You are here

مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا-3

kadernb's picture

ومنها مكتبة الحكم بالأندلس. كانت غاية في العظمة والاتساع، حتى قيل إنها بلغت أربعمائة ألف مجلد، وكانت لها فهارس غاية في الدقة والنظام، حتى أن الفهرست الخاص بدواوين الشعر الموجودة في تلك المكتبة بلغت أربعة وأربعين جزءاً .
ومنها مكتبة بني عمار في طرابلس. كانت آية من الآيات في العظمة والضخامة. كان فيها مائة وثمانون ناسخاً ينسخون فيها الكتب، ويتبادلون العمل ليلاً ونهاراً بحيث لا ينقطع النسخ.
ومن المكتبات الخاصة ما يتحدث التاريخ عنها بإعجاب، وقد كانت في كل بلد في شرق العالم الإسلامي وغربه، وقلّ أن تجد عالماً إلا وله مكتبة كانت تحوي آلافاً من الكتب. فمنها مكتبة الفتح بن خاقان (المقتول في عام 247هـ) وكانت مكتبته واسعة، عَهِد بجمعها إلى رجل من خيرة رجال عصره علماً وأدباً، وهو علي بن يحيى المنجم، حتى جمع له فيها من كتب الحكمة ما لم يجتمع في خزانة حكمة قط.
ومنها مكتبة ابن الخشاب (المتوفى عام 567هـ)،كان من أعلم الناس بالنحو وكانت له معرفة في التفسير والحديث والمنطق والفلسفة. وكان مولعاً بالكتب.
ومنها مكتبة جمال الدين القفطي (المتوفى عام 646هـ)،جمع من الكتب ما لا يوصف، وقُصد بها من الآفاق طمعاً في سخائه وكرمه، وكان لا يحب من الدنيا سوى الكتب، فأوقف عليها نفسه، ورفض أن يتزوج حتى لا يشغله الأهل والأولاد عنها، وأوصى بمكتبته للناصر، وكانت تساوي خمسين ألف دينار.
ومنها مكتبة بني جرادة العلماء في حلب، كتب أحدهم – أبو الحسن ابن أبي جرادة (548هـ) بخطه ثلاث خزائن من الكتب النفيسة، وخزانة لولده أبي البركات، وخزانة لابنه عبد الله.
ومنها مكتبة الموفق بن المطران الدمشقي (587هـ)،كانت له همة عالية في تحصيل الكتب، حتى أنه لما مات كان في خزانته من الكتب الطبية وغيرها، عشرة آلاف مجلد، وكان في خدمته ثلاثة نساخ يكتبون له أبداً، ويعطيهم رواتبهم وأرزاقهم.
وبعد، فلئن كانت النشوة تملأ نفوسنا حين نتحدث عن انتشار المكتبات في العالم الإسلامي في عصور حضارته الزاهرة فإن الأسى ليملأ قلوبنا حين نتذكر مصائر هذه المكتبات، وما تعرضت له من بوار وحرائق لا يمكن أن تقدر خسارة العلم فيها أبداً.
لقد أصيبت مكتباتنا بما قضى على ملايين الكتب منها بحيث فقدها العالم إلى الأبد، وهي من أثمن ما خلفه الفكر الإسلامي في التاريخ.
فنكبة التتار حين افتتحوا بغداد، أصابت هذه المكتبات قبل أن تصيب أي شيء غيرها، وكلنا يعلم أن التتار الهمج قذفوا بما وجدوا في دور الكتب العامة في نهر دجلة حتى فاض النهر بالكتب الملقاة فيه، فكان يعبر الفارس عليها من ضفة إلى ضفة، وظل ماء النهر أسود داكناً أشهراً طويلة من تغيره بمداد الكتب التي أغرقت فيه..
ونكبة الغزو الصليبي أفقدتنا أعز المكتبات التي كانت في طرابلس والمعرة والقدس وغزة وعسقلان وغيرها من المدن التي خربها الصليبيون، وحسبنا أن نعلم أن بعض المؤرخين قدّر ما أتلفه الصليبيون في طرابلس وحدها بثلاثة ملايين مجلد.
ونكبة استيلاء الأسبان على الأندلس أفقدتنا تلك المكتبات العظيمة التي يتحدث عنها التاريخ بذهول، فقد احترقت كلها بفعل المتدينين المتعصبين، حتى أنه قد أحرق في يوم واحد في ميدان غرناطة ما قدّره المؤرخون بمليون كتاب.
