You are here

الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط-٦

kadernb's picture

 

ويرجع بعض المؤرخين التحالف بين الجانبين الى سنة ١٥١٤م في أعقاب فتح عروج وخير لميناء "جيجل" حيث ارسل الأخوان الى السلطان سليم الأول مجموعة من النفائس التي استوليا عليها بعد فتح المدينة، فقبلها السلطان ورد لهما الهدية بإرسال أربع عشر سفينة حربية مجهزة بالعتاد والجنود (١) وكان هذا الرد من السلطان العثماني يعكس رغبته في استمرار نشاط دور الأخوين ودعمه. على أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعم العثماني لهذه الحركة كان في أعقاب وفاة "عروج" سنة ١٥١٨م وبعد عودة السلطان العثماني من مصر الى استانبول سنة ١٥١٩م (٢).
على أن الرأي الأكثر ترجيحاً أن الاتصالات بين العثمانيين وهذه الحركة كان سابقاً لوفاة عروج وقبل فتح العثمانيين للشام ومصر، وذلك يرجع الىأن الأخوين كانا في أمس الحاجة لدعم أو تحالف مع العثمانيين بعد فشلهما في فتح "بجاية"، كما أنهما حوصروا في "جيجيل" بين الحفصيين الذين أصبحوا من أتباع الاسبان وبين "سالم التومي" حاكم الجزائر الذي ارتكز حكمه على دعم الأسبان له هو الآخر، فضلاً عن قوة الاسبان وفرسان القديس يوحنا التي تحاصرهم في البحر؛ فكان لوصول الدعم العثماني أثره على دعم دورهما وشروعهما في دخول الجزائر برغم هذه العوامل حيث اتفق العثمانيون مع الأخوين على ضرورة الإسراع بدخولهما قبل القوات الاسبانية لموقعها الممتاز من ناحية ولكي يسبقوا الاسبان إليها، لاتخاذها قاعدة لتخريب الموانئ الاسلامية الواقعة تحت الاحتلال الاسباني كبجابة وغيرها من ناحية اخرى.
وقد تمكن عروج من دخول الجزائر بفضل هذا الدعم وقتل حاكمها بعد أن تأكد من مساعيه للاستعانة بالقوات الاسبانية، كما تمكن من دخول ميناء شرشال، واجتمع له الأمر في الجزائر وبويع في نفس السنة التي هزمت فيها القوات المملوكية أمام القوات العثمانية في الشام سنة ١٥١٦م في موقعة مرج دابق (٣).
ولم يكن من الممكن للأخوين أن يقوما بهذه الفتوحات لولا تشجيع السلطان العثماني ودعمه الى جانب دعم شعوب المنطقة وقد سبق أن فشلا من دخول بجاية أمام نفس القوات.  
.المعادية (١).
بعد أن بويع "خير الدين" في الجزائر في أعقاب ماحققه من انتصارات على الأسبان والزعماء المحليين المتحالفيين معهم أصبح محط آمال كثير من الولايات والموانئ التي كانت مازالت خاضعة سواء للأسبان أو لعملائهم، وكان أول الذين طلبوا نصرته أهل تلمسان. ومع أن استنجاد الأهالي كان من الممكن أن يكون كافياً لتدخل "خير الدين" إلا أن موقع تلمسان الاستراتيجي الذي كان يجعل وجود "خير الدين" في الجزائر غير مستتب قد جعله يفكر في التدخل قبل أن يطلب الأهالي نجدته، وأن مطالبهم قد دعته للتعجيل بذلك (٢).
وأعد "خير الدين" جيشاً كبيراً زحف به الى تلمسان سنة ١٥١٧م، وأمن الطريق إليها. وبعد أن نجح في السيطرة عليها تمكن الاسبان، وعملاؤهم من بني حمود، من استعادتها ولقي أحد إخوة "خير الدين" حتفه وهو "اسحاق"، كما قتل "عروج" وكثيرون من رجاله أثناء حصارهم للمدينة ذلك الحصار الذي أمتد لستة أشهر أو يزيد أمتد حتى سنة ١٥١٨م.
وقد تركت هذه الأحداث أثراً بالغاً في نفس خير الدين مما دفعه الى التفكير في ترك الجزائر لولا أن أهلها ألحو عليه بالبقاء. وكانت موافقته على البقاء تفرض عليه ضرورة بذلك المزيد من الجهد خشية أن يهاجمه الاسبان ومؤيديهم، كما أن ذلك قد أدى الى أتجاهه الى مزيد من الارتباط بالدولة العثمانية، وبخاصة بعد أن والت لها مصر والشام، فكان ذلك يؤكد احتياج الجانبين الى مزيد من الارتباط بالآخر (٣).
