You are here

أغثنا أدركنا أيها الجبرتي (6) !!

ayman zaghloul's picture

كان نص المرسوم السلطاني الصادر من الآستانة يقضي بإسقاط قضاة مصر الأربعة وإحلال قاضي العسكر التركي محلهم ليتصرف فى الأحكام الشرعية علي المذاهب الأربعة بحيث "لا يعقد عقد ولا يوقف ولا تكتب وصية ولا عتق ولا تكتب  إجازة ولا حجة ولاغير ذلك من الأمور الشرعية حتي تعرض على قاضي العسكر".

وهذا النظام الجديد كان معتمدا عي قضاة من الأتراك لا يتحدثون العربية ولا مهرب من الوقوف أمامهم أو عرض الدعوي عليهم كما يتضح من نص المرسوم أو من رواية إبن إياس. وهؤلاء القضاة كانوا يعتمدون فى عملهم على المترجمين الذين – كما ذكر الرافعي في كتابه – كانوا هم أصحاب الحول والطول يترجمون الأوراق وينقلون أقوال الخصوم.

وكان منصب قاضي العسكر هذا يمنح لقاء مبلغ من المال يدفعه الطامح إليه إلي الحكومة فى الآستانة ولذلك فقد تركز هم القضاة أثناء مدة خدمتهم في مصر على تعويض ما قام بدفعه مقدما للحصول علي هذا المنصب، إذ أنه لم يكن يتقاضي مرتبا ثابتا بل له 2% من قيمة ما يقضي به، بالإضافة إلى ما فرضه علي قضاة أخطاط القاهرة الخاضعين لسلطته وقضاة محاكم الأقاليم بل وحتي المأذونين إذ أنه كان يساومهم فى آخر كل سنة علي حقه فى الأموال التي يجمعونها من رسوم الإشهادات والعقود.

كما ضم قاضي العسكر إلى سلطته القضائية الإختصاصات الإدارية حيث كان يلي الباشا (الوالي) فى درجته وله أن يحل محله أثناء غيبته (فهو تركي معين من قبل الخليفة مثله) حتي أن إسمه كان يذكر فى الفرمانات (القرارات الإدارية بلغة اليوم) كما أنه عضو رئيسي فى الديوان ويقوم بدور الوسيط أثناء الأزمات بين الجند والأمراء (المماليك) والباشا (الوالي).

وهذا النظام من خلط الأوراق كان هو أيضا سمة العصر على ما يبدو فى معظم دول العالم إذ أن مبدا الفصل بين سلطات الدولة لم يكن قد نشأ بعد، وكلنا نعرف قضية الطحان أرنولد والملك فريدريش فى بروسيا وقد وقعت أحداثها فى ثمانينات القرن الثامن عشر، والتي كانت علامة فاصلة فى  تأسيس مبدأ الفصل بين السلطات فى الفقه الحديث، كما أن الثورة الفرنسية قامت من ضمن ما قامت، في نفس تلك الفترة،  لكي تتخلص من سطوة "المحاكم" التي كانت متحالفة مع سلطة الملك والكنيسة غارقة معهم فى الفساد بحيث كانت الجهات الثلاثة متكاملة في القيام بسلب حقوق المواطنين وسرقة أموالهم بالباطل القانوني الديني.  فهذه كانت سمة العصر.

ويذكر الرافعي فى كتابه أن مناصب القضاء كانت تباع وتشتري فى سوق المساومة فترسو على من يدفع أكثر فتحول منصب القاضي إلى موضع الزراية فى نظر الجمهور والعلماء. وكانت مدة تعيين القاضي سنة واحدة أو سنتين يمكن أن تمد لو أن المعين الجديد قد تنازل عن منصبه إلى الجالس على كرسي القضاء وذلك لقاء ثمن يتراضيان عليه وبذلك يمكن مد المدة إلى أربع أو خمس سنوات متعاقبة. ثم يردف أن هذا الوضع في نظام التقاضي كان مصدرا للجور وأكل أموال الناس بالباطل، فالفرق كبير جدا بين مكانة القضاة فى ذلك العصر ومكانتهم قبل الفتح العثماني، لذلك كان كبار العلماء يتورعون عن تقلد مناصب القضاء، وهذا يعد وحده دليل على إنحطاط منزلة القضاء فى عهد الحكم التركي.

وتذكر مجلة الحقوق الصادرة عام 1891 فى بحثها عن أوضاع العدالة فى ظل الدولة العثمانية معلومة علي غاية من الأهمية، إذ تقول: "إستمرت سطوة القضاة الأتراك على مقاليد القضاء فى مصر حتي ثبت عجزهم بل فشلهم وسري الضعف فى الإدارة العثمانية من فرع لآخر وتعددت أسبابه، وما أن حل القرن السابع عشر حتي كان المصريون يعيرون أحكام القاضي الحنفي اذنا صماء، ويذهبون إلى شيخ الجامع الأزهر الذى كان علي الدوام شافعيا أو إلى غيره من أئمة الحنابلة والمالكية، فأعادوا بطريقة غير مباشرة حكم القضاة الأربعة..

وهذا الذى تسجله مجلة الحقوق في بحثها يؤازر ويؤيد ما عرفناه من قبل عن الطريقة المصرية فى المقاومة الخافتة بل الصامتة الغير ميالة للعنف والمواجهة. فالإمام الشافعي الذى إستقر فى وجدان المصريين أنه واحد منهم له مقام وضريح وسكن فى عاصمتهم بعد أن نزح إليهم هو صاحب السلطة الفقهية العليا على أرض مصر، ولابد إذن من إستعادته مرة أخري إلي مكانته القديمة، وقد تم ذلك بلا حرب ولا ضجيج ولا حتي بيان، بل بالممارسة الفعلية. وفي ذلك ما فيه من إعلاء لدور القومية علي دور الدين حيث أن تلك خصيصة إستمرت طويلا مصاحبة للمصريين حتي نهايات القرن العشرين.

 ناهيك عن أن ذلك يؤكد على أهمية الدور السياسي للأزهر والتي كانت تزداد علوا كلما هبطت مكانة الحكم العثماني المملوكي بتوغله فى مظالمه للناس. وهذا الدور السياسي للأزهر سوف يكون له شأن كبير فيما يلي ذلك من وقائع الأيام.