هذا حديث مكتباتنا في عصور حضارتنا، وهذه نهاية ما انتهت إليه، ولئن كان الاعتراف للأعداء بالجميل صعباً على النفس، فإن من الواجب أن نعترف أن دور الكتب في أوروبا حفظت لنا كثيراً من البقية الباقية من هذا التراث، وأن فيها من ذخائر المؤلفات العربية ما لا يوجد في العالم الإسلامي كله الآن.
 
 
 
المجالس والندوات العلمية
 
وهذا لون طريف من ألوان حضارتنا الزاهية، كان له أثر كبير في نشر الثقافة وذيوع العلم، ورفع المستوى الاجتماعي والذوق العلمي في الأوساط الثقافية هو تلك المجالس والندوات العلمية التي تعددت في عواصمنا ومدننا الكبرى مع ما كان للمدارس والمعاهد والمكتبات من عظم وكثرة. هذه المجالس في تعددها وتنوع أبحاثها كانت مظهراً رائعاً من مظاهر اليقظة الفكرية في أمتنا إبّان مجدها وقوتها، وإنك لا تشك حين ترى مختلف طبقات الشعب من خلفاء وأمراء وعلماء وأدباء وشعراء.. يجعلون من أبحاثهم في مجالسهم الخاصة والعامة مباريات علمية وأدبية وفلسفية، إن هذه الأمة بلغت من الشغف بالعلم والظمأ لارتياد مناهله، حداً يشعرك بعظمتها ورقيها.
كانت هذه المجالس متعددة متنوعة..
فمجالس في رحاب الخلفاء يتصدرها الخليفة بنفسه، وينتظم في عقدها أشهر العلماء والأدباء والفقهاء في عاصمته، ولقد كانت مجالس الخلفاء تتطور بتطور الحضارة الإسلامية ونمو ثقافتها. فهي في عهد الخلفاء الراشدين تتحدث عن شؤون الدولة وأعمال الولاة، بمثابة مجلس نيابي يتحدث فيه عظماء القوم عما يهمّ الدولة من شؤون وقضايا متنوعة.. احتاج عمر بن الخطاب يوماً إلى والٍ كفءٍ يُوليه عملاً هاماً من أعمال الدولة، فقال لجلسائه: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني، فقالوا: فلان، قال: لا حاجة لنا فيه، قالوا فمن تريد؟ قال: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي، قال صدقتم، فولاه. ثم أصبحت مجالس الخلفاء في عهد الأمويين مجالس للأدب والحكمة والشعر.. حضر عبد الله بن هاشم مجلس معاوية ذات يوم، فقال معاوية: من يخبرني عن الجود والنجدة والمروءة؟ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين! أما الجود فابتذال المال والعطية قبل السؤال، وأما النجدة فالجراءة على الإقدام والصبر عند ازورار الإقدام، وأما المروءة فالصلاح في الدين والإصلاح للحال والمحاماة عن الجار.
وتطورت بعد ذلك مجالس الخلفاء في العصر العباسي، فكانت من أروع المجالس في حسن أثاثها، وسعة رحابها، وكثرة علمائها وأدبائها، وتنوع أبحاثها وفنونها، هذا عدا عن مجالس الطرب التي كانت الصبغة الأدبية غالبة عليها بما يثار فيها من حديث الشعر والشعراء وتفسير الكلمات التي يتغنى بها المغنون، ومن أشهر خلفاء بني العباس في فخامة مجالسهم وروعتها الرشيد والمأمون، أما الرشيد فقد كان يحتشد في مجالسه أعلام العلماء من كل فن وعلم، وحسبك أن كان من رواد مجالسه من الشعراء: أبو نواس، وأبو العتاهية، ودعبل، ومسلم بن الوليد، والعباس بن الأحنف، ومن الفقهاء: أبو يوسف والشافعي ومحمد بن الحسن، ومن اللغويين، أبو عبيدة والأصمعي والكسائي، ومن المؤرخين: الواقدي المؤرخ الشهير. ومن المغنين: إبراهيم الموصلي وابنه إسحق.