رابعاً: سكان مدينة الجزائر يرسلون رسالة استغاثة للسلطان سليم الأول:
قام الأستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي بترجمة وثيقة تركية محفوظة في دار المحفوظات التاريخية باستنبول -طوب قابي سيراى- تحت رقم ٤٦٥٦، وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة موجهة من سكان بلدة الجزائر على اختلاف مستوياتهم ومؤرخة في أوائل شهر ذي القعدة عام ٩٢٥هـ، في الفترة من ٢٦من شهر اكتوبر (تشرين الأول) الى ٣ من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام ١٥١٩م، وكتبت بأمر من خير الدين الى السلطان سليم بعد. .عودته من مصر والشام الى استانبول وكان الغرض من تلك الرسالة ربط الجزائر بالدولة العثمانية. وجاء في الرسالة أن خير الدين كان شديد الرغبة في ان يذهب بنفسه الى استانبول ليعرض على السلطان سليم الأول شخصياً ابعاد قضية الجزائر. ولكن زعماء مدينة الجزائر توسلوا إليه أن يبقى فيها كي يستطيع مواجهة الأعداء إذا تحركوا. وطلبوا منه أن يرسل سفارة تقوم بالنيابة عنه وكانت الرسالة التي حملتها البعثة موجهة باسم القضاة والخطباء والفقهاء والأئمة والتجار والأعيان وكافة سكان مدينة الجزائر العامرة، وهي تفيض بالولاء العميق للدولة العثمانية وكان الذي يتزعم السفارة "الفقيه العالم الاستاذ أبو العباس احمد بن قاضي" وكان من أكبر علماء الجزائر، كما كان قائداً عسكرياً وزعيماً سياسياً وكان بمقدوره أن يصور أوضاع بلاده والأخطار التي تحيط بها من كل جانب.
لقد أشاد الوفد بجهاد بابا عروج في مدافعة الكفار وكيف كان ناصراً للدين وحامياً للمسلمين وتكلموا عن جهاده حتى وقع شهيداً في حصار الاسبانيين لمدينة تلمسان وكيف خلفه أخوه "المجاهد في سبيل الله أبو التقى خير الدين. وكان له خير خلف فقد دافع عنا، ولم نعرف منه إلا العدل والإنصاف واتباع الشرع النبوي الشريف، وهو ينظر الى مقامكم العالي بالتعظيم والإجلال، ويكرس نفسه وماله للجهاد لرضاء رب العباد وأعلاء كلمة الله ومناط آماله سلطنتكم العالية مظهراً إجلالها وتعظيمها. على أن محبتنا له خالصة ونحن معه ثابتون ونحن وأميرنا خدام أعتابكم العالية. وأهالي أقليم بجاية والغرب والشرق في خدمة مقامكم العالي وإن المذكور حامل الرسالة المكتوبة سوف يعرض على جلالتكم مايجري في هذه البلاد من الحوادث والسلام) (١).
إن الرسالة السابقة تبين للباحث آراء الجزائريين تجاه الدولة العثمانية وكان من تلك الآراء:
- أن خير الدين يمثل الحاكم المسلم الأمثل في شمال افريقية، فهو يحترم وينفذ مبادئ الشريعة الاسلامية ويتخذ من العدل شرعة ومنهاجاً له في الحكم.
- أن نشاطه يتركز في قيادة عمليات الجهاد ضد النصارى.
- أنه يكن للدولة العثمانية وسلطانها كل تقدير واحترام.
- تدل الرسالة على تماسك الجبهة الداخلية ووضوح الهدف أمام مسلمي الجزائر (٢).
 

 

خامساً: استجابة السلطان سليم الأول لأهل الجزائر:
سارع السلطان سليم الى منح رتبة بكلر بك الى خير الدين بربروس وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة في اقليمه ممثلاً للسلطان وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية وأصبح أي اعتداء خارجي على أراضيها يعتبر اعتداء على الدولة العثمانية ودعم السلطان سليم هذا القرار بقرارات تنفيذية، إذ أرسل الى الجزائر قوة من سلاح المدفعية، وألفين من الجنود الانكشارية ومنذ ذلك الوقت (١٥١٩م) بدأ الانكشاريون يظهرون في الحياة السياسية والعسكرية في الأقاليم العثمانية في شمال افريقيا وأصبحوا عنصراً بارزاً ومؤثراً في سير الأحداث بعد أن كثر إرسالهم الى تلك الأقاليم، وأذن السلطان سليم لمن يشاء من رعاياه المسلمين في السفر الى الجزائر والانخراط في صفوف المجاهدين وقرر منح المتطوعين الذين يذهبون الى الجزائر الامتيازات المقررة للفيالق الإنكشارية تشجيعاً لهم على الانضمام الى كتائب المجاهدين ولقد هاجر سكان الأناضول الى الجزائر شوقاً الى عمليات الجهاد ضد النصارى ولقد ترتب على القرارات التي اصدرها السلطان سليم الأول عدة نتائج هامة كان من بينها:
١ - دخول الجزائر رسمياً تحت السيادة العثمانية اعتباراً من عام ١٥١٩م ودعي للسلطان سليم على المنابر في المساجد وضربت العملة باسمه.
