You are here

مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا-2

kadernb's picture
في معركة أُحد قُتل أسد الله حمزة، عم النبي وأشهر أبطال العرب، قتله رجل يقال له وحشي، بتحريض من هند زوج أبي سفيان. ولما خر البطل، أخذت هند تفتش عن قلب حمزة حتى احتزته، ثم مضغته مبالغة في التشفي والانتقام! ثم أسلمت هند وأسلم وحشي. فماذا كان من رسول الله؟ لم يزد على أن استغفر لهند، وقبل إسلام وحشي وقال له: إن استطعت أن تعيش بعيداً عنا فافعل. هذا كل ما كان من رسول الله مع قاتل عمه حمزة ومع ماضغة قلبه!
ورأى في بعض حروبه امرأة من الأعداء مقتولة، فغضب وأنكر وقال: ألم أنهكم عن قتل النساء؟ ما كانت هذه لتقاتل. هذا هو رسول الله المحارب يطبق مبادئه الإنسانية وهو يخوض الغمار ويقود الكتائب.  ولما فتح مكة ودخلها الرسول ظافراً على رأس عشرة آلاف من أبطاله وجنوده، واستسلمت قريش، ووقفت تحت قدميه على باب الكعبة، تنتظر حكم الرسول عليها بعد أن قاومته إحدى وعشرين سنة .. ما زاد صلى الله عليه وسلم على أن قال: يا معشر قريش: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟
قالوا خيراً: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. إذهبوا فأنتم الطلقاء .. إنه أيها الناس محمد الرسول معلم الإنسانية الخير، لا القائد السفاح الذي يسعى لمجده وسلطانه فتسكره نشوة النصر.
وسيرة أصحابه وخلفائه من بعده في حروبهم وفتوحاتهم كانت قبساً من هذا النور، وسيراً في هذا الطريق، وتنفيذاً لتلك المبادئ، لم يفقدوا أعصابهم في أشد الأوقات حرجاً، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات انتصاراً.
ثار بعض سكان لبنان على عاملها علي بن عبد الله بن عباس، فحاربهم وانتصر عليهم، ورأى من الحكمة أن يفرقهم ويجلي فريقاً منهم عن ديارهم إلى أماكن. أخرى، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله اليوم حاكم في أرقى الأمم، فما كان من الإمام الأوزاعي، إمام الشام ومجتهدها وعالمها، إلا أن كتب إلى والي لبنان رسالة ينكر عليه ما فعل، من إجلاء بعض اللبنانيين عن قراهم، ومعاقبة من لم يشترك في الثورة كمن اشترك فيها. فما كان من والي لبنان إلا أن ردهم إلى قراهم معززين مكرمين!    ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدراً بغير حق. فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا. فنصب لهم الوالي (جميع بن حاضر الباجي) قاضياً ينظر في شكواهم، فحكم القاضي وهو مسلم، بإخراج المسلمين! على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقاً لمبادئ الحرب الإسلامية، حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة. فلما رأى ذلك أهل سمرقند، رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها! قالوا: هذه أمة لا تحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة. فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يقيم المسلمون بين.  أظهرهم.
ولما فتحت جيوشنا الظافرة دمشق وحمص وبقية المدن السورية، وأخذوا من أهلها مبالغ من المال صلحاً لقاء حمايتهم والدفاع عنهم، رأى قادتنا بعد أن جمع هرقل لهم الجموع لينازلهم في معركة فاصلة، أن يخلوا المدن المفتوحة ويتجمعوا في مكان واحد ينازلون به الروم مجتمعين. وخرج جيشنا من حمص ودمشق والمدن الأخرى، وجمع خالد أهل حمص وأبو عبيدة أهل دمشق، وغيرهما من القادة أهل المدن الأخرى وقالوا لهم: إنا كنا قد أخذنا منكم أموالاً على أن نحميكم وندافع عنكم، ونحن الآن خارجون عنكم لا نملك حمايتكم، فهذه أموالكم نردها إليكم! فقال أهل المدن: ردكم الله ونصركم، والله لحكمكم وعدلكم أحب إلينا من جور الروم وظلمهم. والله لو كانوا مكانكم لما دفعوا إلينا شيئاً أخذوه، بل كانوا يأخذون.  معهم كل شيء يستطيعون حمله!
وفي حروب التتار في بلاد الشام، وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفكّ أسرهم، فأجابه الأمير إلى فك أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال له: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة.  حين وصل الصليبيون في الحملة الثانية إلى معرة النعمان حاصروها حتى اضطر أهلها للاستسلام، بعد أن أخذوا من رؤساء الحملة عهوداً مؤكدة بالمحافظة على النفوس والأموال والأعراض. فما كادوا يدخلونها حتى ارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان. وقدّر بعض المؤرخين الإفرنج الذين كانوا في هذه الحملة عدد الذين قتلوهم بين رجال ونساء وأطفال بمائة ألف! ثم تابعوا سيرهم إلى بيت المقدس، وشددوا الحصار على أهلها، ورأى أهلها أنهم مغلوبون لا محالة فطلبوا من قائد الحملة (طنكرد) الأمان على أنفسهم وأموالهم. فأعطاهم رايته يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجأون إليه آمنين على كل شيء. ودخلوا المدينة بعد ذلك، فيا لهول المجزرة، ويا لقسوة الإجرام! .. لجأ سكان القدس إلى الأقصى الذي رفعوا فوقه راية الأمان، حتى إذا امتلأ بمن فيه من شيوخ وأطفال ونساء ذُبحوا ذبح النعاج، فسالت الدماء في المعبد حتى ارتفعت إلى ركبة الفارس. وطهرت المدينة بذبح كل من فيها تماماً، حتى كانت شوارعها تعج بالجماجم المحطمة والأذرع والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة. ويذكر مؤرخونا أن عدد الذين ذبحوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً! منهم جماعة كبيرة من الأئمة والعباد والزهاد فضلاً عن النساء والأطفال. ولا ينكر مؤرخو الفرنج.  هذه الفظائع، وكثير منهم يتحدثون عنها فخورين!
وبعد ٩٠ سنة من هذه المجزرة فتح صلاح الدين بيت المقدس فماذا فعل؟ لقد كان فيها ما يزيد على مائة ألف غربي بذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يوماً، فجلى منها أربعة وثمانون ألفاً لحقوا بإخوانهم في عكا وغيرها، ثم أطلق كثيراً من الفقراء من غير الفدية. وأدى أخوه الملك العادل الفدية عن ألفي رجل منهم. وعامل النساء معاملة لا تصدر عن أرقى ملك منتصر في العصر الحديث. ولما أراد البطريرك الإفرنجي أن يخرج، سمح له بالخروج ومعه من أموال البِيَع والصخرة والأقصى والقيامة ما لا يعلمه إلا الله.
واقترح بعض حاشية صلاح الدين عليه أن يأخذ ذلك المال العظيم، فأجابه السلطان: (لا أغدر به) ولم يأخذ منه إلا ما كان يأخذه من كل فرد. ومما يزيد في روعة هذا العمل الإنساني الذي عمله صلاح الدين في فتح بيت المقدس، أنه أرسل مع جماهير الغربيين الذين نزحوا من القدس لينضموا إلى إخوانهم من يحميهم ويوصلهم إلى أماكن الصليبيين في صور وصيدا بأمان، مع أنه لا يزال في حرب معهم!   إن قصة صلاح الدين مع الغربيين في الحروب الصليبية تشبه الأساطير. ولولا أن الغربيين أنفسهم لا يكاد ينتهي عجبهم من نبل هذا البطل الخالد وسمو أخلاقه، لكان مجال لاتهام مؤرخينا بالمبالغة. والغربيون أنفسهم هم الذين يذكرون عن صلاح الدين.   أنه بلغه مرض ريتشارد قلب الأسد - أكبر قواد الحملات الصليبية وأشجعهم - فأرسل إليه صلاح الدين طبيبه الخاص يحمل إليه العلاج والفواكه التي لا يمكن أن يحصل عليها ذلك القائد الصليبي. هذا والحرب بينهما مستعرة، وجيشاهما في صراع! وهم الذين يذكرون أن امرأة غربية ألقت بنفسها على خيمة السلطان صلاح الدين تبكي وتولو وتشكو إليه أن اثنين من جنود جيشه خطفا لها ولدها، فبكى صلاح الدين وأرسل من يفتش عن الولد حتى وجدوه وسلّم إليها. وأرسلت بحراسة الجيش إلى معسكرها آمنة مطمئنة، فماذا يقول قائل بعد هذا؟ ..