ومن المناظرات التي وقعت في مجلسه، أن محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة وصف الكسائي بأنه لا يُحسن الفقه، وإنما يحسن شيئاً من كلام العرب، فقال الكسائي: من تبحر في علم واحد اهتدى به إلى سائر العلوم، فقال له محمد يختبره: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى؟ قال الكسائي: لا، قال محمد: لماذا؟ فأجاب الكسائي: لأن النحاة تقول: المصغّر لا يصغر.
وأما المأمون فكان مجالسه من أروع المجالس العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، إذ كان هو نفسه من أساطين العلماء، وكان بلاطه يموج بجمهرة عظيمة من رجال العلم والأدب والشعراء والأطباء والفلاسفة الذين استدعاهم المأمون من جهات متعددة من أنحاء مملكته وشملهم جميعاً بعنايته مهما اختلفت مشاربهم أو جنسياتهم، وكثيراً ما كان يبدأ المناقشات ويثير العلماء للبحث.
هذا ولا يفوتنا أن نذكر دور الوراقين، أي دكاكين بيع الكتب، فقد كانت أيضاً مجالس للعلماء يتساقطون فيها أطيب الحديث عن العلم، كل في العلم الذي تخصص فيه، وكان بائعو الكتب في الكثير الغالب أدباء ذوي ثقافة، يستفيدون من حرفتهم إشباع نهمهم العلمي، وحسبك أن تعلم أن ابن النديم صاحب (الفهرست) وياقوت صاحب (معجم الأدباء) و(معجم البلدان) كانا وراقين – أي بائعي كتب – وكثيراً ما كان أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وأبو نصر الزجاج الأديب اللغوي المشهور يلتقيان في دكاكين الوراقين، يتحدثون عن الشعر والأدب مع الشعراء الذين كانوا يفدون إلى تلك الدكاكين.
وبعد، فالأمة التي تستحق الحياة تجد غذاءها في العلم قبل كل شيء. وأمتنا يوم كانت تبعث الحياة في الأمم والشعوب كانت تسلك كل سبيل للتزود من العلم ونشره وإذاعته، بل كان مختلف أبنائها من الخليفة إلى العالم والتاجر يتبارون في الاستكثار من أدوات العلم وكتبه وبناء مدارسه، وكانت كما رأيت لا يتحدث فيها إلا بما يزيد في العلم ويفتح الذهن ويصقل العقل. وهم حتى في مجالس سمرهم ولهوهم كانوا علماء وأدباء، لا يفوتهم تحقيق مسألة، أو كشف غامض، أو تصحيح خطأ.
ولم نتحدث هنا عن مجالس الفقهاء والمحدثين والوعاظ، فذلك مما شاع وذاع في كل بلدة وقرية، وقصارى القول أن حضارتنا في عصور ازدهارها ملأت العالم الإسلامي بنور العلم يغشي بيوتها ومساجدها ومدارسها وأنديتها ومجالسها ودكاكينها، حتى حق لعالم كبير كغوستاف لوبون أن يقول: إن حب العرب للعلم كان عظيماً، وأنهم بلغوا درجة رفيعة من الثقافة بعد أن أتموا فتوحهم بزمن قصير، حتى استطاعوا أن يبدعوا حضارة أينعت فيها الآداب والعلوم والفنون وبلغت الذروة!!.
 
العواصم والمدن الكبرى
 
نحن الآن في القرن الرابع الهجري، أو القرن العاشر الميلادي، وسنلقي نظرة سريعة على مدن العالم الإسلامي ومدن العالم الغربي وسيروعنا الفرق العظيم بين العالمين، سيدهشنا أن نرى عالماً زاخراً بالحياة والقوة والحضارة - وهو العالم الإسلامي – وعالماً بدائياً لا أثر فيه لحياة أو علم أو حضارة – وهو العالم الغربي – ولنحاول المقارنة بين مدن هذين العالمين، ولنبدأ بالعالم الغربي لنرى كيف كانت معيشة سكانه واتساع مدنه ومستوى أهله.
