You are here

أغثنا أدركنا أيها الجبرتي (4) !!

ayman zaghloul's picture

قبل الدخول فى بحث التغيرات التي أفضت إلى إنفراد المماليك بحكم مصر لابد من النظر إلى أوضاع كل من المؤسسة الدينية والقضاء.

المؤسسة الدينية

لم أجد فى كل ما قرأت أي شىء له قيمة تذكر يتناول أوضاع الأقباط أو اليهود فى مصر فى تلك الفترة، وكل ما وجدته كان ما قال به لويس عوض فى كتابه أوراق العمر أنه سمع من القدامي أنه فى زمن ما قبل محمد علي كان الاقباط يلتزمون بالسير فى الجانب الأيسر من الطريق وكان من لا يلتزم بهذه العادة يسمع تنبيها من غيره من المسلمين قائلا: "إشمل يا نصراني"، أي إلزم الجانب الأيسر، كما أنه كان ملزما بالنزول من أعلي دابته لو مر به مسلم أو مر هو علي مسلم له حيثية، وهذه العادة لا تزال قائمة حتي اليوم فى الريف بصرف النظر عن الديانة،  إذ أن من له حيثية أو وضع إجتماعي متميز لا يصح أن يظل المرء راكبا أمامه.

عرفنا أن الديوان الكبير كان به رؤساء المذاهب الأربعة ورؤساء المشايخ والأشراف إلا أنه لم يكن ينعقد إلا نادرا بطلب من الوالي، وعلي ما يبدو فإن وضعه يماثل وضع مجالس الإشراف على إدارة الشركات وهي مجالس لا تنعقد إلى مرة أو إثنين كل عام. أما المجلس الذي بيده السلطة فقد كان الديوان الصغير الذى يعقد يوميا ولا يضم سوي مندوبي الفرق العسكرية وكاتب الجلسات أي أن تمثيل المؤسسة الدينية منعدم فيه، وهو على ما يبدو كان شبيه بمجلس إدارة الشركة الذى يباشر الأعمال اليومية، ويبدو من تشكيل هذا المجلس ذي الطبيعة العسكرية أن أمر الحياة المدنية لم يكن من همومه إذ أنها كانت متروكة بالكامل للبكوات المصريين (الأمراء) وهم المماليك الذين يسومون الشعب صنوف العذاب كما عرفنا من قبل.

ولما كانت الإدارة بيد الديوان الصغير وحده (نظريا)  بينما يمارس الديوان الكبير الإشراف من بعيد، ولما كان ممثلو المؤسسة الدينية أعضاء بصفاتهم فى الديوان الكبير، فيبدو أن الذهن الجمعي للمصريين إرتأي فى المؤسسة الدينية ممثلا لعرض إعتراضاته ومظالمه على الحكام، وعند هذه النقطة صعد الأزهر إلى مرتبة متميزة فى المجتمع المصري حيث أنه صوت المظلومين أو على الأقل جهة التحكيم وإبداء الرأي والمشورة لمنع الفتن ودرء القلاقل. فالأزهر الذى كان عمره وقت الغزو العثماني 500 عام بدأ مسجدا شيعيا ثم أغلق لفترة من الزمان عقب نهاية الدولة الفاطمية التي أنشأته ثم عاد سنيا أثناء الفصل بين شخصي الخليفة والحاكم إلى أن إتحد المنصبان فى شخص السلطان العثماني عام 1517 فأصبح وضعه الديني يبرر له دورا سياسيا، وهو على ما أظن سبب المكانة الروحية التي ظل يحتلها حتي القرن العشرين. وسوف تظهر أهمية هذا الدور السياسي فى أول بادرة تعامل مع العالم الخارجي بمجىء الفرنسيين إلى مصر بعد 280 عام من عزلتها التخلفية بفعل الغزو العثماني.

وخلاصة كل هذا التحليل هو أن الأزهر قد صعد إلى مكانة مرتفعة فى العهد العثماني لا أظنها كانت له من قبل بحيث غدا دوره السياسي مما لا يمكن تهميشه أو الإقلال من قدره، مع الأخذ فى الإعتبار أن السلطة الحقيقية كانت بيد البكوات المصريين (المماليك) الذين يفرضون الضرائب ويحصلونها وينفذون الأحكام. وهذه الأحكام هي بابنا لدراسة وضع القضاء..