You are here

الثقب الأسود ولادته ونهايته

Mohamed Souaissy's picture
المرفقالحجم
images.jpg0 bytes

الثقب الأسود ولادته ونهايته :
تأليف : محمد السويسي
رغم كتاباتي الكثيرة عن الثقب الأسود وكشف أسراره بأهمية دوره في صناعة النجوم وولادتها و في استمرار الكون والمحافظة عليه نظيفاً معافى ، فأنني أعود اليوم للكتابة عنه مجدداً ، ولكن لجانب آخر منه ، وذلك رداً على تساؤلات لازالت مطروحة حتى الآن من قبل علماء الفضاء التي يجدُون في البحث عنها ولايجدون لها جواباً ، وهي أنه عندما يموت الثقب الأسود أو بالأحرى ينتهى دوره وعمله فأين يذهب واين يختفي ؟! هذه التساؤلات أضحت الآن غير مقبولة من قبل المهتمين بهذا الحقل ، مع تقدم العلوم والأدوات الفضائية ، خاصة مع الإكتشافات الباهرة لمرصد هابل الذي يفسر نشؤ الكون على صفحة بيضاء مع تلك الصور التي يرسلها يومياً فتكشف المستور وتحل الألغاز المستعصية التي كانت تشغل بالنا وتحير ألبابنا ولم نكن نجد لها جواباً قبل بدء عمله الذي جعل من الظلام نوراً ومن الجهالة معرفة ، وذلك لبعد الشقة والمسافة للمواقع التي كنا في عجز من الوصول اليها ومعاينتها . إلا أنه رغم سقوط تلك الموانع فإن بعض علماء الفضاء لازالوا مقصرين في البحث والتقصي والتمعن لغياب الفراسة والمقدرة والإلهام لديهم على سبر الغور في قراءة وفهم الصور التي يرسلها مرصد هابل ، وإلا فما معنى أن نلاحظ في أكثر من موقع عربي وغربي هذا التساؤل الدائم عن كيفية نهاية الثقب الأسود . وإذا كان هذا التساؤل تثيره مواقع فضائية على لسان علماؤها فماذا تركنا للهواة أو العامة الذين يتلهفون على متابعة هذه المواقع لإشباع فضولهم وإرواء غليلهم في المعرفة الفضائية فيقعون في حيرة التساؤلات والإستفسارات الغير المتوقعة من المولجين بالأمر ،فيتحول فضولهم الى إحباط وحسرات كانوا بغنى عنها لو أعطى المعنيون من العلماء الوقت الكافي واللازم للتدقيق في تلك الصور ولكفوا أنفسهم كثرة التساؤل والإستفسارات وأعطوا لأنفسهم الجواب السليم وأرضوا كل من سعى في طلبه.
ولمعرفة نهاية الثقب الأسود فلا بد من إيجاز بسيط عن كيفية ولادته . فالثقب الأسود هو عبارة عن كتلة من الغبار الكوني والحجارة والغازات التي تتأتى عن التوسع الكوني الذي نتج عن الإنفجار الكبير، قبل خمسة عشر مليار عام ،والذي أخذ حجم كتلتين متباعدتين بسرعة هائلة بفعل التنافر المغناطيسي السلبي الإيجابي . ومع استمرار هذا التوسع الذي لم يتوقف حتى الآن فإن مليارات من الثقوب السوداء تشكلت ولاتزال تتشكل بكثافة هائلة بحيث لايمكن لأي بصيص نور أن يتسرب من خلالها أو يخترقها . إلا أن دورها ومهماتها كانت رائعة في حفظ الكون مع اجتذابها لكل الحجارة والغبار الناتجة عن التوسع الكوني بحيث انها حافظت على نظافة الكون بقيامها بعمل كناس الفضاء . ولكن دورها الأعظم هو أنها أضحت مصنعاً ورحماً دائماً لولادة النجوم . وما النظام الشمسي الذي نتمتع به وبأرضه وكواكبه إلا نتيجة مخاض ثقب أسود استمر لأربعة مليار ونصف المليار من السنين حتى خرج الى ماهو عليه الآن من البهاء والجمال والدفء والنور . وهي في ولادتها للنجوم أي الثقوب السوداء فإنها تستهلك طاقتها وحجمها وإمكانياتها واستمرارها الى أن تزول نهائياً من الكون بعد أن تحولت عناصرها وموادها الى أشكال جديدة من الكواكب والنجوم كما اسلفنا .
