You are here

Nostalgia 1

ayman zaghloul's picture

تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والعشرون لمظاهرات مدينة لايبزج التي إمتدت لتصل إلي برلين وانتهي بها الأمر إلي إجبار سلطات ألمانيا الشرقية علي فتح أبواب سور برلين للراغبين فى الخروج وذلك بلا أي تصريح أو حتي أوراق.

وقد بدأ كل شىء فى موسكو عندما تبين للزعيم السوفيتي الجديد ميخائيل جورباتشوف أن التمسك بالخط القديم فى الإدارة والإقتصاد لا يمكن أن يفضي إلا إلي خراب البلاد إقتصاديا بسبب فشل نظرية الإقتصاد القائم على التخطيط المركزي – وهي بالطبع نظرية ألمانية قال بها كارل ماركس – وبسبب العبء المالي الهائل للتسليح حتي لا يفقد الإتحاد السوفيتي صفة القوة العظمي.

أضف إلى ذلك أن الإتحاد السوفيتي كان ملتزما بتوفير الطاقة الرخيصة للدول الصديقة من حلف وارسو حيث أنها جميعا ليست من الدول ذات الثروات الطبيعية الجيولوجية، مما جعل فاتورة القوة العظمي تتفاقم وتصل إلي حدود لا يتحملها أي كيان يريد لنفسه الإستمرار.

وقد أعقب مجىء جورباتشوف إلى السلطة ببضعة أسابيع كارثة تشيرنوبل التي كان أثرها شبيها بأثر ثورات العرب فى عام 2011 من حيث أنها كشفت الضعف والعجز المستتر فى البنية الاساسية لتلك المجتمعات القائمة علي القهر والجهل. فقد ظهر الإتحاد السوفيتي عاجزا عن التصرف طالبا المعونة من دول أوروبا الغربية مما أدي إلى فقدان للثقة فى كل ما هو سوفيتي بما فيها الأسلحة السوفيتية التي يبيعها للدول الصديقة.

وقد تنبه أول المتنبهين إلي ذلك فى المجر.. فقد أصدر البرلمان المجري بيانا يقول فيه أنه قد تم التخلي عن الفقرة الثابتة فى كل النظم الأساسية فى الدول الإشتراكية والتي تؤكد على أهمية الدور الطليعي للحزب الشيوعي فى حياة المجتمع على أرض تلك الدولة، وهي الفقرة التي كانت تبرر هيمنة الحزب ولجانه المتعددة فى كل المجالات علي أوجه الحياة من طعام وشراب وموسيقي وتعليم وبناء وصناعة وزراعة وأمن إلخ...

ومن المؤسف أن أحدا فى الدول العربية  لم يتنبه إلى عمق تلك التغيرات التي كانت تقع فى المعسكر الشرقي، بل أن كاتبا مرموقا جدا هو أحمد بهاء الدين عندما كتب أن هذه التغيرات تنبىء بعالم جديد لم يستمع إليه أحد.

وقد كتب أحمد بهاء الدين ذلك الراي يومها عقب نشر خبر يقول أن الرئيس ميخائيل جورباتشوف قد ارسل خطابا إلى حكومة المجر يبلغها فيه بتمنياته للمجر بكل التوفيق والنجاح فى مسعاها وأنه يحترم إرادة الشعب المجري !! وكان ذلك فى ربيع عام 1989..

المجر حالة متفردة بين كل دول المعسكر الإشتراكي.. فهي ذات تاريخ مرتبط بالنمسا حيث كانت دائما جزءا مساويا فى المركز مع النمسا، ولها ماض عسكري فى صد هجمات الترك  على أوروبا، كما أن شعبها متمسك بكاثوليكيته على الأقل حتي سقوط الشيوعية حيث أنه كان يراها عاصما له من النظم الغير مقبولة مثل النظام الإشتراكي. ولكل هذه الأسباب كان المجريون يحظون بقدر من الحرية النسبية لا يعرفه مثلا الألمان الشرقيون أو الروس.

يانوش كاداروقد كان فى عام 1988 أن اسقط المكتب السياسي للحزب الشيوعي المجرى السيد يانوش قدار من رئاسته. وفى عام 1989 قرر المكتب حل نفسه وإستبدال نظام رئاسي بهذا المكتب، وقد دفع تيار الإصلاحيين هذه القرارات إلى التنفيذ حيث أنهم كانوا قد تولوا عددا كبيرا من أصوات أعضاء المكتب وهو إجراء لم يكن يتم بالإنتخاب الشعبي بل بالإقتراع السري بين ممثلي لجان الحزب. وهذا التغيير يبين لنا الطبيعة المخالفة للشعب المجري التي أشرت إليها من قبل.

وباعتماد النظام الرئاسي قرر البرلمان شطب الفقرة الخاصى بالدور الرائد للحزب فى الحياة الإجتماعية وبذلك إنتهي حكم القهر.. وكانت الخطوة الطبيعية التالية لذلك هي فتح الحدود بين جزئي الإمبراطورية السابقة، النمسا والمجر، وقد وقع ذلك فى مايو عام 1989. ولكن الحكومة الألمانية الشرقية لم تتنبه إلى ذلك الأمر وظلت محتفظة بروح العناد والإمتناع عن رؤية الوقائع..