You are here

صيد العصافير / حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

كانت مدينة طرابلس لبنان حتى بداية الستينات من القرن المنصرم  ، أي من قبل إقتطاع حوالي مليون متر مربع من بساتينها العامرة بالليمون والفواكه المتنوعة لإنشاء معرض طرابلس الدولي ، كانت أسراب الطيور من بط وأوز وبجع وعرناق وعصافير أخرى عديدة مختلفة الأشكال والأنواع تغطي سماء المدينة خلال موسمي الهجرة ، ربيعاً وخريفاً ، أثناء عبورها من أوروبا  مروراً بسوريا ولبنان نحو شمال أفريقيا وبالعكس .

إلا أن هذه الطيور المهاجرة كانت تحط أثناء ترحالها وتنقلاتها بين أشجار الليمون والفواكه لبساتين طرابلس الساحلية وضواحيها  وبين كروم الزيتون والتين والبلوط في تلة أبي سمراء للإستراحة والتهام  الحشرات المضرة للأشجار لسد جوعها ، كما ولبناء أعشاش لها من قبل العصافير الصغيرة المزقزقة والمغردة لتفريخ صغارها لتستكمل معها رحلتها في الهجرة خلال بضعة اسابيع . ومن هنا كان الصيادين من المدينة وخارجها  وجوارها يتكاثرون في هذا الموسم لصيد العصافير اينما وجدت بأدوات صيد نارية ويدوية تختلف بين المحترفين و الهواة .

وسأقتصر في التحدث عن صيادي العصافير في الضواحي الذين كانوا يندرجون تحت أقسام ثلاث : تجار وباعة العصافير ، المحترفين ، الهواة .

تجار وباعة العصافير : وكان هؤلاء على درجتين ، بعضهم يملك محلات لبيع  الطيور والتجارة  بها وآخرين يحملون أقفاص العصافير الحيةّ المغردة  التي يصطادونها ويلتقطون  فراخها من أعشاشها ويجولون في المدينة ينادون عليها للبيع ، وكان أشهرها طائر الحسون الملّون الأكثر رواجاً برأسه الأحمر وجناحه الأصفر .

     لذا كانوا يعمدون إلى التوجه نحو تلة ابي سمراء  المجاورة وإلى بساتين طرابلس الساحلية حيث ينصبون " الدبق " لاصطياد طائر الحسون على أشجار الزيتون بجانب قفص فيه عصفور مغرد من جنسه ، فتتسارع الطيور اليه لتعلق ب"الدبق" الذي هو عبارة عن قضيب رمان رفيع بطول أربعين  سنتميتراً تقريباً مغطى بمادة صمغية  خضراء لاصقة بلون أغصان الأشجار للتمويه ، لتعلق به العصافير من أرجلها ومن ثم يلتقطونها ويضعونها في القفص الى جانب العصفور " المصيدة " لبيعها من الناس بمعدل نصف ليرة لبنانية ، أي خمسون قرشاً  للعصفور الذكر الواحد ، أي مايعادل ربع دولار في حينه ، أما العصفورة الأنثى فتباع بربع ليرة لانها لاتغرد كما الذكر ، بل تستعمل للتفريخ من قبل المحترفين  . أما البلابل المغردة فكانوا يصطادونها من البساتين الممتدة ساحلاً من البداوي حتى البحصاص عند مدخل المدينة حيث الليمون والفواكه المتنوعة  ، خاصة  اشجارالتين التي يغرم بها هذا الطائر الأليف برأسه الأسود الجميل .

أما العصافير التي كانت تعلق في قضبان الدبق من غير المغردة فكانوا يذبحونها ويعلقونها في مشكاك  هو عبارة عن قضيب من الشجر رفيع ، يبيعونها لمن يرغب بمعدل عشرة قروش للعصفور  الواحد ، أو بليرة واحدة  للمشكاك ، أي بمعدل نصف دولار أمريكي  ، الذي كان يحتوي على  عشرة عصافير في أغلب الأحيان .

الصيادون  المحترفون   : وكان هؤلاء يملكون أحدث البنادق الأمريكية والروسية والفرنسية وكلاب الصيد السلوقية الماهرة السريعة الحركة ، حيث يفضلون صيد طيور البط والأوز فيلطون بين الأشجار عند الساحل لاصطياد الطيور الكبيرة ، وقد يغادرون نحو سهول عكار  حيث الأنهر والبحيرات ومساقط المياه طمعاً في صيد العديد من هذه الطيور ، كما وصيد طيور الفري والحجل في المناطق الجبلية المرتفعة المجاورة لمدينة طرابلس .

الصيادون الهواة : وكان معظمهم من الفتيان  الذين كانوا يصطادون في زيتون ابي سمراء المشرفة على المدينة ،   دون معرفة اهلهم ، بواسطة بنادق خردق أو دكّ رخيصة الثمن التي أخذت اسمها من طرق استعمالها حيث كانت ماسورتها تُحشى من فوهتها  بالبارود الناعم الأسود  والخردق  ثم تُدكّ بسيخ حديد طويل بالضغط لمرات عدة ، لتنطلق النار منها لاصطياد العصافير بعد ضغط الزناد .

أما الصبية منهم فكان أسلوبهم في الصيد يختلف تماماً عن الآخرين ، إلا أن بعضهم كان يتمتع بمهارة تثير الإعجاب والدهشة ، إذ  ماأن يرون عصفوراً على الشجرة او طائراً في الجو قريباً منهم حتى يرمونه ب"النقيفة " أو المعلاق"  الذي يحملونه ويردونه  ارضاً ومن ثم يذبحونه ويعلقونه على خاصرتهم ، حتى أن طائر السنونو لم يكن لينجو منهم . والمعلاق كان عبارة عن غصن صغير مفرشخ كما شارة النصر يربطون طرفيه بشريط مطاطي بعرض سنتميتر واحد ،  ويمتد من اسفله مقبض يمسكون به لشد المطاط بعد أن يضعون به حجراً صغيراً ثم ينقفونه على العصفور ويسقطونه .

أما الآن مع تراجع هجرة الطيور وعبورها ، فقد غاب الصيد عن المدينة نهائياً مع غياب العصافير وندرتها ، ليس في مدينة طرابلس فحسب ، بل وفي معظم أنحاء لبنان مع الصيد الجائر للطيور في جميع أنحاء العالم دون شعور بالمسؤولية .

 وبذلك يخسر البشر لجهلهم  أنفس مخلوق سخره الله لخدمة الإنسان في زراعته ومصادر غذائه يعجز العالم بأسره عن صنع مثيله لتأدية نفس دوره في خدمة مزروعاته واشجاره وحمايتها من الحشرات والهوام والقوارض التي تعمل بها فتكاً على الدوام .