You are here

مقومات إقتصاد الدولة وعجز الحكومات العربية

Mohamed Souaissy's picture

 

تأليف : محمد السويسي

بناء إقتصاد الدولة أمر معقد  يتطلب اشخاصاً مميزين جداً  وملهمين الى حد العبقرية في الإلمام بالشأن الإقتصادي ووضع الخطط الملائمة والمتابعة والإحاطة بالمشاكل الحقيقية للدولة والمجتمع والأسرة والفرد قائمة على المعرفة   الواسعة  لعلم الإقتصاد والفقه الديني  والتاريخ والجفرافيا والعلوم السياسية والإدارة  والقانون والأدب والخبرة التجريبية على الأرض ، عدا فهم حركة المال وطرق توظيفه وإنفاقه .

ومن هنا فإن إيجاد أمثال هؤلاء الأشخاص يعتبر أمراً نادراً كالذي يبحث عن جوهرة في سعة من الأرض .

إذ أن نظام بناء إقتصاد الدول ليس شأناً عادياً ، إذ ان النجاح به يؤدي الى بناء أمة وينهض بها لتحلق في فضاء الصناعة  والمال والتجارة والزراعة القائمة على العلم والمعرفة والخبرة .

فنظام بناء الدول يختلف كلياً عن بناء إقتصاد الشركات ، لأن إقتصاد الشركات يسعى لمنفعة مجموعة من الأشخاص محدودي العدد ، اما إقتصاد الدول فيسعى الى بناء أمة وخلق  المناخ الملائم لنهوض الشركات والمؤسسات والتجارات الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة والفردية .

ويعتبر النظام الإقتصادي الأمريكي هو الأكثر تطوراً في العالم كإقتصاد دولة حديث  بما يملك من جرأة في التغيير والمبادرة والتجدد الدائم ، مما يعني إدراكاً لما  يحيط به من مشاكل يظل واعياً لمعالجتها بالإنتقال من مرحلة الى أخرى بشجاعة منقطعة النظير ؛ وهذا ماساعد على الإستمرار في قوة النقد الأمريكي وعالميته لصعوبة منافسته مع تحفز الفكر الإقتصادي الأمريكي لأي تغيير .

إلا أن مشكلته هو فقدان الحس الإنساني والأنانية المفرطة وانعدام الأخلاقيات  تجاه مواطنيه من أجل الصالح العام للدولة ، وايضاً تجاه الشعوب الأخرى؛   كالرجل الذي يحرق  حرجاً من اجل إشعال سيجارة .

إذ أن الإقتصاد الأمريكي بني وفق ظروف قاسية لاإنسانية عند إقامة الدولة ، دفعته ليبيد شعباً بأكمله وهم الهنود الحمر، سكان البلاد الأصليين ، دون أن تأخذه شفقة أو رحمة بهم لتعذره عن تدجينهم ضمن خططه الإقتصادية مع رفضهم الإندماج في مشاريعه لبناء الدولة  ، حيث عوض عنهم بأقنان من أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وشعوب دول أخرى من اجل مد السكة الحديد في جميع أنحاء القارة الأمريكية  وإقامة المشاريع الزراعية والصناعية الضخمة من أجل تدعيم بناء الدولة .

 إلا أن مايجب لفت النظر اليه هو أن الإقتصاد الأمريكي اعتمد في بنائه على القطاع الخاص من الشركات الضخمة قبل أن تأخذ الدولة دورها في إصدار النقد الورقي الذي اضحى عملة عالمية بديلاً عن الذهب  في التداول بين الدول ، وإنشاء المصرف المركزي .

الإقتصاد الأوروبي : لم تعرف أوروبا بداية تكوين إقتصاد الدولة إلا مع بدء الثورة الفرنسية التي انفجرت في العام 1789 ، حيث كانت تخضع لنظام إقتصادي إقطاعي موزع بين الكنيسة والملوك والنبلاء تستوفي فيها معظم الأتاوات من المزارعين في أراض واسعة تعذر فيها بناء إقتصاد دولة متكامل متماسك ، وبالتالي تعذر بناء دولة بالمعنى الحقيقي  بما يتطلب ذلك من شروط  ومواصفات كانت معدومة قبل قيام الثورة .

