض المصالح. فهناك مصالح الشركات الصناعية الأمريكية التي تريد بيع سلاحها إلي الدول التي لا تقدر علي إنتاجه مثل بولندا أو دول البلطيق أو بلغاريا أو رومانيا. وهناك مصالح الشركات في الدول الصناعية القادرة علي إنتاج السلاح مثل المانيا وفرنسا. وهناك العقد التاريخية التي تحكم علاقة ألمانيا تحديدا بالمسائل العسكرية والسلاح. كما أن هناك إنجلترا التي لا تقف علي الجانب الأوروبي حقيقة رغم أنها عضو في الإتحاد الأوروبي، بل هي أقرب في فكرها ونظرها الستراتيجي من الولايات المتحدة. وأخيرا هناك حلف شمال الأطلنطي الذي تلعب الولايات المتحدة الدور الرئيسي فيه. وهذه كلها عوامل قد تتناغم أحيانا وقد تتعارض في معظم الأحيان.

والدولة القومية في أوروبا تنتظر إنشاء هذه الآلية الأمنية الجماعية ولكنها في نفس الوقت أضحت ضعيفة بفعل هذا الإنتظار الطويل.

ناهيك عن حقيقة الصفات التي كان الرئيس التركي من عقدين من الزمان قد لحظها علي المانيا والتي يمكن إلحاقها بمعظم المجتمعات الأوروبية، عدا بريطانيا طبعا.. حب الإسترخاء والبعد عن الصراعات وأشباه الصراعات.

وهذا الموقف سوف تثبت الايام أنه لا يمكنه أن يستمر طويلا. وهو الموقف الذي عشناه في أزمة أوكرانيا الأخيرة.  فالأوروبيون يخشون بأس الروس عسكريا وإقتصاديا ويودون لو أنهم يستطيعون حل مشكلة أوكرانيا بلا عنف، ولكن السبيل إلي ذلك محفوف بمخاطر الحرب الإقتصادية التي أضحت بديلا عن الحرب العسكرية. ولئن كان سعر المواد الخام من بترول وغاز قد إنخفض بنسبة 60% منذ القمة التي وصل إليها في الصيف الماضي، فإن الأوروبيين يعرفون أن هذا الوضع لن يمكنه الإستمرار طويلا وأن روسيا لن تنسي هذه العقوبات وأثرها وسوف تبقي هذه العقوبات عالقة لفترة طويلة في ذهن الروس.

ولكن كالعادة جاء الصوت الحاسم من واشنطن ولم يجرؤ أحد من الأوروبيين أن يقترح شيئا خلافه.

بل أن الأزمة الإقتصادية العالمية التي وقعت عام 2008 بسبب تلاعب البنوك الأمريكية في تقدير أصولها جاء الإتقاذ منها ليس فقط من الدولة الأمريكية بل أيضا من الدول الصناعية الكبري المانيا واليابان حيث طرحت كل منهما مجموعة إجراءات للإنقاذ ولإنعاش للبنوك المذنبة والتي شارفت علي الإفلاس، وهي محاكاة لما وقع في الولايات المتحدة وغالبا بطلب منها.

وفي النهاية فإن الأوروبيين لن يتمكنوا من حل كل هذه المشاكل المتراكمة بالتمادي في سياسة الإعتماد علي الولايات المتحدة والتسليم لها بوضع القوة العظمي الآمرة والناهية مع تحميلها بكافة أعباء الدفاع والأمن، فلا الولايات المتحدة تستطيع الإستمرار في ذلك ولا هو من مصلحة أوروبا علي المدي المتوسط والطويل. وما قال به تورجوت أوزال قبل ربع قرن ثبتت صحته،  فأيام الحرب الباردة قد ولت وآن لكل أن يحمل أعباء نفسه، سواء عن طريق الدولة القومية كما كان الحال عبر كل التاريخ، أو بالإسراع في إنشاء المؤسسات الإتحادية القادرة علي الحسم..

وكما بدأت الحديث باليابان وقاعدة أوكيناوا أنهيه بها أيضا إذ قد تنبهت اليابان مؤخرا إلي أهمية الإنفاق في مجال الدفاع خاصة في وجود عملاق آسيوي صاعد ينازعها ملكية بعض الجزر وهي الآن بصدد إعادة ترتيب أولوياتها وتعديل وضع ميزانية الدفاع لتلائم الأوضاع الجديدة ولا تعتمد علي الولايات المتحدة إعتمادا كاملا تخشي عواقبه كما وقع أمام ناظريها في أوروبا..