ولما فتح السلطان محمد الثاني القسطنطينية، دخل إلى كنيسة آيا صوفيا، وكان قد لجأ إليها رجال الكنيسة، فأحسن استقبالهم وأكد حمايته لهم، وطلب من المسيحيين الفزعين الموجودين فيها أن يذهبوا إلى بيوتهم آمنين. ثم نظم شؤون المسيحيين، فترك لهم حق اتباع كنائسهم الخاصة، وقوانينهم المالية، وتقاليدهم المتعلقة بأحوالهم الشخصية. وترك للقساوسة انتخاب بطريرك لهم، فانتخبوا (جناديوس) واحتفل السلطان بانتخابه بنفس الأبهة التي كانت متبعة في عهد البيزنطيين، وقال له: لتكن بطريركاً على صداقتي في.   كل وقت وظرف، ولتتمتع بكل الحقوق والامتيازات التي كانت لمن سبقك. ثم أهداه فرساً جميلاً، وجعل له حرساً خاصاً من الإنكشارية (وهم حرس السلطان الخاص) وصحبه (باشاوات) الدولة إلى المكان الذي أعد له، ثم أعلن السلطان الفاتح اعترافه بقوانين الكنيسة الأرثوذكسية، ووضعها تحت رعايته، وجمعت واشتريت كل آثار القديسيين ومخلفاتهم التي نهبت يوم الفتح، وسلمت إلى الكنائس والأديرة!   
ولا أريد أن أفيض في المقارنة بين أخلاق الفاتحين المسلمين في الأندلس، وحسن معاملتهم للمغلوبين، ورحمتهم بهم ورعايتهم لشعورهم، وبين ما فعله الإسبان حين استولوا على غرناطة (آخر مملكة للإسلام في الأندلس)، بعد أن أعطوا المسلمين، بضعاً وستين عهداً باحترام ديانتهم ومساجدهم وأموالهم وأغراضهم، ولكنهم لم يرعوا عهداً، ولم يفوا بذمة، ولم يعفوا عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح وسلب.    وبعد .. فلماذا نذهب بعيداً وهذه أخلاق الغربيين المستعمرين في الحربين العالميتين وآثار قسوتهم فيها، وها هي أخلاقهم في الشرق العربي والإسلامي، ناطقة على مدى القسوة التي تتصف بها ضمائرهم الرفق بالحيوان
وهو موضوع طريف في صدد الحديث عن روائع حضارتنا، وإن لم يكن غريباً بالنسبة إلى العصر الذي نعيش فيه. فقد كانت الإنسانية حتى العصر الحديث لا ترى أن للحيوان نصيباً من الرفق، أو حظاً من الرحمة. ولا تزال بعض الأمم المعاصرة تتلهى بقتل الحيوان في أعيادها ومجال أفراحها ورياضتها. وهنا تبرز حضارتنا في مبادئها وواقعها بثوب من الرحمة والشعور الإنساني المرهف لم تلبسه حضارة من قبلها، ولا أمة من بعدها حتى اليوم. ذلك هو الرفق بالحيوان والرحمة به، رحمة تلفت النظر وتدعو إلى العجب والدهشة، وإليكم بعض الأحاديث عن هذا.
أول ما تعلنه مبادئ حضارتنا في مجال الرفق بالحيوان، أن تقرر أن عالم الحيوان كعالم الإنسان له
في حروبهم وحكمهم، وعلى مدى النفاق الذي بلغوه حين يعلنون في المحافل الدولية إنسانيتهم ورحمتهم، وهم في حروبهم ومستعمراتهم والبلدان الخاضعة لحكمهم يعلنون وحشيتهم وضراوتهم. ولئن كان بعض الناس يعتذر عن فظائع الغربيين في القرون الوسطى بأنهم قوم لم تهذبهم المدنية بعد، فما هو عذرهم الآن وهم أرباب الحضارة.   وأساتذة الدنيا في العلوم والفنون والمخترعات؟ إن المسألة في رأينا مسألة طبع أصيل يغلب كل تطبع وتصنع. لعمري ما نحن وهم إلا كما قال الشاعر:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وما عجب هذا التفاوت بيننا ... فكل إناء بالذي فيه ينضح

 

خصائصه وطبائعه وشعوره: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (١). فله حق الرفق والرحمة كحق الإنسان (الراحمون يرحمهم الرحمن) (٢). (من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة) (٣). بل إن الرحمة بالحيوان قد تُدخِل صاحبها الجنة: (بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله تعالى له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبدٍ رطبة) (٤).
كما أن القسوة على الحيوان تدخل النار (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) (٥).
 
وتمضي الشريعة في تشريع الرحمة بالحيوان، فتحرم المكث طويلاً على ظهره وهو واقف فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي) (١). وتحرم إجاعته وتعريضه للضعف والهزال. فقد مرّ عليه السلام ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة) (٢). كما تحرم إرهاقه بالعمل فوق ما يتحمل. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دموعه، ثم قال: من صاحب هذا الجمل؟ فقال صاحبه: أنا يا رسول الله، فقال له عليه الصلاة والسلام: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه) (٣) (أي تتعبه بكثرة استعماله).
كما تحرم التلهي به في الصيد (من قتل عصفوراً عبثاً، عج إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة) (٤). واتخاذه هدفاً لتعليم
 
الإصابة، فقد (لعن رسول الله من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً) (١) (أي هدفاً) وتنهى عن التحريش بين الحيوانات ووسمها في وجوهها بالكي والنار (أي كيها لتعلم من بين الحيوانات الأخرى) فقد مرّ الرسول على حمار قد وسم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه (٢). أما إذا كان الحيوان مما يؤكل، فإن الرحمة به أن تُحدّ الشفرة، ويسقي الماء ويراح بعد الذبح قبل السلخ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحّد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (٣). بل إن إضجاع الحيوان للذبح قبل إحداد الشفرة قسوة لا تجوز، أضجع رجل شاة للذبح وهو يحد شفرته، فقال له عليه السلام: (أتريد أن تميتها موتتان؟ هلاّ أحددت شرفتك قبل أن تضجعها) (٤).
واسمعوا ما أروع هذه الرحمة بالحيوان وأبلغ دلالتها على روح حضارتنا. قال عبد الله بن مسعود: (كنا
 
.مع رسول الله في سفر، فرأينا حمّرة (طير يشبه العصفور) معها فرخان لها، فأخذناهما فجاءت الحمّرة تعرّش (ترفرف بجناحيها)، فلما جاء رسول الله قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن، قال إنه لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلى رب النار) (١).
وعلى ضوء هذه التعاليم يقرر الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لا يخطر بالبال. فهم يقررون أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه، أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه، أو ذبحه إذا كان مما يؤكل 
 
هذه هي مبادئ الرفق بالحيوان في حضارتنا وتشريعنا. فكيف كان الواقع التطبيقي لها؟
بينما رسول الله في بعض سفره، إذ سمع امرأة من الأنصار تلعن ناقة لها وهي تركبها، فأنكر ذلك عليها وقال: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة)، وأخذت الناقة وتركت تمشي في الناس لا يعرض لها أحد (١).
