You are here

أوكيناوا، تورجوت أوزال والدولة القومية!!(1)

ayman zaghloul's picture

 

عندما كنت شابا في أواخر السبعينات كان وزير الدفاع الأمريكي هو هارولد براون في إدارة الرئيس كارتر. وكانت إدارة الرئيس كارتر تمثل مرحلة إلتقاط الأنفاس للمؤسسة العسكرية الأمريكية بعد فشل ذريع في فيتنام إستغرق الإقتناع بحتمية وقوعه 11 عاما حتي أفاقت الولايات المتحدة في ربيع عام 1975 علي واقع إنهيار حلمها بمقاومة الشيوعية في بلد صغير لم يسمع عنه أحد من قبل، فيتنام ومعه أيضا كمبوديا.

وكنت قد قرأت أيامها خبرا في الأهرام يفيد بأن وزير الدفاع الأمريكي قد زار اليابان في بداية عهد الرئيس كارتر لكي يحث حكومة اليابان علي زيادة نفقاتها العسكرية لمواجهة الأخطار المتزايدة ولكن هذه الحكومة كانت دائما تتذرع بالتوجه الياباني الجديد نحو السلمية ونبذ كل أنواع العنف وذلك منذ إلقاء القنبلتين علي أراضيها في المشهد الختامي للحرب الثانية.

وقد ذكرت صحيفة الأهرام وقتها - ولا أعلم إن كان كاتب الخبر يأتي من عنده بذلك أو أنها حقيقة - كتبت الصحيفة أن هارولد براون قد هدد اليابانيين بأنهم إن لم يسههموا بطريقة أكثر إيجابية فى نفقات الدفاع فهو علي إستعداد لسحب his boys  أي جنوده المرابطين في قاعدة أوكيناوا أكبر قاعدة أمريكية فى شرق آسيا فى ذلك الوقت.

 

وكان من ضمن ما قرأت أيامها أن الدستور السلمي الياباني الذى كتب بإشراف الأمريكيين عقب الحرب والذى كان إنقلابا تاريخيا هائلا فى الحياة الثقافية والإجتماعية والسياسية والدينية اليابانية، إذ أنه إضافة إلي أنه مكتوب من القوة الوحيدة التي نجحت في إحتلال اليابان خلال تاريخها الطويل، فهو أيضا قد ألغي الصفة المقدسة للإمبراطور وجعله إمبراطورا بشريا منزوعة عنه وعن خلفائه صفة الألوهية، كما أنه وضع أساس الحكم الحزبي التعددي بطريقة ديموقراطية تنهض علي الإنتخابات الحرة.. هذا الدستور وضع سقفا أعلي للإنفاق العسكري الياباني لايزيد عن 1% من الناتج القومي الياباني (هذه المعلومة قرأتها منذ 35 عاما وبالتأكيد قد تغير الوضع الآن). 

وكنت في تلك الفترة أيضا اقرأ عن تعدد حوادث الإغتصاب والتحرش الجنسي التي يقوم بها الجنود الأمريكيون المرابطين فى القواعد العسكرية في اليابان ضد الفتيات والنساء اليابانيات بل أن فتيات المدارس الصغار لم تسلمن من هذه الإعتداءات.

ثم كانت هناك مفاجأة في كل هذه النقاط المتصلة ببعضها..

 

كانت المفاجأة هي أن الحكومة اليابانية إقترحت علي الحكومة الأمريكية الجديدة للرئيس جيمي كارتر الدخول في مفاوضات بغرض بحث سبيل مشاركة أوسع مناليابان فى مجهود الدفاع... عن اليابان !!!

فلم تفرح الحكومة اليابانية بأن هناك إحتمال ولو ضعيف أن يكون الوزير الأمريكي صادقا في تهديده بسحب قواته المتمركزة في أوكيناوا في اليابان، ولم تعتبر ذلك نهاية الإحتلال وبدء بزوغ عهد السيادة والإستقلال .. بل بالعكس كانت تريد للقوات الأمريكية أن تبقي فى أوكيناوا ولا تغادرها وفي سبيل ذلك قبلت الدخول في مفاوضات معها..

فما هو السبب يا تري؟

 

الحقيقة أنني لم أهتم كثيرا بمعرفة السبب ولا في البحث بعمق للتعرف عليه لأنني كنت شابا لا تشغلني أمثال هذه الأمور. لكن الأمر تبدل عندما تركت مصر وإتجهت للعمل والحياة الدائمة في ألمانيا.

فقد وقع في عام 1990 وبعد سقوط سور برلين وتهاوي قوة الإتحاد السوفيتي أن تجرأ الرئيس العراقي صدام حسين علي غزو دولة الكويت فاتحا علي بلاده وشعبه وفي النهاية علي نفسه هو شخصيا أبواب الجحيم.

وقد كان موقف الحكومة الألمانية برئاسة هلموت كول في ذلك الوقت واضحا لا مراء فيه، وهو الرفض القاطع لأي دور عسكري للجمهورية الواقفة علي أبواب الوحدة بين شطريها، جمهورية ألمانيا الإتحادية. ومهما بدا للمراقبين أن الضغط الأمريكي علي ألمانيا كبير وهائل، إلا أن هلموت كول بقي صامدا وحده دون كل الدول الأوروبية الأخرى لا ينزل عن موقفه في رفض إرسال بندقية واحدة إلي القتال فى الكويت.

