You are here

موسم الزيتون /حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture


تأليف : محمد السويسي

كان موسم قطاف الزيتون على أبواب الشتاء مصدر فرح لي وهمّ في نفس الوقت ، وفقاً لما سآتي إليه .
كان مصدر فرح لي لأول مرة عندما سمح لي والدي بمرافقته إلى بستان الزيتون العائد لنا للمشاركة في القطاف وقد بلغت العاشرة من العمر ، إذ لم يكن ليسمح لي قبل ذلك في السنين الماضية لصغر سني .
وسبب فرحي وتلهفي بالمشاركة في موسم القطاف هو أن الذهاب إلي البستان كان يتم بالركوب على الحمار خلف أخي الأكبر وقد أمسكت بخصره بكلتا يدي ، بينما كان والدي يسبقنا ممتطياً حصانه ونحن نسير خلفه فجراً نحو أبي سمراء إلى أن وصلنا خلال نصف ساعة إلى بستاننا الملاصق لمعصرة الزيتون عند السكة البيضاء ليغيب والدي لبعض الوقت ويعود ومعة بضعة من العمال والعاملات للمساعدة على قطاف الزيتون ومعهم عدة سلالم وحزمة من القصب طويلة حيث كان كل عامل منهم يمسك بواحدة من الحزمة ويعمل على ضرب رؤوس الأغصان بها لإسقاط الزيتون على الأرض ومن ثم تعبئتة في سلال من القصب يحملونها ومن ثم إفراغها في شوالات متوسطة من الخيش أو القنب .

وكنت الأكثر حماساً وإندفاعاً في التسلق على شجر الزيتون ،ليس حباً بالقطاف بل كان يحدوني الأمل لصغر سني أن أجد بعض فراخ العصافير في أعشاشها للتمتع بمنظرها ، إذ لم يكن يدور بخلدي أبداً أن هذا الفصل ليس أوان تفريخها بل في الربيع .
وكنا كلما ملأنا شوالاً من الزيتون يحمًله العمال على ظهر الحمار لنوصله أنا وأخي إلى المعصرة الملاصقة للبستان .

وكان القطاف يستمر لعدة أيام ليأخذ العامل ثلاث ليرات أجره اليومي أي بما يعادل دولار ونصف يوم ذاك ، ثم ليأخذ أرطلاً من الزيتون في آخر يوم قطاف بالإضافة لأجره اليومي .
ومع قرب إنتهاء موسم القطاف حمًل والدي بعض أكياس الزيتون الصغيرة على ظهر الحمار وصرفنا باكراً وقد أمسك أخي برسن الحمار الممتد بحبل طويل وأنا خلفه نحو المنزل في شارع الحتة في حي النوري ، إلا أنني سألت والدي قبل أن ننطلق ، ماذا نفعل بالحمار عندما نصل الى البيت ؟!أجابني لاعليك أتركوه هناك وهو يتابع سيره نحو صاحبه!.
وبالفعل وصلنا إلى البيت وقد قاربت الشمس على المغيب وأنزلنا الحمل لمونة البيت السنوية عن ظهر الحمار ثم اطلقناه بعد أن ربتنا عليه ليتابع سيره نحو اسطبله من حيث استأجره والدي بالقرب من الجامع المنصوري الكبير .

أما والدي فقد تأخر لساعتين تقريباً إذ حمّل أربع تنكات من زيت الزيتون من المعصرة في خرج على ظهر الحصان وقد تدلت عن جنبيه .
قلت أن موسم قطاف الزيتون كان موسم فرح لي وهمّ في نفس الوقت ، وبعد أن عرضت موضع الفرح فإن موضع الهمّ كان يأتي بعد إنتهاء القطاف مباشرة في اليوم التالي ، إذ كان ينبغي لي أن أجلس مرغماً في حلقة مع باقي أفراد العائلة من الأخوة والأهل للعمل على "رصّ" الزيتون بالضرب عليه بيد هاون من النحاس أو مدقّة جرن الكبّة الخشبية الكبيرة على حجر بحصاصي كبير مفرطح ليُكبس بعدها بالماء والملح الخشن ، والحبة الكبيرة منه كانت تنقّى وتوضع جانباً لتعمل الوالدة على تشطبيها بالسكين ومن ثم لتكبسه بالملح بالحامض والزيت.

لقد كانت مواسم قطاف الزيتون بالنسبة لي أياماً جميلة وقد دالت إذ أصبحنا نشتري الزيتون بالوزن ضمن قطرميز جاهز كلما دعت الحاجة . إلا انني لازلت أشتري الزيت بالتنكة بعد أن أتذوقه وأحمله فوراً بالسيارة إلى البيت ، وإلا فإن كل الباعة دون استثناء ، إلا قلة نادرة منهم ، جاهزين للغش دائماً ومحترفين في هذا المجال دون ضمير أو مخافة من الله . والحمدلله ان الله قد وهبني ملكة الإحتراف في تمييز الجيد منها من المغشوش أو الردىء بسهولة فائقة وفق خبرة قديمة اكتسبتها من والدي امتدت لسنوات طويلة حتى شبابي ، قضيتها في قطاف الزيتون وعصره .