مرّ عمر برجل يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً".
وهكذا كان طابع حضارتنا رفقاً بالحيوان وعناية به من قبل الدولة والمؤسسات الاجتماعية.
أما عناية الدولة فليس أدلّ على ذلك من أن خلفاءها كانوا يذيعون البلاغات العامة على الشعب
 
..يوصونهم فيها بالرفق بالحيوان ومنع الأذى عنه والإضرار به.
فقد أذاع عمر بن العزيز في إحدى رسائله إلى الولاة أن ينهوا الناس عن ركض الفرس في غير حق.
وكتب إلى صاحب السكك (وهي وظيفة تشبه مصلحة السير) أن لا يسمحوا لأحد بإلجام دابته بلجام ثقيل أو أن ينخسها بمقرعة في أسفلها حديدة.
وكان من وظيفة المحتسب (وهي وظيفة تشبه في بعض صلاحياتها وظيفة الشرطي في عصرنا الحاضر) أن يمنع الناس من تحميل الدواب فوق ما تطيق، أو تعذيبها وضربها أثناء السير، فمن رآه يفعل ذلك أدّبه وعاقبه.
وأما المؤسسات الاجتماعية فقد كان للحيوان.   منها نصيب كبير. وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاف القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً لرعي الحيوانات المُسنة العاجزة.
وهذا كله يدلك على روح الشعب الذي بلغ من الرفق بالحيوان إلى هذا الحد، وهو ما لا تجد له مثيلاً. ولعل أصدق مثال عن روح الشعب في ظل حضارتنا، أن ترى صحابياً جليلاً كأبي الدرداء يكون له بعير فيقول له عند الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك.
وأن صحابياً كعدي بن حاتم كان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن علينا حق.
وأن إماماً كبيراً كأبي إسحاق الشيرازي كان يمشى في طريق ومعه بعض أصحابه، فعرض له كلب فزجره.   صاحبه فنهاه الشيخ وقال له: أما علمت أن الطريق مشترك بيننا وبينه؟
ولا نستطيع أن نقدر هذه الظاهرة البارزة في حضارتنا وموقفها الإنساني الكريم مع الحيوان، إلا إذا علمنا كيف كان يعامل الحيوان في العصور القديمة والوسطى، وكيف كان موقف الأمم منه من جناياته وتعذيبه.
وأول ما يلفت النظر في ذلك أنك لا تجد في تعاليم تلك الشعوب ما يحمل على الرفق بالحيوان ووجوب الرحمة به. ومن ثم فلا تجد له حقوقاً على صاحبه من نفقة ورعاية.
ويلفت النظر بعد ذلك أخذ الحيوان بجنايته إذا جنى أو جنى صاحبه، ومعاملته في المسؤولية كمعاملة الإنسان العاقل المفكر! وهذا أغرب ما تضمنه تاريخ العصور القديمة والوسطى حتى القرن التاسع عشر. فقد كان الحيوان يحاكم فيها كما يحاكم الإنسان. ويحكم عليه بالسجن والتشريد والموت كما يحكم على الإنسان الجاني تماماً!   وبعد فهذا هو موقف حضارتنا من الحيوان وموقف غيرنا من الأمم منه. ومنها يتضح.  أن حضارتنا امتازت بأمرين لا مثيل لهما عند الأمم القديمة وبعض الأمم الحديثة اليوم.
أولهما- إقامة مؤسسات اجتماعية للعناية بالحيوان وتطبيبه وتأمين معيشته عند العجز والمرض والشيخوخة.
ثانيهما- أن حضارتنا خلت من محاكمة الحيوان لأنها نادت برفع المسؤولية الجنائية عنه قبل ثلاثة عشر قرناً من مناداة الحضارة الحديثة بذلك. كما أن حضارتنا خلت من مظاهر القسوة والتحريش بين الحيوانات، وهي التي كانت معترفاً بها رسمياً لدى اليونان والرومان، ولا تزال معترفاً بها في إسبانيا حيث تقام الحفلات الكبرى لمصارعة الثيران، وهي بلا شك وحشية من بقايا وحشية الغربيين القدماء وفي العصور الوسطى .. وقد تنزهت عنها حضارتنا.   المؤسسات الخيرية
ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة واستحقاقها لقيادة العالم، من سمو النزعة الإنسانية في أفرادها، سمواً يفيض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان، وبهذا المقياس تخلد حضارات الأمم. وبآثارها في هذا السبيل يفاضل بين حضارتها ومدنياتها.
وأمتنا بلغت في ذلك الذروة التي لم يصل إليها شعب من قبلها على الإطلاق، ولم تلحقها من بعدها أمة حتى الآن: أما في العصور الماضية، فلم تعرف الأمم والحضارات ميالين للبر إلا في نطاق ضيق لا يتعدى المعابد والمدارس، وأما في العصور الحاضرة، فإن أمم الغرب وإن بلغت الذروة في استيفاء الحاجات الاجتماعية وعن طريق المؤسسات الاجتماعية وعن طريق
المؤسسات العامة، لكنها لم تبلغ ذروة السمو الإنساني الخالص لله عز وجل كما بلغته أمتنا في عصور قوتها ومجدها، أو عصور ضعفها وانحطاطها. إن لطلب الجاه أو الشهرة أو انتشار الصيت أو خلود الذكر، الأثر الأكبر في اندفاع الغربيين نحو المبرات الإنسانية العامة، بينما كان الدافع الأول لأمتنا على أعمال الخير، ابتغاء وجه الله جل شأنه، سواء علم الناس بذلك أم لم يعلموا ..
وشيء آخر: أن الغربيين في مؤسساتهم الاجتماعية كثيراً ما يقتصر الانتفاع بها على أبناء بلادهم، أو مقاطعاتهم، بينما كانت مؤسساتنا الاجتماعية تفتح أبوابها لكل إنسان على الإطلاق، بقطع النظر عن جنسه أو لغته أو بلده أو مذهبه ..
وفارق ثالث: أننا أقمنا مؤسسات اجتماعية لوجوه من الخير والتكافل الاجتماعي لم يعرفها الغربيون حتى.     اليوم، وهي وجوه تبعث على العجب والدهشة، وتدل على أن النزعة الإنسانية في أمتنا كانت أشمل وأصفى وأوسع أفقاً من كل نزعة إنسانية لدى الأمم الأخرى. وقبل أن نفيض في الحديث عن تعدد وجوه البر في المؤسسات الاجتماعية في عصور حضارتنا يجب أن نلم بمبادئ حضارتنا في هذا الميدان، وهي المبادئ التي عملت عملها في نفوس أمتنا فدفعتها إلى إنشاء هذه المؤسسات دفعاً لا نعرف له مثيلاً في أمم أخرى.
ينادي الإسلام بالدعوة إلى الخير نداء تنهزم معه النفس الإنسانية بواعث الشح ووسوسة الشيطان في التخويف من الفقر، فيقول القرآن بعد الحث على الإنفاق: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (١).
ويعمم الدعوة إلى الخير على كل مقتدر، بل كل إنسان، فقيراً كان أو غنياً.
ولقد كان مما شكاه الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء يسبقونهم في فعل.    الخيرات إذ يتصدقون بأموالهم ولا يجد هؤلاء الفقراء ما يتصدقون به، فبيّن الرسول عليه السلام أن فعل الخير ليست وسيلته المال فحسب، بل كل نفع للناس فهو من عمل الخير: (إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن تصلح بين اثنين صدقة، وأن تعين الرجل على دابته فتحمله عليها صدقة) (١). وهكذا يفتح الإسلام أبواب الخير للناس جميعاً.



