You are here

النظام المالي العالمي واهداف أمريكا

Mohamed Souaissy's picture

تأليف : محمد السويسي
تعزيز النظام المالي العالمي هو أحد أولويات البنود التي تتطرق إليها مؤتمرات  قمم العشرين لأن الأزمة المالية انطلقت لخلل في النظام المالي للمؤسسات المالية والمصارف من حيث سوء الأداء وضعف الرقابة وفوضى التوسع والانتشار لهذه القطاعات . وقد انفض الاجتماع الأخير لدول العشرين دون التوصل إلى وضع أي آلية للإصلاح سوى التمنيات متوسلين إعادة مناقشة الأمر في اجتماعات مقبلة .  ولكن هذا لم يمنع رئيس وزراء استراليا السابق من شن حملة في وقت ما "ضد رعاة البقر في الأسواق المالية الذين جلبوا الخراب للأسواق العالمية وتركوا آثاراً حقيقية على الوظائف في كل مكان " .

على الرغم من هذا الانتقاد العنيف والصريح فإن أمريكا لم تسر قدماً في الإصلاح المالي العالمي عمداً رداً على عدم اتخاذ خطوات عملية من قبل المؤتمرين في اجتماعات سابقة لرفع السرية المصرفية كاملة لدى سويسرا وبعض الدول الأوروبية بحيث تم الاكتفاء بإحالتها على "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" التي أصدرت لائحة سوداء وأخرى رمادية تتضمن أسماء الدول المخالفة التي تعتبر ملاذاً للتهرب الضريبي لامتناعها عن رفع السرية المصرفية، مع التهديد بالعقوبات الدولية .

كما أن هناك أسباباً أخرى لا تشجع أمريكا على المشاركة الجدية في المؤتمرات المعنية بالأزمة بسبب مطالبة أكثر الدول المشاركة، خاصة الصين واليابان وروسيا والهند، بضرورة إيجاد عملة احتياطية دولية جديدة بديلاً عن الدولار وهذا ما ترفضه أمريكا بشدة، ورفضها متوقع لأن الدولار هو عنوان قوتها وسيادتها على العالم . لذا فإنها ترفض أي إصلاح جدي للنظام المالي العالمي وفق النظرة الأوروبية على أسس وقواعد جديدة لأن في ذلك إضعاف لنقدها وفق تقديراتها لأن لديها من المرونة والمقدرة، التي يفتقدها الأخرين، على استغلال أي فوضى مالية عالمية لمصلحتها بما يعزز اقتصادها ويعيد إنعاش نقدها .

لقد جاء الأوروبيون إلى اجتماعات  قمم العشرين مستلهمين روحية إتفاقية "برايتون وودز" التي كانت قد فَكَت بعبقرية فذة الارتباط بين الدولار والذهب بما لا يصدق ومنحت الدولار صفة الاحتياط النقدي لوضع نظام مالي جديد مشابه ومتلائم والأزمة المتداولة لإصلاح الوضع الحالي وبعث نهوض اقتصادي متين كما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية.

إلا أن المؤتمرين فاتهم أن قادة أمريكا اليوم هم غيرهم بالأمس من حيث المسؤولية والإدراك. ومع استعراضنا لمسيرة الاقتصاد الأمريكي منذ الأربعينات فإن كل الخطوات المالية لديهم تصاغ بما يمنع من تكرار أزمة الثلاثينات التي مازالت تهيمن على تفكيرهم وتبعث فيهم الخوف والتخبط أحياناً.

والخطوات الأمركية الدائمة تدل على فهم لما جرى وكيفية الإصلاح ، ولكن على أساس داخلي فقط إذ ليس لهم أي مصلحة في أي إصلاح عالمي لا يصب في خانتهم، لأنهم يدركون بالتجربة أن متانة النقد الأمريكي لا تقوم إلا على الفوضى المالية من حامليه. ولامتصاص التضخم ومنع تفاقمه فهم قد وضعوا بأسلوب ونهج متمم لنهج وأسلوب إتفاقية برايتون وودز، مبادئ الأسواق المالية وطرق عملها التي هي عبارة عن فوضى منظمة لكل المساهمين فيها بما يتماشى قياساً مع المثل الإنكليزي "فرق تسد " – وتعني هنا التفريق بين المال وصاحبه – بما تقدمه الأسواق المالية من دعايات مغلوطة وأوهام ووعود كاذبة بالثراء السرابي للاستيلاء على المال بطريقة لا أخلاقية. ولولا الجهل لما وقع أحد ضحيتهم، خاصة في أسواق العالم العربي.

إن من ميزة الأمريكيين قدرتهم على التكيف في استغلال الكوارث المالية والاقتصادية لصالحهم؛ وقد جاءت الأزمة المالية هبة سماوية لهم غير متوقعة، كما المطر في عز الصيف، لأنها قد قضت على التضخم بعد استفحاله وأوقفت تدهور الدولار بتحفز ليعود إلى الارتفاع مع الانتهاء من التدابير المالية التي يقومون بها من حيث الرقابة المصرفية واختزال المصارف بإعادة دمجها، والإشراف على المؤسسات المالية من دون أي تعديل في فوضى عملها من حيث الدعاية والإغراء الكاذب، لأن هذه الفوضى تصب في مصلحتهم التي يجنونها إيجاباً عند كل أزمة وفي كل فترة لامتصاص التضخم.

وقد يلائم فوضى الأسواق المالية الولايات المتحدة لقوة نقدها ولكنه لايلائم مطلقاً الدول الأخرى خاصة الدول النامية لذا فإن إتباع خطواتها من قبلهم وتقليدها أمر بالغ الخطورة على وضعهم الاقتصادي ونهوضهم لأنهم لا يدرون كيفية الخروج من الأزمة عند الوقوع بها كما الأمريكيين لأسباب عدة.

