You are here

طبيعة المادة الداكنة السوداء

Mohamed Souaissy's picture

بقلم محمد السويسي
لازال علماء الفضاء يقفون بحيرة أمام هذا السر المغلق للمادة الداكنة السوداء ،المنتشرة في معظم أرجاء الكون والتي تشكل ربع حجمه تقريباً، ويهتمون بكل بحث يتعلق بها . وهذا الإهتمام الشديد لمعرفة طبيعة هذه المادة ودورها ، دفع كل من الولابات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وروسيا وكندا وإيطاليا الى اعداد مختبرات خاصة بشانها ، في سباق محموم لاكتشاف ماهيتها ضمن مواقع سرية معزولة تحت الأرض بعيداً عن تأثيرات الأشعة الكونية التي قد تفسد عليهم تلك الإختبارات . والواقع أن الأمرلايحتاج الى كل هذا الجهد والوقت لمعرفة طبيعة هذه المادة ودورها ، إذا كنا ندرك بالفطرة والمعرفة الجيدة الواعية لآلية التوسع الكوني وتطوره . أما أن نوكل أمر التدقيق والبحث بشأنها لموظفين بأجر لا يتميزون بملكة المعرفة والمقدرة على البحث والإستنباط ، فإن أمر اكتشاف طبيعة هذه المادة و تطورها سيطول ويطول جداً في تلك المختبرات ، وقد لايصلون الى نتيجة إيجابية ابداً بما أنهم لايدركون أن ولادة المادة السوداء هي نتيجة آلية لطبيعة الإنفجار الكبير وللتمدد الكوني في الفضاء الواسع اللامتناهي . وبما أننا نسبقهم دائماً بمقدار عام أو عامين في كل مقالة نكتبها في الكشف عن أسرار فضائية عدة ، فإنني أواصل هذا السباق الغير مرعي سوى من القراء ومن كل محبي علم الفضاء والمهتمين بفك ألغازه وأسراره .
لقد سبق أن كتبت عن المادة السوداء ، بشكل مختصر، في معرض مقارنتها بالثقوب السوداء لأن الكثير من المهتمين كانوا يخلطون بينهما ولايستطيعون الفصل بين دوريهما أو تركيب عناصرهما ومدى اختلاف هذ التركيب . وفي مقالي هذا سوف أجيب على كل التساؤلات المثارة بشانها وأضع حداً للحيرة السائدة بين العاملين في هذا الحقل . وأذكر لمن فاته ، بان المادة السوداء قد تكونت عقب الإنفجار الكبير وتوسعه بآلية توالدية محسوبة بشكل دقيق لبناء الكون والمحافظة على استمراره قامت على التقاط الحجارة والغبار المتفلتين عن الإنفجار. هذا الإنفجار الذي خلق الفوضى شكلاً ، للوهلة الأولى ، وكأنه فوضى من الغبار والخراب الذي لايعرف مداه . ولكن مع الآلية الدقيقة التي تولد عليها الكون ، كان لابد من إيكال أمر التنظيف واستيعاب هذه الفوضى والخراب ،إن صح التعبير ، الى مساعدين مرافقين لعملية الإنفجار الكبيروتوسعه بشكل سليم ، كانوا أشبه بعمال فضائيين جندوا لخدمة الكون ، فكانت المادة السوداء إحدى جنوده الهامين والمهتمين بنظافته من الغبار المتخلف عن هذا الإنفجار وتوسعه . ولن أتحدث عن المساعدين الآخرين ، من الثقوب السوداء والشهب والنيازك وحلقات الكواكب المحيطة ببعضها ، كما زحل ، التي لكل منها دور يتميز عن الآخر ، بل ساحصر مقالي بالتحدث عن المادة السوداء موضوع المقال حتى لاأطيل الأمر على القارىء ، خاصة وأنني كنت قد تحدثت عن أداور كل هؤلاء في مقالات سابقة .