٢ - إن إرسال القوات العثمانية جاء نتيجة استغاثة أهل بلدة الجزائر بالدولة العثمانية واستجابة لرغبتهم فلم يكن دخول القوات العثمانية غزواً أو فتحاً عسكرياً ضد رغبة أهل البلد.
٣ - إن إقليم الجزائر كان أول أقليم من أقاليم شمال أفريقيا يدخل تحت السيادة العثمانية، وأصبحت الجزائر ركيزة لحركة جهاد الدولة العثمانية في البحر المتوسط (١) وكانت حريصة على امتداد نفوذها بعد ذلك الى كل اقاليم الشمال الأفريقي لتوحيده تحت راية الاسلام والعمل على تخليص مسلمي الأندلس من الأعمال الوحشية التي كان يقوم بها الاسبان النصارى.
لقد كان زمن السلطان سليم البداية المتواضعة لمد النفوذ العثماني الى أقاليم شمال أفريقية من أجل حماية الاسلام والمسلمين وواصل ابنه سليمان ذلك المشروع الجهادي.  .لقد استجاب السلطان العثماني سليم لنداء الجهاد من أخوة الدين وشرعت الدولة العثمانية في انشاء أسطول ثابت لهم في شواطئ شمال أفريقيا والذي ارتبط منذ البداية باسم الأخوين عروج وخير الدين بربروسة (١).
سادساً: التحديات التي أمام خير الدين:
كان أمام خير الدين بربروس في وضعه السياسي والعسكري الجديد أن يحارب على جبهتين:
١ - الجبهة الاسبانية لطرد الاسبانيين من الجيوب التي أقاموها فضم إليه عنابة وقالة في شرقي الجزائر وحقق انتصاراً باهراً على الإسبانيين حين استولى عام ١٥٢٩م على حض بينون الاسباني على الجزيرة المواجهة لبلدة الجزائر وقد كان قد استمر يقصف الحصن بقذائف مدافعه طوال عشرين يوماً حتى تداعت جوانبه، ثم اقتحم الحصن مع قوات كثيفة العدد كانت تحملها خمس وأربعون سفينة جاءت من الساحل وأسر قائد الحصن مع كبار ضباطه.
إن استيلاء خير الدين على البينون سنة ١٥٢٩م يعد بداية تأسيس ما عرف باسم نيابة الجزائر ومنذ ذلك التاريخ أصبح ميناء الجزائر عاصمة كبرى للمغرب الأوسط بل ولكل شمال افريقية العثمانية فيما بعد. وبدأ استخدام مصطلح الجزائر للدلالة على إقليم الجزائر حتى نهاية القرن الثامن عشر.
٢ - الجبهة الداخلية وكانت تتمثل في محاولة توحيد المغرب الأوسط التي لم تخلوا من مؤامرات بني زيان والحفصيين ومن بعض القبائل الصغيرة ولكنه استطاع مد منطقة نفوذه باسم الدولة العثمانية ودخلت الامارات الصغيرة تحت السيادة العثمانية لكي تحتمي بهذه القوة من الأطماع الصليبية الاسبانية ومن قهرها على اعتناق النصرانية ومالبث أن مد خير الدين النفوذ العثماني الى بعض المدن الداخلية الهامة مثل القسطنطينية (٢).
لقد نجح خيرالدين في وضع دعامات قوية لدولة فتية في الجزائر وكانت المساعدات العثمانية تصله بإستمرار من السلطان سليمان القانوني واستطاع خير الدين أن يوجه ضرباته القوية للسواحل الاسبانية وكانت جهوده مثمرة في انقاذ آلاف المسلمين من
اسبانيا فقد قام عام ٩٣٦هـ/١٥٢٩م بتوجيه ست وثلاثون سفينة خلال سبع رحلات الى السواحل الاسبانية للدولة العثمانية في الحوض الغربي للبحر المتوسط وبفضل الله ثم مساعدات الدولة العثمانية وموارد خزينة الجزائر المتنوعة من ضرائب وسبي ومغانم وزكاة والعشر والجزية والفيء والخراج ومايقوم به الحكام ورؤساء القبائل والعشائر من دفع العوائد وغيرها أصبحت دولة الجزائر لها قاعدة اقتصادية قوية (١).