والثقب الأسود عند تشكله لابد أن يغلب على مكوناته غاز الهيدروجين بما يزيد عن الثلثين كحد أدنى وإلا أضحى مجرد مادة سوداء هائمة في الكون لادور لها سوى التقاط الغبار في الفضاء وكنسها . لأن توفر الهيدروجين في الثقب الأسود بنسب كبيرة هو ضروري لتشكل النجوم ، حيث أنه لايمكن لنجم أن يولد إلا من خلال نواة من الهليوم تتشكل عند بدئه من تفاعلات نووية لذرات الهيدروجين تكسبه قوته المغناطيسية ليستطيع جذب مختلف عناصر الغبارالغازية والحجارة حوله . ومع كثرة توالد النجوم أو الكواكب من داخل الثقب الأسود فإن حجمه يتناقص الى حد التلاشى مع آخر نجم يولد عنه ، كما حدث للثقب الأسود الذي تولد عنه نظامنا الشمسي بحيث أن كتلة الغبار الأخيرة المتبقية منه تولد عنها كوكب زحل الرائع الذي كانت جاذبيته ضعيفه بحيث أنه لم يتمكن أن يجذب إليه ماتبقى من حجارة من بقايا الثقب الأسود فالتفت حوله مشكلة حزاماً مغناطيسياً سلبياً قوياً على شكل حلقات متعددة تحمي الأرض من أي نيزك طائش وتصطاده كما شباك العنكبوت الأرضي . تلك كانت إحدى صور نهاية الثقب الأسود ، فهل أن له نهايات أخرى غير التي استعرضناها؟ بالطبع ، فإن للثقب الأسود نهايات عدة ومتعددة فهو عند ولادة آخر نجم وخروجه أو انفصاله عنه فإن كميات الحجارة والغبار المتبقية داخله ، مع إنعدام غاز الهليوم لديه وبالتالي ضعف قوته المغناطيسية ، لن تجد لها مادة ما صلبة ذات نواة حارة أو نارية تنجذب اليها وتلتف حولها ، لذا فإنها سرعان ماتتباعد بفعل مغناطيسيتها الضعيفة بشكل دائري متخذة شكل حلقة كبيرة يبدأ ظهورها بتأثير خروج آخر كوكب من الثقب الأسود ؛ لأن هذا الكوكب عند خروجه يخلف ورائه عاصفة حلزونية نظراً لثقله وجمود كتلته وارتفاع حرارته مع دورانه السريع حول نفسه فينتج عنه حلقة دائرية ضخمة من الحجارة الخفيفة الهشة والغبار الكوني ، هي بقايا الثقب الأسود ،التي سوف لن تستطيع أن تتوقف عن الدوران مع وقوعها تحت تأثير الجاذبية المغناطيسية المضادة حولها من الكواكب والنجوم . وهذه الحلقات العديدة المتخلفة عن ثقوب سوداء عدة تختلف وتتباين في مغناطيسيتها ، بعضها سلبي وآخر إيجابي ، كما وتختلف تركيبة عناصرها ، وهذا الإختلاف هو ميزة لها قد يؤدي الى تجاذب بعضها لبعض واندماجها فيما بينها ، وهذا الإندماج عندما يحصل فإنه يؤدي الى تفاعلات وأشكال جديدة لهذه الحلقات بالإضافة لتأثيرات أخرى . فمثلاً إذا كانت أحداها يغلب عليها عنصر الهيدروجين وثانية يغلب عليها عناصر أخرى مغايرة فإنها سرعان ماتتفاعل ذراتهما المختلفة فيما بينهما وتتحدان في دائرة واحدة ضخمة ملتهبة أو مضيئة تستمر لملايين السنين. إلا أنهما قد تعودان الى الإنفصال كحلقتان مضئيتان متقاربتان ومتجاورتان تهيمان في الفضاء الواسع اللانهائي في رحلة هادفة ، ولكنهما في الوقت نفسه لن تتخليا أبداً عن دورهما الأساسي في قنص الشوارد من الحجارة حفاظاً على نظافة الفضاء الكوني وتوازنه المغناطيسي . ولكن سياحهتما تلك هل ستستمر الى الأبد دون نهاية ؟ الجواب لا أبداً ، بل ان أهمية دورهما الجديد لن تقل أبداً عن أهميته عندما كان كل واحد منهما جزءاً من ثقب أسود كبير ، والذي لن يعودا إليه أبداً . فرحلتهما الجديدة تلك تهدف الى البحث عن كتلة ضخمة من المادة السوداء ليدخلانها ويتحدان بها ليغيرا من طبيعتها ، كل على حدة ، بحيث يتجزأ كل منهما مع توافر عنصر الهيدروجين في المادة السوداء الى نوىً عدة من الهيليوم ذات مغناطيسية جاذبة لمختلف أنواع الحجارة والكتل والكويكبات القريبة منها ، وبالتالي تبدأ المادة السوداء تتناقص من أطرافها لتتحول الى كواكب ونجوم تماماً كما التفاعل في الثقوب السوداء ،ولولا هذا التفاعل الجديد لأضحت المادة السوداء مع توسعها الكبير أداة خطر على سلامة الفضاء الكوني لأن دورها الأساسي ينحصر فقط في جذب الغبار الكوني لضعف جاذبيتها بينما الثقوب السوداء تختلف مهمتها عنها حيث أنها مشكلة من غبار غازية وحجارة لصناعة الكواكب والنجوم ، بينما وظيفة المادة السوداء مقتصرة على حصد الغبار الناعم جداً والكثيف الى حد اللزوجة ، كما بقايا الدخان الأسود على جوانب المدخنة . وقد يتخذ الثقب الأسود بحلته الجديدة الدائرية المضيئة شكل مجرة صغيرة في مظهره مع التقاطه للنيازك الشاردة أو مخلفاتها مما يزيد من تفاعل نواته مغناطيسياً ونووياً واشتداد حرارته وزيادة سرعة دورانه . ولكن يبقى له هماً اساسياً وهو البحث عن كتلة من المادة السوداء لوقف اتساعها والعمل على إنهائها . لأن خطر المادة السوداء أنها في سيرها في الفضاء ، وهي تنتفخ وتتسع بغير المتوقع من مخلفات الغبار الكوني ،فإنها قد تبتلع أو بالأحرى تحتوي مجرة ضخمة بأكملها كدرب التبانة مثلاً ، لفترة قد تمتد لملايين السنين لتعود وتخلفها ورائها مع متابعتها لسيرها الدؤوب . ولكن مع احتوائها للمجرة أو النجم أو الكوكب فإنها تخنق وتنهي كل حياة فيها مع إنعدام الأوكسجين داخلها فتهلك الحرث والنسل . ولابد أن مرورها قبل 65 مليون عام في العصر الكريتاسي فوق الأرض واحتوائها لها قد أهلك الديناصورات الى جانب الفيلة والطيور وكل أنواع الحياة على الأرض . وسوف نتحدث في مقال مقبل بالتفصيل عن إيجابيات المادة السوداء وسلبياتها وكيفية نهايتها . وأختم أن الثقب الأسود في عمله ثابت لايتزحزح إلا بقدر التوسع الكوني النمطي ، بينما المادة السوداء فإنها متحركة لاتتوقف عن السير والتوسع للحفاظ على نظافة الفضاء بصورة مستمرة