ورغم النهوض الإقتصادي الهائل الذي حققته أوروبا عقب الحرب الثانية في النهوض الصناعي بدعم أمريكي من خلال  مشروع مارشال ، إلا أن إقتصادها بدأ يتراجع قبل أكثر من عقدين لهيمنة الطبقة الرأسمالية وامساكها بالسلطة من خلف الكواليس بحيث بدأت تخضع للضغوط الأمريكية في إقامة منطقة اليورو وفي التوقيع على إتفاقية منظمة التجارة العالمية الأمريكية ، التي تسببت بانهيار إقتصاديات العالم وقد ألغت الحدود التجارية والرسوم الجمركية وأطاحت بموارد معظم الدول الأوروبية وتلك الموقعة عليها الى الأبد ، خاصة وأنه قد سبق ان اعتمدت هذه الدول في مداخليها على ضريبة المضافة ، بديلاً عن الضرائب والرسوم ، استجابة لضغوط الرأسمالية المرتبطة مصالحها مع الرأسمالية الأمريكية على حساب مصالح مواطنيها واقتصادهم ، لتبدأ المأساة الأوروبية في تراجع مصانعها وتجاراتها وإفلاس مؤسساتها المالية ،  زادها بلة ارتفاع أسعار النفط الى أربعة أضعاف خلال مدة وجيزة مما عجل في انهيار إقتصادها لفساد حكامها أو لجهلهم ، وفي كلا الحالتين فالأمر مصيبة .

الإقتصاد العربي : رغم الماضي التليد للإقتصاد  العربي فجر الإسلام وضحاه كإقتصاد دولة ، فإن الإقتصاد العربي حالياً وفقاً لإمكانيات  الوطن العربي المالية يعتبر الأكثر تخلفاً في العالم لانعدام المواصفات التي تجعل منه إقتصاد دولة لتخلف وفساد وجهل حكوماته ومواطنيه  ، بينما كان يعتبر الإقتصاد العربي الإسلامي خلال عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي اعظم إقتصادات دول العالم على الإطلاق منذ فجر التاريخ وحتى الآن .إذ قام الإقتصاد العربي الإسلامي حينذاك على أسس متنية من حسن الجباية والتوزيع على أسس أخلاقية وإنسانية ، مع حفظ حقوق الدولة ومصالحها ومصالح شعبها من خلال جيش قوي نقي بعروبته مخلص لبلده وأمته ودينه وعقيدته للحفاظ على الأمن ومصالح الدولة العليا  ومصالح مواطنيها واستمرارها ، لانه دون أمن متين قوي فإنه من الصعب ان تقوم الدولة بواجباتها المتعددة ، وأهمها الجباية من أجل دعم الدولة ومنعتها وتحقيق كافة الضمانات الإجتماعية لمنع الفقر والعوز والتسول ، مع ضمان صحي شامل واهتمام بحاجات  المرأة الأرملة والمطلقة وحفظ كرامتها لمتابعة دورها الإسري بتربية اولادها والقيام بواجباتها تجاههم .

واستمر هذا الإزدهار الإقتصادي الإجتماعي العربي  قائماً حتى نهاية العهد الأموي وبداية عهد الدولة العباسية قبل اضمحلالها مع تعاظم نفوذ الأعاجم في قطاعي الجند  والإدارة بما أدى إلى إضعاف الدولة لسؤ أخلاقهم وجشعهم وفسادهم لضعف إيمانهم بما جبلوا عليه من خسة وغدر ولؤم في أصولهم ، حيث أدت ممارساتهم الشعوبية الحاقدة  في تعمد تفتيت قوى الدولة واضعاف نفوذها الى تراجع في التأمينات الإجتماعية وتردي الأمن وشيوع  الفقر وتنامي العوز ، كما تراجع هيبة الدولة واحترامها من  حكام الأقاليم الذين تجرأوا عليها في العصيان والقضم .

