You are here

أوكيناوا، تورجوت أوزال والدولة القومية(5)!!

ayman zaghloul's picture

والحقيقة أن تداعيات أحداث سبتمبر 2001 في نيويورك هي مما لا يمكن الخوض فيه دون التعرض لأهم جوانبه قاطبة من وجهة نظري الشخصية، وهو الأثر الذي تركته علي الحياة الشخصية للمواطن في كل العالم.

وقبل الدخول في هذا الأثر فإن أول ما يتبادر إلي الذهن في هذا الصدد هو مشهد المتظاهرين  المسلمين في معظم الدول العربية يوزعون الحلوي وترقص نساؤهم وتزغرد تعبيرا عن فرحتهم فيما وقع للولايات المتحدةمن مصاب إنساني وما أهان مكانتها بطريقة لا تنسي. وهذا الشعور بالشماتة هو مما لا يمكن أن ينساه الغرب بسهولة. إذ أن ذلك الهجوم لا يقارن إلا بضربة بيرل هاربور التي كان حاصلها النهائي يصب في مصلحة الولايات المتحدة ويغدق عليها هيمنة أمريكية على كثير من أجزاء العالم بالإضافة إلي عقاب من قام بهذه الضربة بقنبلتين إحداهما من اليورانيوم  والأخري من البلوتونيوم وهما سلاحان كانت تجربتهما لازمة للمؤسسة العسكرية الأمريكية ولم يكتب لهما أن يستعملا لا قبل ولا بعد ذلك وحتي الآن عبر كل تاريخ الإنسانية. هكذا جاء رد فعل كثير من المسلمين كما سجلته عدسات تليفزيونات كل العالم، في دول تشكل المعونة الأمريكية قدرا لا يستهان به به من مكونات دخلها القومي وعامل هام من عوامل ضبط عجز الموازنة في مالياتها.. وبذلك هبطت صورة المسلمين في العقل الجمعي الغربي هبوطا لم تعرفه من قبل. وهكذا تسببت هذه الصورة السيئة للمسلمين في الغرب في فوز رجل يكاد يكون متخلفا عقليا يصطحب معه فريقا من المنتفعين والمرتزقة وسيئي النية وأصحاب الفكر الإحتلالي الغازي، تسببت في فوز هذا الرجل بالإنتخابات الرئاسية عام 2004  لدورة ثانية بأعلي نسبة حصل عليها مرشح للرئاسة الأمريكية في كل التاريخ..!! وقد كان ذلك خطأ تاريخيا من جهة المسلمين..

 

أما الأثر السياسي والتشريعي لهذا الهجوم فقد جاء أشد عمقا..

 

فالديموقراطية الأمريكية صاحبة أول دستور مكتوب فى التاريخ والدولة التي تفخر بأن اساس قيامها هو حكم القانون الذي يحمي الحرية التي هي أسمي قيمة في نظر كتاب الدستور الأمريكي كانت معرضة لامتحان قاس ربما لن نعرف نتيجته قبل سنوات، وإن كانت بوادر النجاح في هذا الإختبار غير مشجعة. وهي الدولة التي قال عنها القاضي مارشال في حكمه الشهير منذ أكثر من مائتي عام أنها قد إختارت حكم القانون لا حكم الرجال. فقد دخلت الإدارة الأمريكية ومعها الكونجرس في حالة من الهلع والخوف دفعا بها إلي نفق التعدي علي كثير من الحريات الشخصية سواءا لمواطنيها أو للمواطن العالمي في أي مكان علي وجه الأرض. وهذا النفق لا مخرج منه إلا بالإستدارة 180 درجة والرجوع إلي حكم القانون.

والحق يقال فإن أوروبا لم تسر علي هذا النهج الأمريكي طويلا بل سايرته بقدر ما يسمح به الحال وتتيحه الظروف. إذ لم نسمع عن قانون حماية الجبهة الداخلية Patriot Act  في بلد من بلدان أوروبا الغربية ( أو القديمة علي نهج تقسيم وزير الدفاع الأمريكي وقتها رامسفيلد).

صحيح أنه قد فرضت رقابة أمنية علي خطاب المساجد وصحيح أن الخطابات الورقية الإلكترونية كانت وربما لا تزال تفتح وصحيح أيضا أن التليفونات وكل الإتصالات لا تزال محل تنصت هائل، ولكن القبضة القوية لجهاز الأمن ليس لها في أوروبا وجود كما هو الحال في الولايات المتحدة. وما كشفت عنه أوراق العميل المنشق سنودون تجعل من الثقة فى الديموقراطية الأمريكية أمرا مختل الأساس.

والأثر الاساسي للحادي عشر من سبتمبر علي كل مجتمعات الغرب الديموقراطي هو كشف وجه جهاز الأمن في الدولة وتأكد المواطن من عدم إحساس هذا الجهاز الأمني  بأي وخز للضمير لأنه يقوم بعمل غير قانوني.

وبالطبع لم يكن المسلمون في أوروبا بعيدين عن هذه النتيجة فقد لمسوها وأحسوا بها ربما أكثر من غيرهم بحكم الشعور بالظلم الواقع علي مسلمي أوروبا بعد وقوع الحربين السابقتين علي 11 سبتمبر.

ولنأخذ الآن حالة شاب مسلم يعيش في أوروبا في سني المراهقة سمع وقرأ عن فظائع البوسنة وموقف الرؤساء الأوروبيين ورجال الدولة والسياسيين مما يحدث، بينما هو يدرس في المدرسة الدستور وحقوق الإنسان والكرامة التي تعلو فوق كل شىء والحفاظ علي دولة القانون. إن شابا كهذا قد أصبح اليوم رجلا في سن الثلاثين بل قد تخطاه بقليل.. وهذا الرجل قد فقد الثقة منذ مراهقته في المؤسسات السياسية والقانونية القائمة في محل سكنه، بل فقد الثقة في الدولة بأكملها. وهو نتيجة خطأ وإهمال السياسيين الأوروبيين خلال فترة التسعينات وما بعدها. ولهذا الخطأ دور كبير في الوضع الذي وصلت إليه الأمور اليوم في أوروبا.

وعلي الجانب الآخر فهناك الخطأ الذي تمارسه الجاليات الإسلامية المقيمة إقامة دائمة في الدول الأوروبية حيث أنها ليست فقط ضحية كما تحب أن تصور نفسها في أحيان كثيرة. إذ أنها ترفض الإندماج في المجتمع الذي تعيش فيه والذي إختارت الإقامة علي أرضه بالهجرة الطوعية وبالتالي وجب عليها إحترام دستوره وقانونه ونظامه العام وعدم فرض أي نوع من النظام بالقوة. فالذنب إذن متبادل.