جاء في التاريخ العام للأفيس ورامبو ما يلي: كانت إنكلترا الأنجلوسكسونية في القرن السابع الميلادي إلى ما بعد العاشر فقيرة في أرضها منقطعة الصلات بغير بلادها، سمجة وحشية، تبنى البيوت بحجر غير منحوت، وتشيدها من تراب مدقوق، وتجعلها في وطاء من الأرض، مساكن ضيقة المنافذ، غير محكمة الإغلاق، واصطبلات وحظائر لا نوافذ لها، تقرض الأمراض والأوبئة المتكررة المواشي والسائمة وهي المورد الوحيد في البلاد، ولم يكن الناس أحسن مسكناً وأمناً من الحيوانات، يعيش رئيس القبيلة في كوخه مع أسرته وخدمه ومن اتصل به، يجتمعون في قاعة كبرى في وسطها كانون ينبعث دخانه من ثقب فتح في السقف فتحاً غليظاً، ويأكلون كلهم على خوان واحد، يجلس السيد وقرينته في أحد أطراف المائدة، ولم تكن الشوكات معروفة، وللأقداح حروف من أسفلها، فكان على كل مدعو أن يمسك بيده قدحه، أو يفرغه في فيه دفعة واحدة. وينتقل السيد إلى غرفته في المساء بعد أن يتناولوا الطعام ويعربدوا على الشراب، ثم ترفع المنضدة والصقالات، وينام جميع المجتمعين في تلك القاعة على الأرض. أو على دِكَك، واضعاً كل فرد سلاحه فوق رأسه، لأن اللصوص كانوا من الجرأة بحيث يقتضي على الناس أن يقفوا لهم بالمرصاد كل حين لئلا يؤخذوا على غرة.
وكانت أوروبا في ذلك العهد غاصة بالغابات الكثيفة، متأخرة في زراعتها، وتنبعث من المستنقعات الكثيرة في أرباض المدن روائح قتالة، تجتاح الناس وتحصدهم. وكانت البيوت في باريس ولندن تُبنى من الخشب والطين المعجون بالقش والقصب (كبيوت القرى عندنا منذ نصف قرن) ولم يكن فيها منافذ ولا غُرف مدففة، وكانت البسط مجهولة عندهم، لا بساط لهم غير القش ينتشرونه على الأرض، ولم يكونوا يعرفون النظافة، ويلقون بأحشاء الحيوانات وأقذار المطابخ أمام بيوتهم، فتتصاعد منها روائح مزعجة، وكانت الأسرة الواحدة تنام في حجرة واحدة تضم الرجال والنساء والأطفال، وكثيراً ما كانوا يؤون معهم الحيوانات الداجنة، وكان السرير عندهم عبارة عن كيس من القش فوقه كيس من الصوف، يُجعل مخدة أو وسادة، ولم يكن للشوارع مجارٍ ولا بلاط ولا مصابيح، ولم تكن أكبر مدينة في أوروبا تضم أكثر من خمسة وعشرين ألفاً.
هكذا كان الغرب في القرون الوسطى حتى القرن الحادي عشر فما بعده، باعتراف مؤرخيهم أنفسهم، فلننتقل سريعاً – قبل أن ننسى هذه الصورة – إلى الشرق، إلى حيث المدن والعواصم كبغداد ودمشق وقرطبة وغرناطة وإشبيلية.. لنرى كيف كانت هذه المدن وكيف كانت حضارتها.