ويسمو الإسلام بالنفوس إلى أعلى أفق من النزعة الإنسانية الكاملة حين يجعل البر لجميع عباد الله مهما كانت أديانهم ولغاتهم وأوطانهم وأجناسهم فيقول: (الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليهم أنفعهم لعياله) (٢).
.لما نزل قول الله تبارك وتعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (١). قال صحابي يسمى أبا الدحداح: أو يستقرض الله من عبده يا رسول الله؟! قال: نعم، فقال: أمدد يا رسول الله يدك، فأشهده أنه تصدق ببستانه الذي لا يملك غيره، وكان فيه سبعمائة نخلة مثمرة، ثم عاد إلى زوجه، وكانت تقيم هي وأولادها في هذا البستان، فأخبرها بما صنع، وغادرت هي وأولادها البستان وهي.    تقول له: ربح بيعك يا أبا الدحداح .. ولما نزل قول الله تبارك وتعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (١). قال أبو طلحة الأنصاري: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء - وهي بئر طيبة الماء - وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تبارك وتعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال عليه السلام: (بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، حبّس الأصل وسبّل الثمرة) (٢). وكانت هذه الصدقة أول وقف في الإسلام .. ومن هنا نشأ (الوقف)، وهو الذي كان يمد كل المؤسسات الاجتماعية بالموارد المالية التي تعينها على أداء رسالتها الإنسانية النبيلة.
 كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعاً تنشئة الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعاً ينشئه الأفراد من أمراء وقواد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدد أنواع المؤسسات الخيرية كلها، ولكن حسبنا أن نلمّ بأهمها:
فمن أول المؤسسات الخيرية المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك.    من أموال بالغة على بناء الجامع الأموي، مما لا يكاد يصدقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال وما استخدم في إقامته من رجال.
ومن أهم المؤسسات الخيرية المدارس والمستشفيات، وسنفرد لها حديثاً خاصاً إن شاء الله.
ومن المؤسسات الخيرية بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر، ومنها التكايا والزوايا التي ينقطع فيها من شاء لعبادة الله عز وجل، ومنها بناء بيوت خاصة للفقراء يسكنها من لا يجد ما يشتري به أو يستأجر داراً، ومنها السقايات أي تسبيل الماء في الطرقات العامة للناس جميعاً، ومنها المطاعم الشعبية التي كان يفرق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريباً بهذا النوع في كل من تكية السلطان سليم، وتكية الشيخ محيي الدين بدمشق، ومنها بيوت للحجاج في مكة ينزلونها حين يفدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمت أرض مكة كلها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج لأنها كلها موقوفة على الحجاج، ومنها حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين،، فقد كانت كثيرة جداً بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين.     عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقراها، حتى قل أن يتعرض المسافرون - في تلك الأيام - لخطر العطش. ومنها أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة خطر الغزو الأجنبي على البلاد، فقد كانت هنالك مؤسسات خاصة بالمرابطين في سبيل الله، يجد فيها المجاهدون كل ما يحتاجون إليه من سلاح وذخيرة وطعام وشراب، وكان لها أثر كبير في صد غزوات الروم أيام العباسيين، وصد غزوات الغربيين في الحروب الصليبية عن بلاد الشام ومصر.
ويتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله عز وجل، وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصناعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا - أيام الهدنة - ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء، فانظر كيف انقلب الأمر الآن فأصبحنا عالةً على الغربيين في السلاح لا يسمحون لنا به إلا بشروط تقضي على كرامتنا واستقلالنا.  ومن المؤسسات الاجتماعية ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر يتبرع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم، أما المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجباً من العجب، فهناك مؤسسات للقطاء واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضاً.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم،.    ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم.
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور .. فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية نقطة الحليب عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله عز وجل، وقد كان من مبرات صلاح الدين أنه جعل في أحد أبواب القلعة - الباقية حتى الآن في دمشق - ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات.   التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفاً للخيول والحيوانات العاجزة المسنة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.
أما بعد، فهذه ثلاثون نوعاً من أنواع المؤسسات الخيرية التي قامت في ظل حضارتنا، فهل تجد لها مثيلاً في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد لكثير منها مثيلاً في ظل الحضارة الراهنة؟ .. اللهم إنه سبيل الخلود تفردنا به وحدنا يوم كانت الدنيا كلها في غفلة وجهل وتأخر وتظالم .. اللهم إنه سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المعذبة أوصابها وآلامها .. فما هو سبيلنا اليوم؟ أين هي تلك الأيدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعاً متراصاً، ينعم فيه الناس جميعاً بالأمن والخير والكرامة والسلام.؟ ..   المدارس والمعاهد العلمية
أما المدارس، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء من قادة وعلماء وتجار وملوك وأمراء، فقد بلغت من الكثرة حدا بالغا، وحسبك أن تعلم أنه لم تخل مدينة ولا قرية، في طول العالم الإسلامي وعرضه، من مدارس متعددة يُعلِّم فيها عشرات من المعلمين والمدرسين.
كان المسجد هو النواة الأولى للمدرسة في حضارتنا، فلم يكن مكان عبادة فحسب بل كان مدرسة يتعلم فيها المسلمون القراءة والكتابة والقرآن وعلوم.   الشريعة واللغة وفروع العلوم المختلفة، ثم أقيم بجانب المسجد الكتاب، وخصص لتعليم القراءة والكتابة والقرآن وشيئ من علوم العربية والرياضة، وكان الكتّاب يشبه المدرسة الابتدائية في عصرنا الحاضر، وكان من الكثرة حيث عدّ ابن حوقل ثلاثمائة كتّاب في مدينة واحدة من مدن صقلية. وكان من الاتساع أحيانا بحيث يضم الكتّاب الواحد مئات وآلافاً من الطلاب. ومما يذكر في تاريخ أبي القاسم البلخي أنه كان له كتّاب يتعلم به ثلاثة آلاف تلميذ.
ثم قامت المدرسة بجانب الكتّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. كان التعليم فيها مجانا ولمختلف الطبقات.
وكانت الدراسة فيها قسمين: قسما داخليا للغرباء والذين لا تساعدهم.  أحوالهم المادية علي أن يعيشوا علي نفقات آبائهم، وقسما خارجياً لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضا، يهيأ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالعة والعبادة .. وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي علي مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام. وكانت بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنية في الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرت العالم الإسلامي كله، ففي دمشق لا تزال المدرسة النورية التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخياطين، ولا تزال قائمة تعطينا نموذجا حيا لهندسة المدارس في عصور الحضارة الإسلامية، لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأعجب بها وكتب عنها. ونجد مثلها في حلب في مدارس الشعبانية والعثمانية والخسروية، حيث لا يزال فيها للطلاب غرف يسكنونها وقاعات للدراسة، وقد كانوا من قبل يأكلون فيها، ثم عدل عن ذلك إلى راتب معلوم في آخر كل شهر يعطى للطلاب المنتسبين إليها.    وأظهر مثال لهذه المدارس الجامع الأزهر، فهو مسجد تقام في أبهائه حلقات للدراسة، تحيط به من جهاته المتعددة غرف لسكن الطلاب تسمى بالأروقة، يسكنها طلاب كل بلد بجانب واحد، فرواق للشاميين، ورواق للمغاربة، ورواق للأتراك، ورواق للسودانيين، وهكذا ..