لقد تضررت اسبانيا من نجاح خير الدين في الشمال الإفريقي وكانت إسبانيا يتزعمها شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة والتي كانت تضم وقتذاك إسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وكانت الدولة الرومانية المقدسة تدافع عن أوربا المسيحية الخطر العثماني نحو شرق ووسط أوربا، لذا يمكن القول بأن الصراع بين شارل الخامس وبين ببليربكية الجزائر كان بمثابة فتح جبهة حربية جديدة ضد الدولة العثمانية في الشمال الإفريقي، لذلك لم يكتف شارل بالهجوم المفاجئ على سواحل الجزائر، بل أرسل مبعوثاً للتجسس في شمال افريقيا سنة ٩٤٠هـ / ١٥٣٣م وهو الضابط (أوشوا دوسلا) الذي طاف بأنحاء تونس وهناك وجد استعداد الحفصيين للتعاون مع شارل الخامس، وحذر من امتداد النفوذ العثماني على تونس، وذكر أن هذا الإستيلاء سيسهل على العثمانيين السيطرة على افريقيا، ثم يتجهون بعد ذلك لاسترداد الأندلس، وهذا مايخشاه العالم المسيحي.
كانت سياسة المملكة الحفصية في تونس تسير نحو انحطاط مستمر، كان السلطان الحفصي الحسن بن محمد قد أساء السيرة في البلاد وقتل عدداً من أخوته، فاضطربت الأحوال في تونس وخرج البعض عن طاعة السلطان الحفصي، وكان أخو الحسن المسمى بالأمير الرشيد قد هرب من أخيه خوفاً من القتل ولجأ عند العرب في البادية، ثم ذهب إلى خير الدين في الجزائر وطلب منه الحماية والعون ضد أخيه (٢)، فمنحه ذلك خير الدين، الذي كان مركزاً اهتمامه على تونس بسبب ضعف الحفصيين والخلافات الداخلية التي مزقت الأسرة الحفصية، كما كان لتونس في نظره أهمية استراتيجية كبيرة لاشرافها على المضيق الصقلي بحيث تسمح له السيطرة عليها في تحديد وقطع المواصلات بين حوضي المتوسط الشرقي والغربي بالإضافة إلى رغبة خير الدين في توحيد بلاد المغرب تحت حكم الدولة العثمانية ليتمكنوا من استرداد الأندلس (٣). 
.سابعاً: سفر خير الدين إلى استنبول:
عزم السلطان سليمان القانوني بعد أن استولى على بلغراد، السفر بسائر جنوده إلى اسبانيا للاستيلاء عليها، وبدا للسلطان سليمان، أنه لابد له من رجل يعتمد عليه في دخول تلك البلاد على أن يكون عالماً بأحوالها فوقع اختياره على خير الدين لما يعرفه عنه من شجاعة وإقدام، وكثرة هجومه على تلك النواحي، وما فتحه من بلاد العرب في الشمال الإفريقي وكيف أقر الحكم العثماني فيها، فوجه إليه خطابا يطلبه فيه إلى حضرته ويأمره باستنابة بعض من يأمنه في الجزائر، وأن لم يجد من يصلح لذلك، يبعث إليه السلطان نائباً وبعث ذلك الخطاب مع رجل يدعى سنان جاوشي، فوصل الجزائر، وأوصل خطاب السلطان إلى خير الدين فقبله ووضعه فوق رأسه ولما قرأه وعلم ما فيه نصب ديواناً عظيماً، وأحضر كافة العلماء والمشايخ وأعيان البلاد، وقرأ عليهم خطاب السلطان، الذي وجهه إليهم وأعلمهم أنه لايمكنه التخلف عن أمره، وعندما سمع اندريا دوريا زعيم الأسطول النصراني في البحر المتوسط بما عزم السلطان عليه من فتح اسبانيا واستقدام خير الدين من الجزائر لذلك، أراد أن يشغل خير الدين من سفره إلى حضرة السلطان (١)، وأشاع بين الأسرى المسيحيين في الجزائر، عن عزم الحكومة الاسبانية في الهجوم على الجزائر، وتخليصهم من الأسر، ففرح الأسرى الاسبان لذلك الخبر وتمردوا على خير الدين، الذي رأى أن من المصلحة العامة اعدام اولئك الأسرى ليأمن غائلتهم، ثم قام بتقوية الاستحكامات في الجزائر وزاد من عدد القلاع مظهراً أتم الطاعة للسلطان (٢).
عزم خير الدين على السفر الى استنابول ٩٤٠هـ / ١٥٣٣م، وعين مكانه حسن آغا الطوشي، وكان رجلاً عاقلاً وصالحاً، صاحب علم واسع (٣).
أبحر خير الدين شرقاً في البحر المتوسط وبرفقته أربع وأربعين سفينة وهزم في طريقه فرقة من اسطول آل هابسبرج بالقرب من المورة (٤)، واستمر خير الدين في رحلته ووصل إلى مدينة بيروازن، وفرح أهالي المدينة لمقدمه وكانوا خائفين من هجوم اندريا دوريا، الذي.  .من حيث موقعها الجغرافي إذ تقع في منتصف الساحل الشمالي لأفريقيا، وتوسطها بين الجزائر وطرابلس، ولقربها من إيطاليا التي تعتبر أحد جناحي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، بينما يمثل الجناح الآخر اسبانيا، علاوة على ذلك مجاورتها لجزيرة مالطة مقر فرسان القديس يوحنا حلفاء الإمبراطور شارل الخامس، وأشد الطوائف المسيحية عداوة للمسلمين ثم الامكانيات الهائلة التي تتيحها موانئ تونس في التحكم في المواصلات البحرية في البحر المتوسط وهكذا تضافرت تلك العوامل على اضفاء الأهمية العسكرية على تونس (١).