إن الدور المتميز للمادة السوداء هي أنها مع ولادتها أو تشكلها بالقرب من موقع الإنفجار الكوني وبالتالي عند طرفي توسعه فإنها تقوم بتجميع ذرات الغبار الدقيقة والناعمة المسحوقة جداً ، نحو داخلها ، مما أكسبها شبه لزوجة في نواتها ، أشبه بالسخام على جوانب المدفأة ، لأن عناصرهذه المادة عبارة عن ذرات فاقدة لألكتروناتها وخامدة في بروتوناتها الى حد العدم ، وهذا مايجعلها كثيفة جداً في وسطها لتستطيع أن تشكل قوة مغناطيسية إيجابية بما يسمح بتشكيل إلى كتلة واحدة ، إنما مغايرة في طبيعتها عن كل ماحولها بحيث أنها لاتنسجم ولاتتآخى مع أي عنصرأو جسم من الكواكب والنجوم الأخرى بما يحرمهم من أي مقدرة أو قوة مغناطسية سلبية ملائمة لمواجهتها وطردها عنهم أو إبعادها ، إن شاءت أن تجاورهم أو تمر بقربهم ، أن تجاورهم أو تعبر فيما بينهم ،أن كما تفعل بالثقوب السوداء أو النيازك أو الشهب ، أوكما تفعل في التباعد فيما بينها . إذ أن لكل نجم من النجوم أوالكواكب حدوداً إقليمية محسوبة بدقة في الفضاء بحيث لايتعدى أحدها على الأخر بفعل السلاح الذي يملكه كل منهم ، وهو المغناطيسية السلبية الإيجابية التي تفرض احترامها على الجميع وتلزم كل كوكب ونجم في موقعه وعند حدوده وفق القانون الكوني المحكم. ولكن رغم هذا السواد الداكن للمادة السوداء وإنعدام أي بصيص أو نور أو إضاءة داخلها أو منها يوحي وكأنها عنصر سلبي في الكون . ولكن مع التعمق في دورها فإننا سندرك أهميتها بل وضرورتها في حفظ الكون وسلامته واستمراره . وقبل أن استرسل بالتحدث عن دورها فلابد من الإشارة أن تشكلها عند حدود التوسع الكوني يتطلب حجماً معيناً لها لتستطيع الإنطلاق والسياحة في الكون ، ولذا ستظل ملتصقة بهذه الحدود لالتهام المزيد والمزيد من الغبار الدقيق لعدة مليارات من السنين الى أن يصبح لديها الحجم القوة المطلوبتان للإنفصال والإبتعاد عن موقع ولادتها للسياحة في الفضاء . وهنا في سيرها وابتعادها عن مكان ولادتها تظهر أهمية دورها الفريد وهو تجميع أدق عناصر الغبار المتفلتة عن التوسع الكوني ،المنتشرة في الفضاء بين الكواكب والنجوم ، التي قد تشكل خطراً على التوازن الكوني والأخلال به مع تكاثرها المطرد ، ولولا ان تلتقطها المادة السوداء فإنها ستسود الكون وبالتالي تقضي على هذا الجمال الأخاذ للفضاء بحيث ينعدم ضؤ النجوم والأقمار والشموس فيه وبالتالي تنعدم الحياة على الأرض . كما وأنها قد تخل بالتوازن المغناطيسي بين الكواكب والنجوم وتؤدي الى انهيارها . ورغم إيجابية دور المادة السوداء فإن لها سلبيات مؤذية في حال إن مرت على كوكب فيه حياة ، فإنها تسلبه روحه إن حل في وسطها بما تسود عليه من غبار أسود كثيف يسبب إلإلتهابات والموت لكل مخلوق فيه بما يحدث له من ضيق في التنفس وبالتالي انقطاع الأوكسجين والإختناق ، وهذا ماحدث قبل 65 مليون عام حين مرت إحدى كتل المادة السوداء واحتوت درب اللبانة بأكمله وبالتالي الأرض فأهلكت كل ماعليها من حيوان وطير بإعدام الحياة فيها فكانت هي السبب الأساسي والرئيسي في إبادة الديناصورات وكل مايدب على الأرض أو يطير في السماء باستثناء المخلوقات التي تعيش في الماء كالأسماك أوالتي التجأت الى كهوف تحت الماء كالحيوانات البرمائية. فالمادة السوداء تتميز عن الكواكب والنجوم في أنها ، مع انعدام مغناطيسيتها ، تنطلق فور ولادتها دون أي عائق في السير في الفضاء للقيام بواجباتها التي خلقت لأجلها لتنظيف الكون من مخلفات الغبار لتحتفظ به بهي الطلعة ومتلألأ . وهي عند ولادتها ككتل متعددة مستقلة عن بعضها البعض ، تكون متجاورة إلا أنها تنطلق دفعة واحدة تقريباً ، كما خيول السباق التي تنطلق من حظائرها بسرعة شبه متقاربة ، لتردفها بعد وقت دفعة أخرى بعد استكمال ولادتها . وعليه فإن الأرض لن تشهد أي خطر من إحتواء مادة سوداء أخرى لها قبل مرور بضعة مليارات من السنين على الأقل ، ولكن لايعني هذا أنها قد اجتازت مرحلة الخطر ،إذ أنه بعد خمسمائة عام ونيف وفقاً للمسيرة الكونية ، فقد