وجدير بنا ونحن نتحدث عن المدارس أن نتحدث عن المدرسين وأحوالهم ورواتبهم، لقد كان رؤساء.   المدارس من خيرة العلماء وأكثرهم شهرة، وإنّا لنجد في تاريخ مشاهير العلماء المدارس التي درسوا فيها، فالإمام النووي وابن الصلاح وأبو شامة وتقي الدين السبكي وعماد الدين بن كثير وغيرهم ممن كانوا يدرسون في دار الحديث بدمشق، والغزالي والشيرازي وإمام الحرمين والشاسي والخطيب والتبريزي والقزويني والفيروز أبادي وغيرهم ممن كانوا يدرسون في المدرس النظامية ببغداد، وهكذا .. ولم يكن المدرسون في صدر الإسلام يأخذون أجرا على تعليمهم حتى إذا امتد الزمن واتسعت الحضارة وبنيت المدارس وأوقف لها الأوقاف جعل للمدرسين فيها رواتب شهرية.  ولم يكن يجلس للتدريس إلا من شهد له الشيوخ بالكفاءة. وقد كان الأمر في عصر الإسلام الأول أن يسمح الشيخ للتلميذ بالانفصال عن حلقته وإنشاء حلقة خاصة، أو أن يعهد برئاسة الحلقة إليه بعد وفاته، فإن فعل غير ذلك كان محل نقد وتعرض للأسئلة الشديدة المحرجة ..  هكذا كان الأمر. فلما أنشئت المدارس جُعل للمتخرجين فيها إجازات علمية يعطيها شيخ المدرسة، وهي تشبه الإجازات العلمية في عصرنا، ولم يكن يسمح للأطباء بممارسة الطب إلا بعد نوال هذه الشهادة من كبير أطباء المدرسة.
وكان للمدرسين شعار خاص يفضلهم عن غيرهم من أرباب المهن. كان شعارهم في عهد أبي يوسف عمامة سوداء وطيلسانا، وشعارهم في عهد الفاطميين عمامة خضراء وكسوة مذهبة تتكون من ست قطع، أهمها القلنسوة والطيلسان. أما الجبة واختصاص العلماء والمدرسين بها فقد بدأ ذلك في عهد الأمويين. وكانت ملابسهم في الأندلس تختلف قليلاً عن ملابس العلماء والمدرسين في المشرق ..   وقد أخذ الغربيون عن مدرسي الأندلس زيهم، فكان هو أصل الزي العلمي المعروف الآن في الجامعات الأوروبية.
وكان للمعلمين نقابة كنقابة الطالبيين، ونقابة الأشراف ونقابات بعض الحرف والمهن الصناعية في تلك العصور، وكان جماعة المدرسين هم الذين يختارون النقيب، وما كان يتدخل السلطان إلا إذا وقع خلاف بين الأعضاء فيصلح بينهم.   كانت المدارس على هذا، وخاصة المعاهد العليا، تملأ مدن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ويذكر التاريخ بكثير من الإكبار والإعجاب نفرا من أمراء المسلمين كانت لهم اليد الطولى في إنشاء المدارس في مختلف الأمصار، منهم صلاح الدين الأيوبي، فقد أنشأ المدارس في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس، ومنهم نور الدين الشهيد الذي أنشأ في سورية وحدها أربعة عشر معهداً، منها ستة في دمشق، وأربعة في حلب، واثنان في حماه، واثنان في حمص، وواحد في بعلبك، ومنهم نظام الملك الوزير السلجوقي العظيم الذي ملأ بلاد العراق وخراسان بالمدارس حتى قيل فيه، إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة، وكان ينشئ المدارس حتى في الأماكن النائية، فقد أنشأ في جزيرة ابن عمرو مدرسة كبيرة حسنة، وكلما وجد في بلدة عالما قد تميز وتبحر في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفا وجعل فيها دار كتب. وقد كانت.   نظامية بغداد أولى المدارس النظامية وأهمها، درّس فيها مشاهير علماء المسلمين فيما بين القرن الخامس والتاسع الهجري، وقد بلغ عدد طلابها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، وكلهم يتعلمون بالمجان، وللطالب الفقير فوق ذلك شيء معلوم يتقاضاه من الريع المخصص لذلك.
وبجانب هؤلاء العظماء كان الأمراء والأغنياء والتجار يتسابقون في بناء المدارس والوقف عليها بما يضمن استمرارها وإقبال الطلاب عليها، وكثيرون جدا هم الذين جعلوا بيوتهم مدارس، وجعلوا ما فيها من كتب وما يتبعها من عقار وقفا على طلاب العلم الدارسين فيها.   وكانت المدارس متعددة الغايات، فمنها مدارس لتدريس القرآن الكريم وتفسيره وتحفيظه وقراءاته، ومنها مدارس للحديث خاصة، ومنها- وهي أكثرها- مدارس للفقه، لكل فقه مدارس خاصة به، ومنها مدارس للطب، ومنها مدارس للأيتام، وها هو النعيمي في كتابه (الدارس في تاريخ المدارس) - وهو من علماء القرن العاشر الهجري- يذكر لنا ثبتاً بأسماء مدارس دمشق وأوقافها، ومنه نعلم أنه كان في دمشق وحدها للقرآن الكريم سبع مدارس، وللحديث ست عشرة مدرسة، وللقرآن والحديث معا ثلاث مدارس، وللفقه الشافعي ثلاث وستون مدرسة، وللفقه الحنفي اثنتان وخمسون مدرسة، وللفقه المالكي أربع مدارس، وللفقه الحنبلي إحدى عشرة مدرسة، هذا عدا عن مدارس الطب والرباطات والفنادق والزوايا والجوامع، وكلها كانت مدارس يتعلم فيها الناس .. وإذا ذكرنا مع هذا ما كان عليه الغربيون في تلك العصور نفسها من جهالة مطبقة ومن أمية متفشية حتى لم يكن للعلم مأوى إلا أديرة الرهبان، وهي مقصورة على رجال الكهنوت فقط، أدركنا أية عظمة بلغتها أمتنا في أوج مجدها، وكم كانت حضارتنا رائعة في تاريخ المؤسسات الاجتماعية والمعاهد العلمية، وكم كان للإسلام من يد في نشر العلم، ورفع مستوى.    الثقافة العامة، وتيسير سبلها لسائر أبناء الشعب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة: (فيها كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد، ولم يُبنَ مدرسة قبلها مثلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة إثنان وستون فقيها، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد .. ) إلى أن قال: (ووقفت خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها، وجودة الكتب الموقوفة بها).    المستشفيات والمعاهد الطبية
من المبادئ التي قامت عليها حضارتنا، جمعها بين حاجة الجسم وحاجة الروح، واعتبارها العناية بالجسم، ومطالبه ضرورية لتحقيق سعادة الإنسان وإشراق روحه، ومن الكلمات المأثورات عن واضع أسس هذه الحضارة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لجسدك عليك حقاً) (١) ومن الملاحظ في عبادات الإسلام تحقيقها أهم غرض من أغراض علم الطب وهو حفظ الصحة (٢) فالصلاة والصيام والحج وما تتطلبه هذه العبادات من شروط وأركان وأعمال، كلها تحفظ للجسم صحته ونشاطه
 
وقوته، وإذا أضفنا إلى ذلك مقاومة الإسلام للأمراض وانتشارها، وترغيبه في طلب العلاج المكافح لها، علمت أسس قوية قام عليها بناء حضارتنا في ميدان الطب، ومبلغ ما أفاده العلم من حضارتنا في إقامة المشافي والمعاهد الطبية، وتخريج الأطباء الذين لا تزال الإنسانية تفخر بأياديهم على العلم عامة والطب خاصة.
عرف العرب مدرسة جنديسابور الطبية التي أنشأها كسرى في منتصف القرن السادس الميلادي وتخرج فيها بعض أطبائهم، كالحارث بن كلدة الذي عاش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشير على أصحابه بالتداوي عنده حين تنتابهم الأمراض. وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشئ أول مستشفى في الإسلام، وهو خاص بالمجذومين، وجعل فيه الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق. ثم تتابع إنشاء المشافي، وقد كانت تعرف باسم (البيمارستانات) أي دور المرضى.
