You are here

السينما / حكاية مدينة

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

حتى بداية الستينات من القرن العشرين المنصرم ، كانت دور  السينما في مدينة طرابلس اللبنانية  مزدهرة وتلقى إقبالاً شديداً ورواجاً في الدخول اليها ، خاصة الفخمة منها بحيث إن تأخرت في قطع تذكرة في الموعد المحدد فإنك قد لاتجد مقعداً لك  فيما لو كان الفيلم قد سبقته شهرته ولم يسبق له أن عرض بأي صالة أخرى داخل المدينة .

وكانت الأفلام الأمريكية ومن ثم المصرية هي الغالب على شاشات العرض . والسينما الأمريكية في ذاك الوقت كان يغلب عليها قصص الغرب الأمريكي من أفلام الكاوبوي  ، أي رعاة البقر ومن ثم الأفلام البوليسية والمافيا . وقد زاد الإقبال على السينما من قبل الجمهور في مطلع  الستينات مع تطور شاشات العرض التقليدية المربعة الى شاشات سكوب عملاقة للأفلام الملونة التي حلت محل الشاشات الصغيرة لأفلام الأبيض والأسود .

وكانت  السينما المصرية متأخرة وقتذاك عن مثيلتها الأمريكية في إنتاج الأفلام الملونة  المبهرة مع التقنية والإبداع في الإخراج . إلا أن التلفزيون الملون مع بداية السبعينات مع إنخفاض سعره أثر كثيراً في تراجع زبائن السينما التي بدأت بالتناقص والتراجع الى حد إغلاق معظم الصالات بحيث أضحت تعد على اصابع اليد الواحدة لأفلام قديمة يرتادها بعض العاطلين عن العمل و العمال خلال الليل لإضاعة الوقت والتسلية إذ لم تعد تعمل نهاراً تقريباً ، وقد يستمر عرض الفيلم الواحد لعدة اشهر ،  باستثناء سينما واحدة صغيرة  ضمن تجع سكني يرتادها الطلاب بتعاون مع المدارس أحياناً  لافلام معينة جديدة  ولكن ببدل عال نسبياً  .

ومن الطرائف التي تروى للدخول الى صالات السينما في حينه ، هي عن سينما ماجستيك التي كانت تقع في منطقة النوري بالقرب من الجامع الكبير ، حيث مبنى البلدية حالياً تحت المخفر ، وكانت عبارة عن قاعة كبيرة توزعت فيها كراسي الخيزران بشكل عشوائي لتجلس حيث تشاء . وكان ثمن الدخول هو خمسة عشر قرشاً ، أي حوالي سبع سنتات أمريكية ، إلا أنه لم يكن هناك من قاطع للتذاكر  بل تدفع للموظف الواقف على الباب ليسمح لك بالدخول ، إلاأنه كان يكتفي برغيف من الخبز وعليه بعض اللبنة او الجبنة او الزيتون أو الصعتر ليسمح لك بالدخول . وهذا ماكنا نفعله وأولاد الحارة ، إذ كان مصروفنا اليومي أو خرجيتنا لاتتعدى العشرة قروش في اليوم ، لذا كنا نضن بها للشراء من المدرسة ونعطي الموظف  رغيف خبز وزيتون ، أكثر الأحيان ،  نستحضره من مونة البيت ليدخلنا الى السينما . إلا أن هذه السينما قد أزيلت في منتصف الخمسينات من القرن المنصرم عند توسيع المفرق في الطريق نحو الجامع الكبير ، كما وشق طريق نحو الرفاعية في نفس الوقت ، ليفتتح عوضاً عنها سينما رويال في ساحة الكورة وسينما النجمة بالقرب من مقبرة باب الرمل .

