You are here

هل تتشابه المجتمعات؟(1)

ayman zaghloul's picture

 

هل هناك تشابه بين حال بعض الدول العربية الآن وحال ألمانيا عقب نهاية الحرب العالمية الأولي من جهة الفوضي وتفكك سلطة الدولة والفشل السياسي؟

مع فارق مستودع الخبرة التكنوكراط  الذي لم يكن فاشلا في حالة ألمانيا..

بدأ التدهور باتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّع بناءا علي طلب ألماني بسبب عدم القدرة علي مواصلة القتال. وقد كان مجرد وقف إطلاق نار في نوفمبر 1918.

أما عقد الصلح نفسه فقد وقّع في فرساي في يونيو التالي له‏ عام 1919. وبين التاريخين وقعت فوضي عارمة في البلاد بسبب الانقسام حول شروط اتفاقية الصلح في‏ فرساي والتي لم يقع بشأنها تفاوض من أي نوع، بل فرضت علي الألمان أما قبولا بأسرها  أو رفضا بأسرها مقترنا باستئناف القتال فورا..

وهذا الحال من الفوضي وشبه الحرب الأهلية هو ما يذكر المرء بحال بعض الدول العربية  الان..

 

Dolchstoß

 

كلمة Dolch تعني خنجر..

وكلمة Stoß تعني ضربة..

والكلمة المركبة من كليهما تعني طعنة الخنجر.

وقد انتشرت هذه النظرية في ذلك الوقت في أوساط العسكريين وهي نظرية تقول ان طعنة الجيش الألماني جاءته في ظهره من السياسيين المدنيين الألمان  وأنه كان علي وشك كسب الحرب..

والواقع بالطبع هو خلاف ذلك إذ أن دخول الولايات المتحدة الحرب في مرحلتها الأخيرة قد قلب الموازين وجعل نصر ألمانيا مستحيلا..

وفي نفس الوقت كانت روسيا قد تعرضت للثورة البلشفية وخرجت من الحرب بصلح بريست ليتوفسك المنفرد مع ألمانيا مما جعل الألمان يعتقدون في قرب تحقيق النصر.

وقد جاء طلب وقف إطلاق النار مفاجئا لكثير من الألمان وكان ذلك هو سبب الانقسام في الرأي. وأصبح هناك من يرفضون وقف القتال ومن يقبلون به ولكنهم يرفضون عقد فرساي للصلح بسبب اجحافه بألمانيا ومن يقبلون بعقد فرساي وهم أقلية علي رأسهم ماتياس ارتسبرجر الذي دفع حياته ثمنا لذلك علي يد منظمة القنصل اليمينية الإرهابية التي كانت تعتنق نظرية طعنة الخنجر..

 

كانت ألمانيا هي البلد الذي تأثر أكثر من غيره بالثورة الصناعية التي وقعت فيه بايقاع سريع جدا حولها من دولة فلاحين (كان الشعب الألماني يسمي الفلاحين الألمان) الي دولة صناعية رائدة بعد وحدتها عام 1871. وبالتالي كانت طبقة العمال علي قدر عال من الحساسية تجاه دعوات الإشتراكية والشيوعية خصوصا عقب 4 سنوات من الحرب التي تسببت فيها صفوة متعفنة ودفع الفقراء ثمن ذلك التهور.

وبالطبع كانت تجربة ثورة روسيا تمثل املا للبشرية في ذلك الوقت، إذ لم تكن حقيقتها قد ظهرت بعد.‏ وأدت هذه العوامل الي نشوء حركة شيوعية قوية تدعو الي قلب كل الأوضاع وتكثر من استعمال مصطلح شرعية الثورة ولا تتواني عن إستعمال العنف وتدعو صراحة الي هدم الدولة...



وهدم الدولة هو المصطلح الذي يخيف أي عاقل، خصوصا لو أنه ألماني...

وبالتالي حدث استقطاب حاد في المجتمع قسمه الي قسمين يري كل منهما في موت الآخر حلا لمشاكل البلاد.