وفي العودة إلى أمريكا فإن مبادرات الدولة في بناء إقتصاد الدولة ودعمه يتم من خلال المؤسسات المالية الرسمية بالتعاون مع الرأسمالية الوطنية في وول ستريت ، بحيث ان الدولة قد تسخّر جيوشها وترسلها الى اي دولة في العالم لخدمة مصالحها الإقتصادية دون اي تردد إلى حد انها شاركت  بشكل مباشر مع أوروبا  في الحرب العالمية الثانية ، رغم بعد المسافة والخطر العسكري  عن اراضيها ، دعماً لمصالحها بحيث لاتمايز أو تفاضل بين المصلحة  الخاصة والعامة ، بل إن الإقتصاد العام هو في خدمة الإقتصاد الخاص  لشموليته بما يقتضي بناء  إقتصاد الدولة .

وإقتصاد الدولة يتعدى الحدود في سبيل نموه ومنعته ،  بحيث تقدم امريكا القروض والمساعدات والهبات للدول الأخرى التي تدور في فلكها ، وتقيم علاقات ودية معها من اجل توفيرالسيولة بين ايدي مواطنيها لتصريف سلعها من اجل إبقاء عجلة مصانعها نشطة في الإنتاج والتصريف ، ومع ذلك فقد تقع في أخطاء جسيمة  بالنسبة لمواطينها ولحلفائها كما سآتي على ذكره في السياق .

وتعود تلك الأخطاء أكثر الأحيان من إجتهادات خاطئة لجيل جديد قليل الخبرة ، او بالأحرى لايملك الإلهام اللازم والضروري للتطوير واقتراح المبادرات الملائمة اللازمة بما تقتضي من بعد نظر ومقدرة على التحليل الضروري لبناء إقتصاد دولة متطور ومتين . ومن هنا وقعت أمريكا في أخطاء مميتة عندما شجعت اوروبا على بناء منظمة اليورو وألزمتها بإتفاقية منظمة التجارة العالمية بما فيها من شروط مجحفة ، بحجة المعاملة بالمثل ، إلا أنها لاتتقيد بها عندما لاتتفق ومصالحها ، وقد  وضعت بنود هذه الإتفاقية من قصر نظر مقترحيها بحيث تراكمت الأخطاء المالية والتراجع الإقتصادي والمالي والزراعي والكساد لدى أوروبا وجميع الدول  الموقعة عليها ، بما أدى الى التعجيل في إنفجار الأزمة المالية العالمية وبالتالي إفلاس اوروبا ومصانع ضخمة ومؤسسات في أمريكا وشركات كبرى .

 إذ ان واضعي هذه الخطة نظروا الى مصالح أمريكا دون ان يدركوا ان الإقتصاد العالمي اضحى دورة حيوية متكاملة تربط دول العالم ببعضها البعض ، وبالتالي فإنه لايمكن وضع اي خطة لاتراعي مصالح الدول الأخرى لدوام استمرارها .

ومثل هذه الإتفاقيات المجحفة توقع عادة من بعض الدول أما لفساد من حكامها أو لقصر نظر منهم في فهم أخطارها وسلبياتها ، أو تجنباً لاستعداء أمريكا مع إصرارها الشديد وضغطها على دول العالم للتوقيع عليها .

قد يستغرب البعض هذا القول لاعتقادهم بأن دولة عظمى كأمريكا لايمكن ان تخطىء في مخططاتها الإقتصادية ،ورأيهم هذا يعود لعدم استيعابهم لمسيرة الإقتصاد الأمريكي وبالتالي الإقتصاد العالمي . ولكن نسأل في نفس ، الوقت أليست روسيا دولة عظمى ايضاً ؟! ومع ذلك فإن إقتصادها لايتماثل وعظمتها وإمكانياتها المالية ومواردها الطبيعية ؛ وبنظرة مقارنة مع سياسات أمريكا الخارجية وحملاتها العسكرية خارج حدودها اليس هناك من أخطاء ؟!سيأتي الجواب حتماً بالإيجاب  .

وعليه  فطالما انها تخطىء في سياساتها العسكرية فلما لاتخطىء في الشأن الإقتصادي والسياسي ايضاً وأيضاً ؟.