وكانت السينمات في ذلك الوقت تعرض الدعايات لبعض المحلات التجارية داخل المدينة أو عن بعض انواع السلع لماركات مشهورة من مساحيق الغسيل او الصابون ومن ثم تعرض نشرة أخبار دولية فرنسية مترجمة عن أهم الأحداث في العالم لخمس دقائق ومن ثم تعرض أفلام كرتون لخمس دقائق أخرى لتنتهي بعرض مسلسل  " 3 مخاليع " وهو مسلسل هزلي أمريكي لعشر دقائق إضافية الذي كان يلقى رواجاً كبيراً بين الأطفال ، ومن ثم أفلام لوريل وهاردي بمواقفهم الهزلية المضحكة  ومن ثم يبدأ عرض الفيلم الأصيل .

وكانت أفلام طرزان ، رجل الغابات الأبيض  للممثل جوني ويسمولر هي الأشد رواجاً ، وهو أول ممثل لشخصية طرزان الأسطورية  في الأفلام الأمريكية بالأبيض والأسود قبل ان يتقاعد ويخلي دوره لممثلين آخرين عديدين في أفلام ملونة ، ثم تليه في الأهمية أفلام " زورو" المقنع  التي كانت الأكثر شعبية وقبولاً من قبل الصبية  بما فيها من مغامرات وبطولات  ومشاهد حماسية .

أما النساء والصبايا والفتيات فكن يفضلن الأفلام المصرية بما فيها من غناء وعاطفة ودموع ، خاصة تلك التي يسند فيها دور البطولة لعبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش أوفاتن حمامة . أما الفتية والشباب فكانوا يفضلون الأفلام الهزلية لإسماعيل ياسين وتلك التي تتضمن مشاهد  البطولة والمغامرات والعصابات لفريد شوقي ومحمود المليجي .

وكانت اسعار تذاكر الدخول تتفاوت بين سينما وأخرى وفقاً لموقعها وفخامتها .فأسعار الدخول في المناطق الشعبية كانت لاتتعدى ال25 قرشاً ، أما في المناطق الأخرى فكانت 60 قرشاً في الصالة الأرضية و125 قرشاً ، مايعادل ثلاثون سنتاً أمريكياً في اللوج ، أي الطابق الأعلى من السينما حيث لاضجيج يصدر عن الحضور أو صفير لاختلاف طبقة المشاهدين وتميزها عن زبائن الصالة في اليسر والبحبوحة المالية .

واشهر صالات العرض الشعبية كانت في المدينة القديمة او على أطرافها كسينما النجمة التي اضحت حالياً محلاً للسمانة ثم سينما الشرق في باب الرمل بمواجهة مدفن المدينة   وسينما رويال التي اضحى اسمها فيما بعد  سينما اودويون مع تغير مالكها ثم سينما الركس التي اضحت حالياً محلاً للثياب وسينما الروكسي التي هدمت وقام محلها عمارة للمكاتب ومخازن تجارية ، أما السينمات الفخمة فكانت سينما بالاس وكانت الأشهر ثم لحقتها سينما متروبول وسينما كولورادو وسينما اوبرا في منطقة التل أما سينما الريفولي فقد خصصت للأفلام العربية فقط ، وجميعهم أغلق لإنحسار الزبائن لصالح التلفزيون الملون حيث يتفرج  المشاهد في بيته وفي المقهي وفي مخزنه على مايشاء من الأفلام .

أود أن اختم بالإشارة  بأنه خلال فترة الإستراحة لتغيير بكرة العرض السينمائي ، كان يدور بائع أو أكثر بين المشاهدين في صالة السينما في كشّة خشبية يحملها منادياً على المخلل  والمخلوطة والبسكويت والشوكولاه والبوظة  والفستق العبيد والكازوزة والكولا والبوشار وسندويش الفلافل أحياناً  ، حيث كان المشترين  يتناولون البذر  ويلقون بالقشور على الأرض ليكنسها العامل في الصباح التالي قبل بداية العرض من جديد الذي كان يبدأ في الثالثة بعد الظهر وينتهي عند منتصف الليل بشكل يومي دائم .أما في الأعياد فكانت السينما تفتح ابوابها اعتباراً   من الثامنة صباحا لتعمل بشكل متواصل حتى منتصف الليل مع توفر العيدية بين أيدي الأولاد .