You are here

أغثنا أدركنا أيها الجبرتي (5) !!

ayman zaghloul's picture

 

مؤسسة القضاء

يذكر المؤرخ إبن إياس فى بدائع الزهور أن قضاة المذاهب الإسلامية الأربعة قد خرجوا بصحبة السلطان الغورى إلى الشام لملاقاة الغزوة العثمانية على مصر، وعندما إنتصر السلطان سليم أصبح القضاة أسري لديه ولكنه "أعادهم إلى وظائفهم كما كانوا فى الأول بمصر" عقب دخوله القاهرة. وكانت أولي خطوات الحكم الجديد فى مصر هي إستبدال المذهب الحنفي بالمذهب الشافعي الذى كان سائدا حتي ذلك الوقت. (لاحظ أن في ذلك الإستبدال ما فيه من تنحية للفقه الذي بدله صاحبه عقب قدومه إلى مصر ومعيشته بين أهلها وجعله أكثر قربا من الروح المصرية العامة).

ثم خطا السلطان العثماني (الخليفة) خطوة أخري عندما إستحدث منصب قاضي العرب، وهو منصب يعلو هؤلاء القضاة الاربعة. وفي ذلك يصف إبن إياس طريقة عمل صاحب المنصب الجديد عندما قبض بيده على السلطة القضائية وأنه كان يسير العدالة وفق هواه وفي مصلحته الذاتية التي إنصبت على جمع الثروة فيقول: "فمنع نواب قضاة مصر والشهود الذين بها قاطبة ألا يكتبوا إجازة ولا وكالة ولا وصية ولا شيئا من الاشغال قاطبة فكانت الناس إذا راموا أن يعقدوا عقدا للتزوج من أبكار أو ثيبات فيمضون إلى المدرسة الصالحية (مقر قاضي العرب) ويحصل لهم زايدة ومشقة وكذلك فى الوصية أو فى جميع أشغال الناس فضاعت على الناس حقوقها واضطربت أحوال الأحكام الشرعية فى هذه الايام".

ويمضي إبن إياس ليصف حال القضاء والتقاضي فى تلك الفترة فيقول: "وأخضعت عقود الزواج لرسوم جبرية ولم يقتصر الأمر على إرتفاعها بل أوجب علي أصحاب الشأن ضرورة إتمامها فى بيت أحد القضاة الأربعة فامتنع الزواج والطلاق فى تلك الايام وبطلت سنة النكاح"..

ونشأ إلى جانب ذلك وبالتوازي معه منصب جديد فى حقل العدالة هو منصب المحضر الذي أحاط نفسه بجند من الإنكشارية واتخذ له مجلسا أمام مقر القضاة ويعرض عليه كل ما يقضي من أحكام إذ: "يقف بين يديه الشاكي والمشتكي ويخاطبه بترجمان بينهما عن أمر الشكاة فكان يقرر على أمر الشكاة فكان يقرر على كل محاكمة على الأشرفي ستة نقرة يأخذها لنفسه من الشاكي والمشتكي يسمون ذلك مصلحاه وكان إذا أمر بشئ لا تعارض القضاة"..

وهذا الوصف يتعرض للحالة التي كان مسموحا فيها للقضاة المصريين بالفصل فى الدعاوي أو نظرها، وهي كما نرى مرتبطة باستيفاء رسوم إجبارية يتقاضاها المحضر لنفسه وبنفسه والقضاة ليس لهم إرادة لكي يتدخلوا ويصلحوا من أمر هذا الفساد. كما أنه كان معتمدا فى ممارسة سلطته التقديرية على المترجم المصاحب للشاكي أو المشكو منه (المدعي والمدعي عليه بلغة اليوم).

وفي كتاب "القضاء فى مصر العثمانية 1517" يقول عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم أن الإدارة العثمانية سلطت السلطة العسكرية على الأحكام القضائية بحيث أصبح للقائد العسكرى الحق فى التدخل ومعارضة رؤساء القضاة فيما يصدرونه من أحكام ومن يحتج منهم ينفي كما حدث مع قاضي القضاة الشافعي حين تم نفيه من دمنهور وعزله من منصبه.

وكل ذلك وقع في بداية حكم العثمانيين أي فى السنوات الخمس الأولي فقط.

والحقيقة أن عنصرية الترك واحتقارهم للدول العربية تظهر جلية فى مجرد التسمية للمنصب الجديد، قاضي العرب. وهو قاضي تركي لا يتحدث العربية ولكنه يحكم بين العرب !!

وفي سبيل إرساء القواعد الجديدة لم يتوان النظام الجديد عن الإضرار بالناس وبمصالحها كما يظهر من حديث إبن إياس الذى يسهب فى وصف المشقة والرهق الذي تعرض له المصريون حتي ضاعت حقوقهم بل وبطلت سنة النكاح، أي الزواج.

ولم تكن تلك سوي البداية كما أسلفت خلال السنوات الخمس الأولي فقط..

وفي مايو 1522 أصدر السلطان الجديد سليمان خليفة السلطان سليم وصاحب لقب "القانوني" مرسوما بشأن تنظيم القضاء فى مصر..

فماذا جاء في هذا المرسوم السلطاني؟