والآن لابد من دراسة كيف قام كل طرف بإدارة هذا الصراع وما هي نتيجة كل ذلك..

 

لتفهم هذه المعضلة لابد من الإطلاع علي الفكرة الشيوعية الماركسية فى بذورها الأولي والتي تري أن الحكم ينبغي أن يكون لمجالس العمال التي تحل محل مؤسسات الدولة ذات السيادة وتمارس السلطة على الحياة الإقتصادية ولها الريادة فى المجتمع. وهو بذلك يكون قد سمح بتفكك الدولة القومية إذ أن الشيوعية حركة عالمية النداء لا محل جغرافي يحد من إنتشارها بل يعد كل سكان العالم مخاطبين بأحكامها، إذ أن النداء الشهير لكارل ماركس كان: يا عمال العالم، إتحدوا..

(كانت الفكرة النازية والتي تشتق لفظها من كلمة ناسيوناليزم أي القومية معارضة تماما لذلك النهج الفكري أي أنها كانت ردا فكريا على مذهب العالمية وإلغاء الدولة القومية كما تريد الشيوعية، بل كانت تكريسا للقومية وتأكيدا على دورها الهام). وهذا الخلاف الكبير سوف يكون له دور كبير فيما تلي ذلك من أحداث طبعت بصمتها على القرن العشرين بأكمله..

وهكذا بدا للحركة الشيوعية الألمانية التي  لها أرضية خصبة بسبب وجود طبقة عمالية كبيرة دورها السياسي غائب وحقها الإقتصادي مهدر تقريبا، بدا لهذه الحركة أن وقتها قد حان وأن الفرصة مواتية للبدء فى إنشاء تلك المجالس العمالية وتفكيك الدولة. وإعلان الجمهورية الألمانية علي لسان الإشتراكي فيليب شايدمان فى نوفنبر عام 1918 جاء بعد أن هرب القيصر من البلاد مباشرة وكان مقصودا منه قطع الطريق على الزعيم الشيوعي الألماني كارل ليبكنيشت الذى كان على وشك إعلان جمهورية شيوعية تقوم على المجالس العمالية، وعندما عرف شايدمان بذلك قرر أن يلقي بيان إقامة الجمهورية من شباك مكتبه فى مبني البرلمان فى برلين حيث أنه كان هناك عندما عرف بنية خصمه ليبكنيشت، وقد كان.. وأعلنت الجمهورية بدون أساس شيوعي لإقامتها ومن سبق أكل النبق.

ولكن الشيوعيين لم يكنوا ليستسلموا بهذه السهولة، وكذلك التيارات الأخري لم تكن لتقبل بالفوز الشيوعي بثمرة الحكم. ومن هنا نشأ الصراع الذى شارف على الحرب الأهلية.

والواقع أن هذا الخلاف كان علي الرغم من كونه خلافا سياسيا إلا أنه قد إتخذ بعدا أشد عمقا، فهاهي الدولة (الكائن الأسمي والأهم فى كل المجتمعات) تتعرض للتفكيك جهارا نهارا.. فما هو العمل؟

كنا قد شهدنا من قبل ما فعلته الحرب الأهلية بالولايات المتحدة الأمريكية وكيف أن تفكيك الإتحاد كان هو سبب الحرب وليس كما هو شائع شأن العبيد. فالولايات الجنوبية أعلنت خروجها من عقد الإتحاد وهذا كان فى نظر الرئيس لينكولن سببا كافيا لإعلان الحرب على الجنوب ودخول ساحة الوغي لمدة 4 سنوات قضي فيها أكثر من 600 ألف أمريكي، وهو رقم يفوق مجموع ما خسرته الولايات المتحدة فى جميع الحروب التالية مجتمعة، بما فيها الحربين العالميتين وفيتنام.

إلى هذا الحد لا تتسامح الدول مع محاولات التفكيك..

فكيف تم تنفيذ ذلك على الطريقة الألمانية؟