 
لنرى مدن الأندلس، فهي مجاورة لأوروبا التي نتحدث عنها، ولنبدأ بقرطبة، ولنحاول أن نلم بملامحها الظاهرة، لا بكل شيء فيها، فكيف نجدها؟
 
كانت قرطبة في عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عاصمة الأندلس المسلمة، تنار بالمصابيح ليلاً ويستضيء الماشي بسُرجها عشرة أميال لا ينقطع عنه الضوء، (أي ستة عشر كيلومتراً)،أزقتها مبلطة، وقماماتها مرفوعة من الشوارع، محاطة بالحدائق الغناء حتى كان القادم إليها يتنزه ساعات في الرياض والبساتين قبل أن يصل إليها، كان سكانها أكثر من مليون نسمة (في ذلك العصر الذي لم تكن فيه أكبر مدينة في أوروبا تزيد عن خمسة وعشرين ألفاً) وكانت حماماتها تسعمائة حمام وبيوتها 283.000 بيت وقصورها ثمانون ألف قصر، ومساجدها ستمائة مسجد، وكانت استدراتها ثمانية فراسخ (أي ثلاثين ألف ذراع). كان كل ما فيها متعلماً، وكان في ربضها الشرقي مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا في ناحية واحدة من نواحيها، وكان فيها 80 مدرسة يتعلم فيها الفقراء مجاناً، وخمسون مستشفى. وأما مسجدها فكان ولا تزال آثاره حتى اليوم آية خالدة في الفن والإبداع. كان ارتفاع مئذنته أربعين ذراعاً تقوم قبته الهيفاء على روافد من الخشب المحفور، وتستند إلى 1093 من الأعمدة المصنوعة من مختلف الرخام على شكل رقعة الشطرنج فيتألف منها تسعة عشر صحناً طولاً وثمانية وثلاثون صحناً عرضا، وكان يضاء في الليل بأربعة آلاف وسبعمائة مصباح تستنفد في كل سنة 24 ألف رطل من الزيت، وترى في وجهه الجنوبي تسعة عشر باباً مصفحاً، بصفائح برونزية عجيبة الصنع خلا الباب الوسط الذي كان مصفحاً بألواح من الذهب، وترى في كل من وجهه الشرقي الغربي تسعة أبواب مشابهة لتلك الأبواب، أما محرابه فحسبك أن يقول فيه مؤرخو الفرنج (أنه أجمل ما تقع عليه عين بَشَر، وأنه لا يرى أحسن من زخرفه وسنائه في أي أثر قديم أو حديث).
وقد ألحق بقرطبة بناء الزهراء الخالد في التاريخ بفنه وروعته حتى قال فيه المؤرخ التركي ضيا باشا: (إنه كان أعجوبة الدهر التي لم يخطر مثل خيالها في ذهن بنَّاء منذ برأ الله الكون، ولا تمثل رسم كرسمها في عقل مهندس منذ وُجدت العقول).
وفي الزهراء المجلس المسمى (قصر الخلافة) وكان سقفه وحيطانه من الذهب والرخام الغليظ الصافي لون المتلون أجناسه، وفي وسطه حوض عظيم مملوء بالزئبق، وفي كل جانب من جوانب المجلس ثمانية أبواب على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر قامت على سواري من الرخام الملون والبلور الصافي، وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب فيضرب شعاعها على صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحداً من أهل مجلسه أومأ إلى أحد مواليه فيحرك ذلك الزئبق، فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور، ويأخذ بمجامع القلوب، حتى يخيل لكل من في المجلس أو المحل قد طار بهم ما دام الزئبق يتحرك.
وكان فيها دور الصناعة والآلات: كدار صناعة آلات السلاح للحرب ودار صناعة الحلي للزينة، ودار صناعة النحت والزخارف والتماثيل وغير ذلك من المهن والصناعات، استغرق بناء الزهراء أربع سنوات.
وفي هذا القصر العظيم استقبل الخليفة المستنصر عام 351هـ ملك إسبانيا المسيحية أردون بن اذفونش، وقد أصابه الذهول حينما دخل الزهراء ورأى أبهتها وعظمتها وخدمها وجندها وسلاحها، ثم زاد ذهوله حين وصل إلى مجلس الخليفة المستنصر وفي جانبه عظماء المملكة وأشرافها وفحول العلماء والخطباء وأكابر القواد، فلما قارب ملك الإسبان الدنو من الخليفة المستنصر كشف رأسه وخلع برنسه وبقي حاسراً حتى أذن له الخليفة بالاقتراب منه.
وإذا انتقلنا من ذلك إلى غرناطة تجلت لنا عظمة البناء والعمارة في قصر الحمراء وقد كان آية عجباً يدهش له الناظرون، ولا يزال رغم عوادي الزمن محط أنظار السائحين من بلاد العالم كلها، أُقيم هذا القصر على منحدر جبل يشرف على مدينة غرناطة وحقول البقعة الواسعة الخصيبة المحيطة بها، فبداً من أجمل أمكنة العالم. وكانت فيه قاعات متعددة منها قاعة الأسود، وغرفة الأختين، وقاعة العدل، وقاعة السفراء، ولا يمكننا في هذا الحديث القصير أن نُلم بوصف الحمراء.
وأما الحديث عن المدن الأندلسية الأخرى وما كانت عليه من رقي وعظمة فذلك حديث يطول، وحسبنا أن نذكر هنا أن إشبيلية كان فيها ستة آلاف نول للحرير وحده، وكانت محاطة من كل أطرافها بأشجار الزيتون، ومن ثم كان فيها مائة ألف معصرة للزيت.