وكانت المستشفيات نوعين: نوعاً متنقلاً، ونوعاً ثابتاً، أما المتنقل فأول ما عُرف في الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة الخندق، إذ ضرب خيمة للجرحى فلما أصيب سعد بن معاذ في أكحله (والأكحل عرق في الذراع يفصد) قال صلى الله عليه وسلم: إجعلوه في.     .خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب، وهو أول مستشفى حربي متنقل في الإسلام، ثم توسع فيه الخلفاء والملوك من بعد، حتى أصبح المستشفى المتنقل مجهزاً بجميع ما يحتاجه المرضى، من علاج وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكان ينقل من قرية إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة.
وأما المستشفيات الثابتة، فقد كانت كثيرة تفيض بها المدن والعواصم ولم تخل بلدة صغيرة في العالم الإسلامي يومئذ من مستشفى فأكثر، حتى أن قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى.
وتنوعت المستشفيات، فهناك مستشفيات للجيش.    يقوم عليها أطباء مخصوصون، عدا عن أطباء الخليفة والقواد والأمراء، وهناك مستشفيات للمساجين، يطوف عليهم الأطباء في كل يوم فيعالجون مرضاهم بالأدوية اللازمة.
وهناك محطات للإسعاف كانت تقام بالقرب من الجوامع والأماكن العامة التي يزدحم فيها الجمهور، ويحدثنا المقريزي أن ابن طولون حين بنى جامعه الشهير في مصر عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب (أي صيدلية أدوية) وفيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة، لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين.
وهناك المستشفيات العامة، التي كانت تفتح أبوابها لمعالجة الجمهور، وكانت تقسم إلى قسمين منفصلين بعضهما عن بعض: قسم للذكور، وقسم للإناث، وكل قسم فيه قاعات متعددة، كل واحدة منها لنوع من الأمراض، فمنها للأمراض الداخلية، ومنها للعيون، 
ومنها للجراحة، ومنها للكسور والتجبير، ومنها للأمراض العقلية، وقسم للأمراض الداخلية كان مقسماً إلى غرف أيضاً، فغُرف منها للحميّات، وغرف للإسهال، وغير ذلك، ولكل قسم أطباء عليهم رئيس، فرئيس للأمراض الباطنية، ورئيس للجراحين والمجبرين، ورئيس للكحالين (أي أطباء العيون)، ولكل الأقسام رئيس عام يسمى (ساعور) وهو لقب لرئيس الأطباء في المستشفى وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة، ولكل طبيب وقت معين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى. وفي كل مستشفى عدد من الفراشين من الرجال والنساء والممرضين والمساعدين، ولهم رواتب معلومة وافرة. وفي كل مستشفى صيدلية كانت تسمى (خزانة الشراب) فيها أنواع الأشربة والمعاجين النفسية، والمربيات الفاخرة، وأصناف الأدوية، والعطورات الفائقة التي لا توجد إلا فيها، وفيها من الآلات الجراحية والأواني الزجاجية وغير ذلك، وما لا يوجد إلا في خزائن الملوك.
وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضاً، ففي كل مستشفى إيوان كبير (قاعة كبيرة) للمحاضرات، يجلس فيه كبير الأطباء ومعه الأطباء والطلاب، وبجانبهم الآلات والكتب، فيقعد التلاميذ بين يدي معلمهم، بعد.   أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم، ثم تجري المباحث الطبية والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه، والقراءة في الكتب الطبية، وكثيراً ما كان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه إلى داخل المستشفى ليقوم بإجراء الدروس العلمية لطلابه على المرضى بحضورهم، كما يقع اليوم في المستشفيات الملحقة بكليات الطب، قال ابن أبي أصيبعة، وهو ممن درس الطب في البيمارستان النوري بدمشق: (كنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب الدين، والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وأنا معهم، أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعاين كيفية استدلاله على الأمراض وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم، وأبحث معه في كثير من الأمراض ومداواتها).
وكان لا يسمح للطبيب بالانفراد بالمعالجة حتى يؤدي امتحاناً أمام كبير أطباء الدولة، يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته، وهي من تأليفه أو تأليف أحد كبار علماء الطب، له عليها دراسات وشروح، فيمتحنه فيها ويسأله عن كل ما يتعلق بما فيها من الفن، فإذا أحسن الإجابة أجازه كبير الأطباء بما يسمح له بمزاولة مهنة الطب، وقد اتفق في عام ٣١٩هـ ٩٣١م في أيام الخليفة المقتدر أن بعض.   الأطباء أخطأ في علاج رجل فمات، فأمر الخليفة أن يمتحن جميع أطباء بغداد من جديد، فامتحنهم سنان بن ثابت كبير أطباء بغداد، فبلغ عددهم في بغداد وحدها ثمانمائة طبيب ونيفاً وستين طبيباً، هذا عدا عمن لم يمتحنوا من مشاهير الأطباء، وعدا عن أطباء الخليفة والوزراء والأمراء.
ولا يفوتنا أن نذكر أنه كان يلحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب الطب وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم، حتى قالوا: إنه كان في مستشفى ابن طولون بالقاهرة خزانة كتب تحتوي على ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم.
أما نظام الدخول إلى المستشفيات، فقد كان مجاناً للجميع، لا فرق بين غني وفقير وبعيد وقريب، ونابه وخامل، يُفحص المرضى أولاً بالقاعة الخارجية، فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج، ويصرف من صيدلية المستشفى، ومن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه، ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص، ثم يعطى له سرير مفروش بأثاث جيد، ثم يعطى الدواء الذي يعينه الطبيب، والغذاء.    الموافق لصحته، بالمقدار المفروض له، فإذا أصبح في دور النقاهة أُدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أُعطي بدلة من الثياب الجديدة، ومبلغاً من المال يكفيه إلى أن يصبح قادراً على العمل. وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه، وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكل مستشفى مفتشون على النظافة، ومراقبون للقيود المالية، وكثيراً ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد بنفسه المرضى، ويُشرف على حسن معاملتهم.
هذا هو النظام السائد في جميع المستشفيات التي كانت قائمة في العالم الإسلامي، سواء في المغرب أم المشرق .. في مستشفيات بغداد ودمشق والقاهرة والقدس ومكة والمدينة والمغرب والأندلس .. وسنقتصر في حديثنا على أربع مستشفيات في أربع مدن من عواصم الإسلام في تلك العصور:
الأول- المستشفى العضدي ببغداد: بناه عضد الدولة بن بويه عام ٣٧١هبعد أن اختار الرازي الطبيب المشهور مكانه بأن وضع أربع قطع لحم في أربع أنحاء ببغداد ليلاً، فلما أصبح وجد أحسنها رائحة.   في المكان الذي أقيم عليه المستشفى فيما بعد، فأقيم المستشفى وأنفق عليه مالاً عظيماً وجمع له من الأطباء أربعة وعشرين طبيباً، وألحق به كل ما يحتاج إليه من مكتبة علمية وصيدلية ومطابخ ومخازن. وفي عام ٤٤٩هجدّد الخليفة القائم بأمر الله هذا المستشفى، وجمع فيه من الأشربة والأدوية والعقاقير التي يعز وجودها كثيراً.
الثاني- المستشفى النوري الكبير بدمشق: أنشأه السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد سنة ٥٤٩هـ ١١٥٤م من مال أخذه فدية من أحد ملوك الفرنج، وكان حين بنائه من أحسن ما بُني من المستشفيات في البلاد كلها، شرط فيه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا اضطر الأغنياء إلى الأدوية التي فيه يسمح لهم بها، وكان الشراب فيه والدواء مباحاً لكل مريض يقصده.    وقد استمر هذا المستشفى يقوم بعمله العظيم حتى سنة ١٣١٧هـ، حيث أنشئ مستشفى الغرباء، وهو المستشفى الذي تشرف عليه الآن كلية الطب في الجامعة السورية، فأقفل المستشفى النوري، ثم استعمل مدرسة أهلية.