تمر كتلة من المادة السوداء بمحاذاة من مجرتنا وتغمر الأرض ببعض أطرافها فتملؤها بالغبار الأسود كالدخان مما سيسبب الألتهابات في الأعين مع طفح جلدي وضيق في التنفس يؤدي الى الإختناق ، كما وستحجب نور الشمس لأسابيع عدة الى أن تتابع مسيرتها وقد خلفت ورائها آثاراً سلبية على البشر والحيوانات. والواقع أن تأثيرها هذا وإن كان سلبياً إلا أنه سيعتبر أمراً هيناً لأن أطرافاً هامشية جداً منها فقط ، رقيقة وخفيفة ،هي التي ستغمر الأرض ،خاصة وأن خط سيرها يبعد كثيراً عن موقع مجرتنا ، التي إن دخلت في وسطها فلن تبقى عليها حياة ،إذ أن المادة السوداء تكون عادة كثيفة في وسطها و قليلة الكثافة عند أطرافها ؛ وما أضرارها تلك سوى لأنها تحتوى في ذراتها أكثر من مائة عنصر ، وهو أكثر مما على الأرض ، إلا أنها جمعياً عناصر خامدة تبقي المادة السوداء على طبيعتها دون تعديل معظم حياتها ، وهذا الخمود في ذراتها هو من ميزاتها لأنه عنصر التجانس الذي يجمع فيما بينها ، مما يتيح لها الإنطلاق في الفضاء بتحررها من مغناطيسية الأجسام الأخرى من الكواكب والنجوم ومن مغناطيسية سلبية ذاتية تعيق سيرها ، وذلك لانعدام النواة الملتهبة من الهليوم داخلها التي يجب أن تشكل حقلها المغناطيسي كما هو مفترض لجذب عناصرها وبالتالي تكتلها واستقرارها، مما يجعل الأمر محيراً ومستغرباً ويدعو الى التساؤل ، ماالذي يجعل المادة السوداء العديمة النواة والحقل المغناطيسي قادرة على التكتل ، مع ضعف ذراتها وانعدام الكتروناتها ؟! ولكن يبطل تعجبنا وتتضاءل حيرتنا عندما نعلم أن المادة السوداء متماسكة نظراً لدوران وسطها الكثيف حول نفسه متأثراً بآلية دوران كتلتي التوسع الكوني كما دوران الكرة الأرضية. فكل الكواكب والنجوم في الفضاء ممسوكة بآلية دوران توسع الكون على نفسه ولولا ذلك لانفرط عقدها بأكمله . وكتل المادة السوداء كثيرة في الكون ، ولو تناثرت لملأت الفضاء غباراً اسوداً واختفى بريق النجوم والشمس والقمر ولهلكت الحياة في الكون . ولكن السؤال الأهم هو ماالذي يمنع تكاثرها ، مع التوسع الكوني الحاصل والتحامها فيما بينها مستقبلاً واتحادها ؟ وبالتالي تصبح مادة سلبية مقلقة بما قد تشكل من تهديد دائم ومقلق على استمرار الحياة في الكون . الواقع إن الأمر هو غير ذلك تماماً ، فمن أعظم أدوار المادة السوداء أنها في سيرها الدائم في الفضاء تلتقط ذرات الغبار فيه لتحافظ على نظافته المطلوبة لاستمراره في الحياة ، ولكن دورها الأهم والأعظم أنها في الأساس ليست سوى مادة خام خامدة لكل عناصر الطبيعة الذرية التي قام عليها الكون قابلة للتشكل والتحول في حال اتحادها مع عناصر أخرى تحييها وتبعثها باشكال جديدة متعددة وجميلة تساهم في تجدد الكون وإثرائه وهذا مايحصل دائماً. ولكن كيف يتم هذا الإتحاد والتحول ومع أي من العناصر أو الأجسام ؟
للجواب على السؤال أعلاه لابد أن من الإشارة بعبارة صغيرة عن الثقوب السوداء قبلاً، وذلك لتشابه دوريهما في كناسة الفضاء وتنظيفه ، إلا أنهما يختلفان في نهايتيهما . فالثقب الأسود بعد أن تتولد عنه النجوم لايتبقى منه عادة سوى بقايا من الحجارة الصغيرة والغبار التي إن كانت تغلب عليها عنصر الإيدروجين فإنها ستتحول الى الهليوم مع تفاعل ذراتها وتصبح أشبه بدولاب ناري جميل أخاذ بألوانه الرائعة - وعلى القارىء المهتم أن يعود لمقالاتي السابقة عن الثقب الأسود ومراحل تطوره ودوره في الكون - ، والثقب الأسود بهذا الشكل الجديد المضىء أشبه بذكر النعام الزاهي الألوان بالنسبة للنعامة ، سرعان ماتنجذب الية المادة السوداء ليلتحم بها لتتفاعل به فيغير من طبيعتها لتصبح نواة مجرة حلزونية سابحة في الفضاء مستقرة لتوالد النجوم والكواكب والأقمار المضيئة الجميلة عنها ، مما يساهم في توسع الكون وإثرائه ، أما الشموس فلا يمكن أن تتوالد إلا عن ثقوب سوداء كما أسلفنا . وهكذا دواليك تتناقص المادة الداكنة السوداء وتتجدد بخلق جديد بمعدل وآلية محسوبتان بما يحافظ على سلامة الكون واستمراره وجماله .