كانت المرحلة الثانية بالنسبة لخير الدين بعد هجومه على السواحل الجنوبية لإيطاليا وجزيرة صقلية هي تونس، وذلك لتنفيذ خطة الدولة، والتي تقتضي تطهير شمال افريقيا من الاسبان كمقدمة لاستعادة الأندلس، إذ سبق وأن أشار خير الدين بربروسا على السلطان سليمان القانوني في خطابه للسلطان الذي بعثه قبيل استدعاء السلطان له في ٩٤٠هـ / ١٥٣٣م، إذ قال فيه " ... إن هدفي إذا قدر لي شرف الاشتراك هو طرد الاسبان في أقصر وقت من أفريقيا، ومن الممكن أن تسمع بعد ذلك أن المغاربة قد أغاروا على الاسبان من جديد ليستعيدوا مملكة قرطاجة وأن تونس قد أصبحت تحت سلطانك أنني لا أبغي من وراء ذلك أن أحول بينك وبين توجيه قواتك ناحية المشرق كلا ... لأن هذا لن يحتاج لكل ما تملك من قوات ولاسيما أن حروبك في آسيا أو أفريقيا تعتمد أكثر ما تعتمد على قوات برية، أما هذا الجزء الثالث من العالم فإن كل ما أطلبه هو جزء من أسطولك وسيكون ذلك كافياً، لأن هذا الجزء يجب أن يخضع لسلطانك أيضاً ... (٢).
وصل الأسطول العثماني تحت قيادة خير الدين إلى السواحل التونسية فعرج على مدينة عنابة، وتزود ببعض الامدادات، ثم تقدم نحو بنزرت ثم اتجه إلى حلق الواد، إذ تمكن منها بدون صعوبة (٣)، واستقبل خير الدين من قبل الخطباء والعلماء، وأكرموه وتوجهوا إلى تونس في نفس الوقت وهرب السلطان الحفصي الحسن بن محمد إلى اسبانيا (٤)، ثم عين خير الدين الرشيد أخو الحسن بن محمد على تونس، وأعلن ضم تونس للأملاك العثمانية، في وقت بدت فيه سيادة العثمانيين في حوض البحر المتوسط الغربي (٥).
ثامناً: أثر جهاد خير الدين على المغرب الأقصى:
استفاد السلطان أحمد الأعرج السعدي من الجهود التي بذلتها الدولة العثمانية والشعب الجزائري بقيادة خير الدين بربروسا، فقام بمحاصرة مدينة آسفي بأزمور وذلك سنة ٩٤١هـ/ ١٥٣٤م، وكادت المدينة أن تقع بيد السعديين لولا النجدات التي بعثها البرتغاليون للمدينة المحاصرة، وقد بدا وكأن تعاوناً قد حصل بين العثمانيين والقوى الإسلامية في المغرب ضد المسيحيين ومراكزهم في الشمال الأفريقي وعندما سمع الملك البرتغالي جان الثالث بوصول الأسطول العثماني في ٣ ربيع الأول ٩٤١هـ/ ١٣ سبتمبر؟ بقيادة خير الدين بربروسا إلى الشمال الأفريقي، فكر في الجلاء عن بعض المراكز مثل سبته وطنجة باعتبارها مناطق حيوية للدفاع عن مصالح المسيحيين في غرب البحر المتوسط، ولصد الهجوم العثماني عن شبه الجزيرة الايبرية بعث الملك يوحنا الثالث استفتاء الى جميع الوجهاء والأعيان والأساقفة في بلاده يستشيرهم في موضوع الجلاء عن بعض مراكز الوجود البرتغالي في جنوبي المغرب، وكان المطلوب الاجابة على الأسئلة الآتية: هل ينبغي ترك آسفي وأزمور للمغاربة، هل ينبغي الجلاء عنهما أو عن بعضهما؟ وإذا كان ينبغي الاحتفاظ بهما هل تحول إلى حصون للتقليل من حجم المصروفات؟ ثم ماهي الأضرار الناتجة عن ذلك؟ وكيف نتفاداها؟.