الثالث- المستشفى المنصوري الكبير: المعروف.  
بمارستان قلاوون، كان داراً لبعض الأمراء، فحوّلها الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى مستشفى عام ٦٨٣هـ ١٣٠٨م، وأوقف عليه ما يغل عليه ألف درهم في كل سنة، ألحق به مسجداً ومدرسة ومكتباً للأيتام. وأدى هذا المستشفى عمله الإنساني الجليل حتى أخبر أطباء العيون الذين عملوا فيه أنه كان يعالج فيه كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين أربعة آلاف نفس، ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يُعطى كسوة للباسه ودراهم لنفقاته حتى لا يضطر للإلتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه.   ومن أروع ما فيه أيضاً، النص في وقفيته على أن يُقدم طعام كل مريض بزبدية خاصة به من غير أن يستعملها مريض آخر، ووجوب تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشكل.   الرابع- مستشفى مراكش: وهو الذي أنشأه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف من ملوك الموحدين بالمغرب. تخيّر ساحة فسيحة في مراكش بأعدل موضع فيها، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه، وأمر أن يغرس فيه من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع بُرَكٍ في وسط إحداها رخام أبيض، ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره ما لا يوصف، وأقام فيه الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعدّ فيه للمريض ثياب ليل ونهار من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض، فإن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يشتغل، وإن كان غنياً دفع إليه ماله. ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كان.   من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج حتى يشفى أو يموت. وكان في كل جمعة يزوره ويعود المرضى ويسأل عن أحوالهم وعن معاملة الأطباء والممرضين لهم.
وبعد، فهذه نماذج أربعة من مئات المستشفيات التي كانت منتشرة في شرق العالم الإسلامي وغربه، يوم كانت أوروبة تتيه في ظلام الجهل ولا تعرف شيئاً من هذه المستشفيات ودقتها ونظافتها وسمو العاطفة الإنسانية فيها، وإليك ما قاله المستشرق الألماني ماكس مايرهوف عن حالة المستشفيات في أوروبا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا كما وصفناها .. قال الدكتور ماكس: (إن المستشفيات العربية ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درساً قاسياً مُرّاً لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوروبا في ذلك الزمن نفسه). مرّ أكثر من ثلاثة قرون على أوروبا، اعتباراً من زمننا هذا، قبل أن تعرف المستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر (١٧١٠م) والمرضى يعالجون في بيوتهم، أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوروبية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين، وأصدق مثال.    لذلك هو مستشفى (أوتيل ديو) بباريس، أكبر مستشفيات أوروبا في ذلك العصر، وصفه كل من ماكس توردو وتينون بما يلي:
(يحتوي المستشفى على ١٢٠٠ سريراً، منها ٤٨٦ خصصت لنفر واحد، أما الباقي - ولم تكن سعة الواحد منها تتجاوز خمسة أقدام - فتجد فيها عادة ما يتراوح بين ثلاثة مرضى وستة، وكانت الردهات الكبرى عفنة كثيرة الرطوبة، لا منافذ تهوية فيها، مظلمة دوماً، ترى فيها في كل حين حوالي ثمانمائة مريض يفترشون الأرض وهم مكدسون بعضهم فوق بعض، على القاع، أو على كوم من القش، في حالة يُرثى لها .. إنك لتجد في السرير ذي الحجم المتوسط أربعة أو خمسة أو ستة مرضى متلاصقين، قدم أحدهم على رأس الثاني، تجد أطفالاً بجانب شيوخ، ونساء بجانب رجال، (قد لا تصدق لكنها الحقيقة) تجد امرأة في المخاض مع طفل في حالة تشنج مصاب بالتيفوس يحترق في بحران الحمى، وكلاهما إلى جنب مريض بداء جلدي يحك جلده المهترئ بأظفاره الدامية فيجري قيح البثور على الأغطية. وطعام المرضى من أخس ما يتصوره العقل، يوزع عليهم بكميات قليلة للغاية، وفي فترات متباعدة لا نظام فيها. واعتادت الراهبات أن يحابين المرضى.    الطائعين المنافقين على حساب الآخرين، فيسقينهم الخمور، ويصلنهم بالحلوى والمآكل الدسمة مما يتفضل به المحسنون في الوقت الذي هم فيه أحوج إلى الحمية، فيموت الكثير منهم بالتخمة ويفطس غيرهم جوعاً. وكانت أبواب المستشفى مفتوحة في كل وقت وحين، ولكل رائح وغاد، وبهذا تنتشر العدوى بانتقالها، وبالفضلات وبالهواء النتن الملوث. وإن لم يتفضل المحسنون على المرضى ماتوا جوعاً، كما يموتون أحياناً بالتخمة أو من فرط السكر، والفرش حافلة بالحشرات الدنيئة وهواء الحجرات لا يُطاق لفساده، حتى أن الخدم والممرضين لم يكونوا يجرؤون على الدخول إلا بعد وضع إسفنجة مبللة بالخل على أنوفهم. وتترك جثث الموتى ٢٤ ساعة على الأقل قبل رفعها من السرير المشاع، وكثيراً ما تتفسخ الجثة وتتعفن وهي ملقاة بجانب مريض يكاد يطير صوابه).
هذه مقارنة بسيطة بين حالة المستشفيات عندنا في عهود حضارتنا، وحالتها عند الغربيين في تلك العصور، وهي تدل على مبلغ الانحطاط العلمي الذي كان عليه القوم، والجهل الفاضح بأصول المستشفيات، بل بقواعد الصحة العامة البديهية.    ونختم هذا الحديث بالنتائج التي نحب أن نلفت الأنظار إليها بعد هذه المقارنات، أننا في حضارتنا كنا أسبق.   من الغربيين في تنظيم المستشفيات بتسعة قرون على الأقل .. وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل لها في التاريخ، ولا يعرفها الغربيون حتى اليوم .. وأننا كنا أسبق الأمم إلى معرفة ما للموسيقى والأدب المضحك والإيحاء الذاتي من أمر بالغ في شفاء المرضى .. وأننا بلغنا في تحقيق التكافل الاجتماعي حداً لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجان، بل حين كنا نعطي الفقير الناقه من المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادراً على العمل .. إن هذه نزعة إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحضارة، فأين نحن منها اليوم، وأين منها هؤلاء الغربيون؟.   
المكتبات الخاصة والعامة
مما يتصل بالحديث عن المؤسسات الخيرية والعلمية في حضارتنا، الحديث عن المكتبات. فقد كانت مدارس للتعليم، ومؤسسات ينفق عليها الأمراء والأثرياء والعلماء، لينتشر العلم بين الناس، وخصوصاً في ذلك الزمن الذي لم تكن فيها الطباعة موجودة، وكانت الكتب تنسخ على أيدي نساخين متخصصين لهذا العمل. فكان يبلغ بذلك ثمن الكتاب حدّاً قد يتعذر على طالب العلم أو العالم الفقير شراؤه، فكيف إذا أراد أن تكون له مجموعة من الكتب في الفن أو العلم الذي يتخصص فيه؟ ومن هنا كان قيام المكتبات في مجتمعنا الماضي منبعثاً عن عاطفة إنسانية، وعن نزعة علمية في وقت واحد.