كما وأن هذه الأزمة قد أعطت الأمريكيين المرونة لإعادة تخفيض الرواتب والأجور إلى الحد الذي يضحى ملائماً لإنتاج سلع بكلفة مقبولة للتصدير أمام المنافسة الكبرى للصين، لأن أجور اليد العاملة تلعب الدور الرئيس في كلفة الإنتاج وأسعار السلع زيادةً أو نقصاناً.

ولكن كان الأفضل من تلك التدابير المتخذة حالياً إتباع الطرق والأساليب الأسهل والأضمن وهو نقل مصانع الإنتاج الأمريكية إلى البلدان العربية حيث التدني الفعلي للأجور وتحقيق الأرباح الوفيرة لوجود أسواق جاهزة متعطشة للسلع المنتجة بكلفة بسيطة بحيث تضحى قادرة على مواجهة الأسعار الإغراقية للبضائع الصينية التي تغزو المنطقة منذ عقود بما يقلق مضاجع الأمريكيين خاصة والغرب عامة.

أن الأزمة المالية التي ضربت العالم كان فرصة ذهبية للعالم العربي لو أحسن استغلالها مع حالة الضعف والوهن النفسي الذي أصاب الغرب وقتذاك لاستيراد المصانع الحديثة المتطورة في صناعة السيارات والطائرات والأجهزة الكهربائية و الإلكترونية وغيرها التي تعاني صعوبات في سيولتها بسبب الأزمة وتداعياتها لإعادة تشغيلها مع رخص اليد العاملة لدى الدول العربية وفتح باب النهوض الاقتصادي واسعاً.

ومازال المجال مفتوحاً أمام العرب لتحقيق هذا الأمر حتى نهاية العام الحالي قبل أن يستعيد الغرب توازنه المالي والنفسي .

لكن لا أمل في أي تطور أو تقدم للعالم العربي مع تقليده "مشية الحجل " في إتباعه للنظم الغربية الغير ملائمة لمسيرته الاقتصادية مع اختلاف الوقائع والظروف والحاجات والأهداف بدليل أنظمة ألأسواق المالية لديه التي تتسبب بالكوارث الدائمة للمشاركين بها، دون أن يعوا كيفية الإصلاح والتطوير أو التحسين مع تقيدهم الأعمى بالنظم الغربية دون أي تعديل . ولاحاجة لإعادة عرض المقترحات للإصلاح وقد سبق أن أشرت إليها في مقالات عدة .

 و ألخص بأن الأهداف الأمريكية من المشاركة في تلك المؤتمرات الاقتصادية الإصلاحية ، الغير مجدية للدول النامية، ترنو إلى تحقيق ثلاثة مطالب رئيسة مهمة،

أولاها: تعميم " الحمائية " الدولية وفق بنود منظمة التجارة العالمية وهي تدبير شديد السلبية حتى على الولايات المتحدة بحيث أنها كانت بداية التدهور المالي والاقتصادي للأمريكيين غداة ظهورها منتصف العقد الماضي.

والسبب في تمسك الأمريكيين بها إعتقادهم الخاطئ بأنهم قادرون على تخطيها وتجاوزها بعقد الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأخرى وهذا أمر لن يجدي لهم نفعاً سوى تعزيز المصالح التجارية الصينية بما هو معاكس لأهداف الحمائية التي وضعت في الأساس لمواجهة النمو الصيني وإعاقته.

والمطلب الثاني، هو رفع السرية المصرفية لدى بعض المصارف الأوروبية، خاصة السويسرية التي لا مصلحة لها في هذا الرفع أو الإلغاء بما حققته من ثراء نتيجة ذلك، إلا أن أمريكا كانت جادة في هذا الأمر وقد تحق لها حتى الآن في تعميم هذا الأمر الذي اتاح لها الإطلاع على حسابات مواطنيها بحرية مطلقة لاتسيفاءالضرائب منهم ، عززته بقانون فاتكا الذي اصدرته مؤخراً وبدأت تعميمه على كل دول العالم .

وتحقيق رفع السرية المصرفية هو أمر إيجابي لمصلحة الدول النامية نتمنى تحقيقه حماية لأموالها.

أما المطلب الثالث للأمريكيين فهو التصدي لأي مجهود يبذل لاستبدال الدولار كاحتياط نقدي دولي بأي عملة أخرى مستحدثة أو قيد التداول، أو إعادة العمل بنظام التغطية الذهبية كما كان سابقاً كاحتياط نقدي، بما له من سلبيات على الوضع الاقتصادي الأمريكي لا يمكنها تحمله ، والذي أصبح من الماضي مع عقد اتفاقية برايتون وودز التي تتمسك بها أمريكا بكل حذافيرها لفقدان الكفاءة لديها في الفهم والتحليل و التطوير بما حل بها مؤخراً من كوارث اقتصادية .

وأختم بنصيحة للدول النامية أن تلك الاجتماعات غير ملائمة لهم بما يفرض عليهم من التزامات من الدول الصناعية السبع هي في غير مصلحتهم، وألا يتقيدوا بالمناهج الاقتصادية الغربية لأن عدم ملائمتها لهم هو أمر طبيعي وفقاً لواقع كل دولة على حدا . فالقانون الاقتصادي ليس نصاً جامداً بل عملية حية متواصلة متفاعلة تتطلب التطوير والتعديل الدائم نحو الأحسن بما تقتضيه الظروف والحاجات.