تلقى الملك البرتغالي أجوبة عديدة بين مؤيد في الابقاء على المناطق الجنوبية في حوزة البرتغاليين وبين معارض، وكانت أجوبة رجال الدين للملك جان الثالث موحدة تقريباً تضمنت النصح بالتخلي عن المراكز الجنوبية، يحول الملك كل وسائل الدفاع الموجودة هناك إلى المركز الشمالي لصد الخطر العثماني بقيادة خير الدين بربروسا فأسقف ينصح بإخلاء سانتاكروز وأسفي وأزمور لأن أهميتها أقل بكثير من النفقات التي تصرف عليها، ويرى توجيه القوى ضد فاس، كما ينصح بتحسين وسائل الدفاع عن سبتة خوفاً من هجوم خير الدين عليها (١).
إن الوجود العثماني في الجزائر أثر على موقف الملك البرتغالي في المغرب إذ تراجع عن القيام بعمليات عسكرية فيه، كما أدخل استيلاء العثمانيين على تونس الحيرة لدى البابا، والإمبراطور شارل الخامس الذي اعتبر ذلك تهديداً مباشراً للمسيحية، ولخطوط مواصلاته البحرية مع أطراف مملكته (٢)، فوصل التهديد العثماني أقصاه فضلاً عن أن الدولة العثمانية.  .ضمنت السيطرة على الممرات الضيقة بين صقلية وأفريقيا (١).
تاسعاً: استيلاء شارل الخامس على تونس:
كان الموقف ملائماً بالنسبة لاسبانيا وذلك للقيام برد عنيف فقد انشغلت الدولة العثمانية بالحرب مع الشيعة الروافض في بلاد فارس، وطغى على الصراع في أوربا ووعد فرنسوا الأول ملك فرنسا شارل الخامس بالحياد - تردد شارل في اختيار المكان الذي سيوجه إليه ضربته في شمال أفريقيا الجزائر أو تونس ولكن استنجاد السلطان الحفصي الحسن بن محمد والرغبة في عزل استانبول دفع شارل الخامس إلى اختيار تونس للهجوم (٢) قاد شارل الخامس عملية بحرية شاقة تكونت من ثلاثين ألف مقاتل اسباني وهولندي وألماني ونابولي وصقلي، على ظهر خمسمائة سفينة، وركب الأمبراطور البحر من ميناء برشلونة وعندما رست سفنه أمام تونس قامت المعارك العنيفة بين الطرفين (٣)، الأمر الذي أعاد السيطرة الاسبانية على تونس في ٩٤٢هـ/١٥٣٥م (٤) إذ لم تكن قوة خير الدين بكافية للرد على ذلك الهجوم، فكان الجيش الاسلامي تعداده سبعة آلاف جندي عثماني وصلوا مع خير الدين ونحو خمسة آلاف تونسي، كما تخلف الأعراب عن الجهاد فكانت النتيجة الحتمية أن استولى شارل على معقل حلق الوادي مرسى تونس، تونس (٥)، ونصب الاسبان الحسن بن محمد حاكماً عليها، وعملاً بمنطوق المعاهدة كان الحسن بن محمد سيسلم بونه والمهدية الى شارل الخامس، فاستولى على بونة، وبما أن المهدية كانت في حوزة العثمانيين، فإن الحسن لم يستطع الوفاء بعهده فاشترط الاسبان عليه أن يكون حليفاً ومساعداً لفرسان القديس يوحنا بطرابلس (٦)،
وأن يقوم بمعاداة العثمانيين وأن يتحمل نفقات ألفي اسباني على الأقل يتركون كحامية في قلعة حلق الواد وعاد شارل الخامس الى اسبانيا واستقبل استقبال الغزاة الفاتحين في الوقت الذي كان فيه السلطان يحارب فيه الدولة الصفوية الشيعية الرافضية لبلاد فارس (٧).
.عاشراً: عودة خير الدين إلى الجزائر:
عاد خير الدين إلى الجزائر بعد هزيمته في تونس، واستقر أول الأمر بمدينة قسطنطينية، ومن هناك أخذ يستعد لاستئناف الجهاد ضد الاسبان في الجبهات التي يحددها، وكان لزاماً على خير الدين وقد استقر مؤقتا بمدينة الجزائر نظراً لالتزاماته التي تفرضها عليه خطته الجديدة كقبودان باشا للأسطول الإسلامي العثماني أن يشعر شارل الخامس بوجوده، وأن يرد على ضربة تونس بضربة مثلها فقام بالهجوم على جزر البليار الاسبانية وعلى سواحلها الجنوبية، فاجتاز مضيق جبل طارق، وأطلق العنان لنفسه بالانقضاض على السفن الاسبانية والبرتغالية العائدة من الأراضي الأمريكية، والمحملة بالذهب والفضة، فاهتزت لتلك الأحداث جميع الأوساط المسيحية، وأقلقت شارل الخامس الذي اعتقد أن خير الدين لن يقوى شأنه بعد حادثة تونس السابقة في ٩٤٢هـ / ١٩٣٥م (١)، من ناحية أخرى دخلت الدولة العثمانية في تحالف ر سمي مع فرنسا في ٩٤٣هـ/١٥٣٦م، ويعتبر ذلك هو رد الفعل على الهجوم المضاد الذي قام به الاسبان على تونس (٢) وبدا وكأن الإمبراطورية الرومانية المقدسة قد طوقت من قبل خصومها الفرنسيين والعثمانيين مما أدى إلى استئناف الحروب بينهما من جديد كما صارت أهداف اسبانيا والبرتغال واحدة وذلك في احتلال مراكز في بلاد المغرب بالاضافة إلى خوفهم من تقدم العثمانيين داخل شبه الجزيرة الايبيرية.