لعل الأدب العربي هو أغنى الآداب العالمية.  القديمة بالتغني بالكتاب والولع به والرغبة فيه والتحدث عنه، حتى لكأنه حبيب نأى مزاره وشطّت داره، فالقلوب إليه منصرفة وبه مولعة، قال أحمد بن إسماعيل: (الكتاب هو المسامر الذي يبتدئك في حال شغلك، ولا يدعوك في وقت نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والناصح الذي لا يستزلُّك). ولقد كانوا يفضلون مطالعة الكتب على غشيان الناس في مجالسهم، ويرون الأنس بها أقرب إلى القلب من الأنس بالخليفة أو ذي سلطان.   بهذه الروح العلمية شغف علماؤنا وأغنياؤنا وأمراؤنا بالكتب وجمعها، حتى أنهم كانوا يرون نكبتهم في أموالهم وبيوتهم أيسر عليهم من نكبتهم في كتبهم.
هجم الجنود مرة على دار ابن العميد بعد أن انتصروا على غلمانه وحراسه، ففر ابن العميد إلى دار الإمارة، فوجد أن خزائنه جميعها قد نهبت، حتى أنه لم يجد ما يجلس عليه، ولا وجد كُوزاً يشرب فيه الماء، واشتغل قلبه بدفاتره وكتبه، ولم يكن شيء أعز عليه منها، وكانت كثيرة تشمل جميع العلوم، وكل نوع من أنواع الحكم والأدب، تحمل على مائة بعير فأكثر، فلما رأى ابن العميد خازن مكتبته سأله عنها فأجابه: هي بحالها لم تمسها يد، فسرّي عن ابن العميد، وقال لخازنه: أشهد أنك ميمون النقيبة، أما سائر الخزائن فيوجد عنها عوض، وهذه الخزانة - أي مكتبته - هي التي لا عوض لها.
وبهذه الروح العلمية كانوا يتنافسون في شراء المؤلفات العلمية من مؤلفيها عقب الانتهاء من تأليفها.    سمع الحكم أمير الأندلس بكتاب الأغاني المشهور الآن في عالم الأدب، فأرسل إلى مؤلفه أبي الفرج الأصفهاني ألف دينار من الذهب ثمن نسخة منه، فأرسل إليه أبو الفرج بنسخة من كتابه، فقُرئ كتابه في الأندلس قبل أن يُقرأ في العراق موطن المؤلف.
وقد نشأ عن هذه الروح العلمية انتشار المكتبات في شتى أنحاء العالم الإسلامي، فقلّما كانت مدرسة ليس بجانبها مكتبة، وقلّ أن تجد قرية صغيرة ليس فيها مكتبة، أما العواصم والمدن فقد كانت تغص بدور الكتب بشكل لا مثيل له في تاريخ العصور الوسطى.
كانت المكتبات نوعين رئيسيين: عامة وخاصة.
أما العامة فقد كان ينشئها الخلفاء والأمراء والعلماء والأغنياء، كانت تشيّد لها أبنية خاصة، وأحياناً كانت تلحق بالمساجد والمدارس الكبرى.
أما الأبنية الخاصة، فقد كانت تشتمل على حجرات متعددة تربط بينها أروقة فسيحة، وكانت الكتب توضع على رفوف مثبتة بالجدران تخصص كل غرفة لفرع من فروع العلم، فلكتب الفقه غرفة، ولكتب الطب غرفة، ولكتب الأدب غرفة، وهكذا. كان فيها أروقة خاصة للمطالعين، وغرف خاصة للنساخ الذين ينسخون.   الكتب، وفي بعضها غرف للموسيقى، يلجأ إليها المطالعون للترفيه وتجديد النشاط - وهذا مما تفرّدت به حضارتنا - وفيها غرف لحلقات الدراسة والنقاش العلمي بين رواد تلك المكتبات. وكانت جميعها تؤثث تأثيثاً فخماً ومريحاً، وكان في بعضها غرف لطعام روادها، ومنامة للغرباء منهم، كالذي قيل في مكتبة علي بن يحيى بن المنجم، فقد كان له قصر عظيم في قرية قريبة من بغداد (هي كركر من نواحي القفص) وفيه مكتبة عظيمة كان يسميها خزانة الحكمة، يقصدها الناس من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، والأرزاق مغدقة عليهم، وكل ذلك من مال علي بن يحيى نفسه. بل هنالك ما هو أطرف من ذلك مما لا نعلم له مثيلاً اليوم في أرقى عواصم الحضارة الغربية، فقد كان في الموصل دار أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، وسماها دار العلم، وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كل طالب علم لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب وكان معسراً أعطاه ورقاً وورقاً، (أي كتباً ونقوداً)، وكانت تفتح في كل يوم .. فهل سمعتم حتى الآن بمكتبة في لندن أو واشنطن، أو عاصمة من عواصم العالم الكبرى اليوم تمنح الأدب والأموال لطلبة العلم؟ ..   وكان للمكتبات العامة موظفون يرئسهم خازن المكتبة، وهو دائماً من أشهر علماء عصره، ومناولون يناولون الكتب للمطالعين، ومترجمون ينقلون الكتب من غير العربية إلى العربية، ونساخ يكتبون الكتب بخطوطهم الجميلة، ومجلدون يجلدون الكتب لتحفظ من التمزق والضياع، هذا عدا عن الخدم وغيرهم ممن تقتضيهم حاجة المكتبات.
وكان لكل مكتبة صغيرة أو كبيرة فهارس يُرجع إليها لسهولة استعمال الكتب، وهي مبوبة بحسب أبواب العلم، وبجانب هذا كانت توضع قائمة على كل دولاب تحتوي أسماء الكتب الموجودة في الدولاب. وكان من المعروف في نظام المكتبات أن الاستعارة الخارجية مسموحة في أغلبها لقاء ضمان عن الكتاب من عامة الناس، أما العلماء وذوو الفضل فلم يؤخذ منهم ضمان.
أما الموارد المالية التي كانت تقوم بنفقات المكتبات، فمنها ما كان من الأوقاف التي تنشأ من أجلها خاصة، وهذه حال أكثر المكتبات العامة ومنها ما كان من عطايا الأمراء والأغنياء والعلماء الذين يؤسسون تلك المكتبات، فقد قالوا إنه كان عطاء محمد بن عبد الملك الزيات للنقلة والنُّساخ في مكتبته.   ألفي دينار كل شهر. وكان المأمون يعطي حنين بن اسحق من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلاً بمثل.
والآن لنذكر بعض الأمثلة عن المكتبات العامة والخاصة التي كان لها ذكر في التاريخ.
من أشهر المكتبات: مكتبة الخلفاء الفاطميين في القاهرة. كانت مكتبة عجيبة بما حوت من نفائس المصاحف والكتب، بلغ مجموع كتبها كما يروي كثير من المؤرخين مليوني كتاب، وإن كان المقريزي يميل إلى أنها مليون وستمائة ألف كتاب.
ومنها مكتبة دار الحكمة بالقاهرة، وأنشأها الحاكم بأمر الله، وافتتحت في ١٠ من جمادى الآخرة ٣٩٥هـ، وقد جمع فيها من الكتب ما لم يجتمع لأحد قط من الملوك. حتى كانت تضم أربعين خزانة، احتوت إحدى خزائنها على ١٨٠٠٠ كتاب.  ومنها بيت الحكمة في بغداد، أنشأها هارون الرشيد، وبلغت ذروة مجدها في عصر المأمون. كانت أشبه بجامعة فيها كتب يجتمع فيها رجال يتفاوضون ويطالعون وينسخون، وكان فيها نساخ ومترجمون يترجمون ما كان يحصل عليه الرشيد والمأمون في فتوحاتهم بأنقرة وعمورية وقبرص.
ومنها مكتبة الحكم بالأندلس. كانت غاية في العظمة والاتساع، حتى قيل إنها بلغت أربعمائة ألف مجلد، وكانت لها فهارس غاية في الدقة والنظام، حتى أن الفهرست الخاص بدواوين الشعر الموجودة في تلك المكتبة بلغت أربعة وأربعين جزءاً.