لكنه في ذات الوقت لم يبخل بالمال الوفير علي الحملة العسكرية التي جرت تحت راية تحالف دولي كبير تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة للعالم الحر الذي يدافع عن حق الكويت في الوجود بمقتضي قواعد القانون والإتفاقات الدولية إلخ...

وعلي الجانب الآخر من العالم كانت نفس هذه المساومات تجري بين الولايات المتحدة واليابان حول المساهمة العسكرية للأخيرة في التحالف الذي تقوده الأولي، إلا أن الموقف الياباني لم يختلف عن موقف المانيا إلا في شىء واحد  لم يزد عن إرسال وحدات عسكرية طبية كرمز لمشاركة يابانية مع الإلتزام بالمساهمة المالية الكبيرة علي طريقة هلموت كول.

ولكن جورج بوش الأب قد تفهم ذلك جيدا ولم يلح في طلبه، وإن كان هنري كيسنجر قد إنتقد ألمانيا نقدا لاذعا حين قال أنها خذلت الولايات المتحدة التي كانت الدافع الأهم والأقوي وربما الدافع الوحيد إلي وحدة شطري ألمانيا، بينما دعا الرئيس السابق ريتشارد نيكسون الخبير الأول في العلاقات الدولية إلي عدم إستبعاد إستعمال الأسلحة النووية ضد العراق، بل وزاد في ذلك قائلا أنه كرئيس في مثل هذا الموقف لم يكن ليتورع عن إستئجار قاتل محترف لاغتيال الرئيس العراقي بسبب فعلته هذه..

تورگوت اوزال مع جورج هـ.و. بوش

وفي هذه الاثناء تعاظم جدا دور تركيا، حليف الولايات المتحدة وعضو حلف شمال الأطلنطي والتي كانت تمثل مركزا هاما لتجميع القوي العسكرية، وسلاح الطيران بالذات، إستعدادا للهجوم الوشيك لتمزيق القوات العراقية.

وقد حدث في تلك الفترة أن أجرت إحدي المجلات الألمانية حديثا مع الرئيس التركي وقتها تورجوت أوزال.

 

 فماذا قال الرئيس التركي؟


كانت لهجة الغضب واضحة في حديث الرئيس التركي. فقد إختص ألمانيا بالذات بجزء كبير من حديثه حيث إنتقد موقفها الغير داعم للتحالف بطريقة عملية، أي إرسال جنود إلي الخليج. وقد أعلن أن مجتمع الكفاية الذي أصبحت عليه ألمانيا قد جعلها تنسي أن الحياة بها مواقف تستلتزم الحرب والقتال من أجل الحفاظ علي هذا المستوي من الرخاء إذ أن العالم ليس مكانا للإسترخاء. 
وهو علي كل حال لم يطل به العمر حتي يري ما وقع في أوروبا من أمر عقب حرب تحرير الكويت، إذ أنه توفي بطريقة غامضة في ربيع عام 1993 وهناك كثير جدا من الشبهات تحوم حول موته، حتي أن أرملته وإبنه يصرحان علنا بأنه قد مات مسموما.. وقد تم إعادة إخراج جثمانه للبحث عن سبب الوفاة فوجد الأطباء الشرعيون بقايا مواد سامة وآثار لمادة البلوتونيوم في عظامه.. وليس هذا هو موضوعنا هنا..

فالذي يهمنا في حديثنا هو تعبيره عما يمكن أن يطلق عليه حالة الإسترخاء العسكري الأوروبي. وهي أمر شبيه بما كان محل جدل بين وزير الدفاع الأمريكي براون والحكومة اليابانية قبل ذلك الحديث بحوالي خمسة عشر عاما.

 

فالرئيس التركي أصاب في تحليله كبد الحقيقية. وهذا هو مربط الفرس في حديثنا هنا.. الإسترخاء العسكري الأوروبي..

التعليقات

shafei's picture

التعليق: 

أرجو أن تقودنا الحلقات القادمة من هذه السلسلة من المقالات إلى سبر العلاقة بين أمريكا وحلفائها الغربيين، وتطورها من 1945 وحتى اليوم.

أتحفظ على ما ذكرته من دواعي حربي الشيشان ويوغسلافيا. ولكن لن أدخل في خلاف معك، في هذه المقالة، فليس هذا موضوعها.

أما بالنسبة لموقف أوروبا من الحرب الأهلية الجزائرية، فالأمر مختلف. إذ يمكن رؤيتها كأحد حلقات شطف فرنسا من أفريقيا، التي تقوم بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لذلك ففرنسا واصلت بقوة دعم الجيش الجزائري، وحظي جبهة الإنقاذ الإسلامي بدعم أمريكي هادئ، كان أحد مظاهره انتقال أحد قادة الـ FIS، أنور هدام، للإقامة في مدينة واشنطن العاصمة (وليس أي مدينة أمريكية أخرى). وانتهت تلك الحرب الأهلية بتفاهمات جديدة بين الجيش الجزائري والولايات المتحدة.

1

ayman zaghloul's picture

التعليق: 

لم أتناول الباعث علي حربي يوجوسلافيا والشيشان إذ أن هذا ليس من صلب الموضوع، ولكنني اردت أن أعرض لأثرهما علي الجاليات المسلمة في أوروبا، وكونهما من نتائج الموقف الأوروبي السلبي المنتظر دائما لما تقرره الولايات المتحدة.