الدبلوماسية البرتغالية وتفتيت وحدة الصف في الشمال الأفريقي:
تلقى الملك أحمد الوطاس هزيمة ٩٤٣هـ/١٥٣٦م من السعديين في موقعة بير عقبة قرب وادي العبيد، بسبب تخلي قبائل الخلوط التي كادت تكون القوة الأمامية للجيش الوطاسي، ونشرت الفوضى في سائر الجيش وأثر هذه الهزيمة تقرب أحمد الوطاسي من البرتغال وذلك نتيجة شعوره بانشغال العثمانيين في حروبهم ضد الاسبان ووقع معهم معاهدة لمدة أحد عشر عاماً (٣) تقضي بوضع المغاربة المقيمين في ضواحي أصيلا وطنجة والقصر الصغير تحت السلطة القضائية لملك فاس، كما يجوز لرعايا الملك الوطاسي المتاجرة بحرية داخل تلك المناطق باستثناء تجارة الأسلحة والبضائع المحظورة وإذا وصلت مراكب عثمانية أو فرنسية أو تابعة لمسيحيين من غير الاسبان ولا البرتغاليين إلى أراضي برتغالية، محملة بغنائم أخذت من المغاربة فلن يشتري منها شيء، وكذلك الحال بالنسبة للمغاربة لن يشتروا من العثمانيين.   .ويتم الاسيتلاء على الغنائم وترد من طرف لآخر مالم يسمح قوات العدو في مهاجمتها (١).
حاول البرتغاليون كذلك عقد هدنة مع السعديين، فبعثوا وفداً إلى مراكش للتفاوض مع المولى أحمد الأعرج الذي استجاب لذلك، لأنه كان في حاجة إلى تنظيم أمور دولته الناشئة سيما بعد الانتصارات التي حققها ضد خصومه الوطاسيين في موقعة بير عقبة ٩٤٣هـ/١٥٣٦م، واتفق البرتغاليون مع السعديين لعقد هدنة بينهما في ٢٥ ذي القعدة ٩٤٤هـ/ ٢٥ابريل ١٥٣٧م لمدة ثلاث سنوات، مع إقامة تبادل تجاري بين رعايا الطرفين (٢) كان هدف البرتغاليين من التقرب مع الوطاسيين والسعديين هو الحيلولة دون قيام تعاون حقيقي بين العثمانيين من ناحية والوطاسيين والسعديين من ناحية أخرى، لأن أي تعاون من هذا القبيل معناه تهديد لمصالح شبه الجزيرة الايبرية في المغرب، والأهم من ذلك خوف اسبانيا والبرتغال من تقدم الدولة العثمانية داخل شبه الجزيرة الايبرية، وتحقيق هدفها في استرداد الأندلس 
 
المبحث الخامس
المجاهد الكبير حسن آغا الطوشي
اشتغل خير الدين بربروسا بحكم منصبه قبودان باشا بالعمل في الأسطول العثماني وبدأ نشاطه في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، بينما استمر حسن آغا الطوشي في منصبه المستخلف عليه نائب البيلر بك يعمل على قهر القرصنة الأوربية فأبلى في سبيل ذلك البلاء الحسن، وصار شخصه في الجزائر مثالاً بارزاً في البطولة والتضحية الإسلامية في سبيل الدفاع عن بلاد الإسلام في الشمال الإفريقي فاكتسب الجزائر مهابة وجلالاً وجعلت الأمم المسيحية تهرع على عاهلها الأكبر الإمبراطور شارل الخامس مستنجدة بسلطانه منضوية تحت لوائه، ومن بينها البابا بول الثالث، وقد حاول شارل الخامس ٩٤٦هـ/١٥٣٩م عقد هدنة مع خير الدين إلا أنه خاب أمله (١)، مثل ما خاب في محاولته السابقة عندما عرض على خير الدين سراً الاعتراف به حاكماً لشمال افريقيا مقابل جزية بسيطة، إذ كان شارل الخامس يأمل في قيام تحالف اسباني جزائري يجابه به التحالف الفرنسي العثماني ويعمل على فصل شمال افريقيا عن استنبول على أمل أنه إذا تحقق ذلك فلن تستطيع شمال افريقيا إبداء مقاومة قوية يكون من السهل سقوطها (٢).