رغم ماتسببت به إتفاقية منظمة  التجارة العالمية من سلبيات على الإقتصاد الغربي  والإقتصاد الأمريكي بشكل خاص ، فإن امريكا عالجت الموضوع بشكل جرىء بمبضع جراح ماهر خارج العاطفة التي تعيق المسؤولين عن إتخاذ قرارات استراتجية مصيرية عند اللزوم ، كالتي اتخذتها أمريكا في العام 2007 إزاء تداعيات الأزمة المالية . إذ انها مع تراجع صادراتها الى الخارج بتأثير من فقدان السيولة بين ايدي المواطنين في الداخل والخارج ، بفعل سلبيات بعض بنود اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي حرمت هذه الدول من معظم مواردها وأورثت الكساد لبضائعها  لفقدان لسيولة بين ايدي مواطينها  مع تنامي البطالة بشكل حثيث وبالتالي تراجع الإستيراد للسلع الأمريكية ، فإن مخططي السياسة الإقتصادية الأمريكية تجنبوا الغاء اتفاقية التجارة العالمية ، رغم اعتراض شعوب ودول عدة عليها ، اذ ردوا تراجع صادراتهم  الى ارتفاع في قيم أكلاف إنتاجها وعلى رأسها ارتفاع أجور اليد العاملة ،  ، لذا فكروا بإجراء آخر وهو تصنيع منتوجاتهم بأقل أجر ممكن  وجدوه في تدني اجور اليد العاملة الصينية  الى الحد الأدنى الذي لم يحلموا به ليتم تدريبها على إنتاج السلع  الأمريكية بنقل بعض مصانعهم اليها .

لذا عمدوا من خلال تعمد الأزمة المالية وتفجيرها ، الى إفلاس المؤسسات المالية والمصارف والمصانع وأسواق البورصة الأمريكية في كارثة حقيقية ،  القصد منها لجم التضخم المالي ودفع سكان المدن الطارئين للعودة الى قراهم مع بدء تراجع اليد العاملة الزراعية لأصناف استهلاكية يومية في نظرة مستقبلية وآنية في نفس الوقت ، بهدف تعزيز الزراعة المحلية وتطويرها  تلافياُ لأزمة غذائية مستقبلية بدأت تذر قرنها مع تغيرالمناخ وجفافه وتصحره ، كما التخلص من تنامي  ارتفاع الأجور الذي كان الأساس في إضعاف الصادرات الأمريكية للخارج لارتفاع كلفتها ، لتتوجه الرأسمالية الأمريكية وبعض الأوروبية  الى التصنيع في الصين بأقل كلفة ممكنة .

وبالعودة الى العالم العربي فإن سبب تخلفه علمياً و صناعياً وإقتصادياً هو بسبب جهل حكوماته عن كيفية بناء إقتصاد الدولة الذي يقتضي بضرورة ملحة تحقيق وإقرار  كافة التأمينات الصحية والإجتماعية من ضمان شيخوخة وتعويضات بطالة للعاطلين عن العمل وإلغاء العمل بنظام الحد الأدنى للأجور ، كما والغاء الضريبة على القيمة المضافة إلا على المصانع التي تنتج سلعها من مواد محلية ،كما  وتأمين مواصلات النقل العام  والمترو والهاتف والكهرباء والإنترنت بأسعار متدنية ورفض توقيع إتفاقية منظمة التجارة العالمية مقابل العمل بنظام ضريبي عادل وملائم ، بالإضافة لدعم الزراعة والصناعة بتقديم الخدمات والمساعدات اللازمة .

وبما ان كل هذه الضرورات الإقتصادية لبناء الدولة والنهوض بها شبه ممعدومة في العالم العربي  ، فإنه من الصعب ان يتطور  بالسرعة اللازمة لتخلف حكوماته وسؤ اختيار وزرائه وفق معادلات سياسية فاسدة لفساد حكامه من أنظمة جمهورية  فاسدة قائمة على الديكتاتورية في  التجديد والتوريث بما يؤدي الى انعدام العدالة وفساد القضاء والإدارة بما يوازي فساد النظام ويماثله .

ووفق هذه المعطيات الفاسدة والإهمال فإنه يتعذر على الدول العربية النهوض الإقتصادي والصناعي للحاق بالدول الغربية طالما أنها لم تصلح انظمتها نحو العدالة والديمقراطية واحترام الحريات العامة والقانون والدستور ، التي هي الأساس  لبناء دولة قوية تقوم على اقتصاد  قوي سليم .