ولنتحول بعد ذلك إلى العالم الإسلامي الشرقي لنرى نموذجاً من مدنه الكبرى وحضاراته الرائعة. وسأقتصر هنا على بغداد وكيف كانت حين بنيت من عجائب الدنيا التي لا مثيل لها في القديم.
كانت بغداد قبل أن يبنيها المنصور الخليفة العباسي الشهير ضيعة صغيرة يجتمع فيها على رأس كل سنة التجار من الأماكن القريبة منها، فلما عزم المنصور على بنائها أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين، ثم وضع بيده أول آجُرة في بنائها وقال: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله، بلغ مجموع ما أُنفق على بنائها أربعة ملايين وثمانمائة ألف درهم، وبلغ عدد العمال المشتغلين فيها مائة ألف، وكان لها ثلاثة أسوار يلي الواحد منها الآخر. بلغ عدد سكانها مليوني نسمة، وبلغت عدد دروبها وسككها ستة آلاف بالجانب الشرقي وأربعة آلاف بالجانب الغربي، وكان فيها عدا دجلة والفرات، أحد عشر نهراً فرعياً تدخل مياهها إلى جميع بيوت بغداد وقصورها، وكان في نهر دجلة وحده من المعديات (المعبرانيات) ثلاثين ألفاً، أما حماماتها فقد بلغت ستين ألف حمام، وفي أواخر عهد العباسيين بها، تناقص هذا العدد إلى بضعة عشر ألف حمام، وأما مساجدها فقد بلغت ثلاثمائة ألف مسجد، وأما سكانها وكثرة العلماء والأدباء والفلاسفة فذلك فيها لا يحيط به حصر.
ونختم حديثنا هذا بوصف عظمتها في عهد المقتدر بالله ومبلغ ما وصلت إليه أبهة الخلافة في عصره. حين زارها رسول ملك الروم. كانت دار الخلافة في اتساعها تفوق مدينة كبيرة من مدن سوريا اليوم.
فلما وردها رسول ملك الروم أنزل في دار الضيافة ثم صف العسكر من دار الضيافة إلى دار الخليفة, فبلغ عددهم مائة وستين ألف فارس وراجل, فسار بينهم إلى أن بلغ الدار, ثم سلم على الخليفة وأمر أن يطاف به دار الخليفة وقد أفرغت, ولم يبق فيها إلا سبعة آلاف خادم وسبعمائة حاجب وأربعة آلاف غلام أسود, وفتحت الخزائن وآلات السلاح والحرب فيها مرتبة كما ترتب أجهزة العرائس, ولما دخل رسول ملك الروم دار الشجرة ذهل إذ رآها, وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم, لها ثمانية عشر غصن لكل غصن فيها أغصان صغيرة وقفت عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها مذهب وهي تتمايل في الأوقات, ولها ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر, وكل من هذه الطيور الفضية والذهبية يصفر ويهدر, وفي جانب دار الشجرة تماثيل خمسة عشر فارسا على خمسة عشر فارسا قد ألبسوا الديباج وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد, كأن كل واحد منهم يقصد صاحبه, ثم أدخل إلى القصر المعروف بالفردوس فكان فيها من آلت السلاح ما يحصى, ثم أخرج من قصر إلى قصر – في دار الخلافة نفسها - حتى بلغ ما طافه ثلاثة وعشرون قصرا إلى أن عادوا إلى مجلس المقتدر بالله مرة أخرى بعد ما استراحوا سبع مرات. ومما ما زاره رسول ملك الروم في دار الخلافة دار الوحوش وفيها مختلف أنواع الحيوان المستأنسة والمتوحشة, ودار الفيلة وفيها أربعة فيلة على كل فيل ثمانية نفر من الهنود, ودار السباع وفيها مائة سبع, خمسون يمينا وخمسون يسارا, كل سبع منها في يد سباع وفي رؤوسها وأعناقها السلاسل والحديد. ولا ريب أن رسول ملك الروم قد بلغت الدهشة في نفسه مبلغها حين رأى عظمة دار الخلافة, فما في الدنيا يومئذ دار كهذه الدار التي رآها, وحسبنا هذا الذي ذكرناه لندرك روعة حضارتنا في إبان عظمتها وقوتها.