انهمك حسن آغا الطوشي في توطيد الأمن، ووضع الأسس للإدارة المستقرة ومحاولة جمع أطراف البلاد حول السلطة المركزية الجزائرية (٣)، فأخضع مدينة مستغانم لدولته ثم تقدم نحو الجنوب الشرقي فاستولى على عاصمة الزاب بكرة وملحقاتها، وشيد هناك حصناً وأقام به حامية.
ركب الجيش العثماني في شهر جمادي الأول ٩٤٩هـ/ سبتمبر ١٥٣٩م البحر، وكان قوامه ١٣٠٠ رجل، على ظهر ثلاث عشرة سفينة واندفعوا عنها من الاسبان نزل حسن أغا. وجيشه إلى البر فاحتل البلدة وتمكن منها، واستحوذ على مافيها من خيرات وأرزاق وغنائم للمسلمين وتوغل في جهات الساحل الاسباني الجنوبي، وغنم ماوقع تحت يده من أموال ومتاع الاسبان ويختار من بينهم جماعات من الأسرى والسبايا يسوقهم للبيع في المدن المغربية الشمالية خاصة تطوان ثم يعود للميدان وعندما أراد الرجوع إلى الجزائر اعترضت طريقه عمارة اسبانية كبيرة العدد، وقامت المعركة بين القوتين وكانت عنيفة قاسية، أسفرت عن غرق عدد من سفن الجانبين ومع ذلك كانت خسائر الاسبان في هذه المعركة عظيمة (١).
عزم شارل الخامس على القيام بحملة عسكرية تستهدف القضاء على حركة الجهاد الإسلامي في الحوض الغربي للبحر المتوسط وقبل أن يشرع في تنفيذها كان هدوءاً نسبياً يسود القارة الأوربية إثر عقد هدنة نيس في محرم ٩٤٥هـ/ يونيو ١٥٣٨م مع فرنسا والتي كانت مدتها عشر سنوات (٢) رسا شارل الخامس أمام مدينة الجزائر في يوم الثامن والعشرون من شهر جمادي الأخيرة سنة ٩٤٨هـ الموافق الخامس عشر من شهر اكتوبر ١٥٤١م وعندما شاهده حسن آغا الطوشي، اجتمع في ديوانه مع أعيان الجزائر وكبار رجال الدولة، وحثهم على الجهاد والدفاع عن الإسلام والوطن قائلاً لهم " ... لقد وصل العدو عليكم ليسبي أبناءكم وبناتكم، فاستشهدوا في سبيل الدين الحنيف ... هذه الأراضي فتحت بقوة السيف ويجب الحفاظ عليها، وبعون الله النصر حليفنا، نحن أهل الحق ... "، فدعا له المسلمون وأيدوه في جهاد العدو، ثم بدأ حسن آغا في إعداد جيوشه والاستعداد للمعركة (٣).
من ناحية أخرى بدأ الاسبان في تحضير متاريسهم وتعجب شارل الخامس لاستعدادات حسن آغا وأراد أن يستهزئ به، فأمر كاتبه بإعداد خطاب لحسن آغا جاء فيه " ... أنت تعرفني أنا سلطان .. كل ملة المسيحيين تحت يدي إذا رغبت في مقابلتي سلمني القلعة مباشرة .. أنقد نفسك من يدي وإلا أمرت بإنزال أحجار القلعة في البحار، ثم لا أبقي عليك ولاسيدك ولا الأتراك، وأخرب كل البلاد ... " وصل ذلك الخطاب إلى حسن آغا وأجاب عليه " ... أنا خادم السلطان سليمان ... تعالى واستلم القلعة ولكن لهذه البلاد عادة، أنه إذا جاءها العدو، لايعطي إلا الموت " (٤)، وفي رواية: (غزت اسبانيا الجزائر في عهد عروج  ..مرة، وفي عهد خير الدين مرة، ولم تحصل على طائل، بل انتهبت أموالها وفنيت جنودها، وستحصل المرة الثالثة كذلك إن شاء الله " (١).
وفي الليلة ذاتها، وصل إلى معسكر شارلكان رسول من قبل والي الجزائر يطلب إذناً للسماح بحرية المرور لمن أراد من أهل الجزائر وخاصة نساءها وأطفالها مغادرة المدينة عبر (باب الواد) وعرف (شارلكان) أن حامية الجزائر مصممة على الدفاع المستميت، وأنه من المحال احتلال الجزائر إلا إذا تم تدميرها تدميراً تاماً. ولم يكن الإمبراطور قد أنزل مدفعية الحصار حتى تلك الساعة، فلم يتمكن بذلك من قصف الجزائر بالمدفعية، وفي الوقت نفسه كان المجاهدون يوجهون ضرباتهم الموجعة إلى القوات الاسبانية، في كل مكان، حتى قال أحد فرسان مالطة في تقريره عن المعركة: " لقد أذهلتنا هذه الطريقة في الحرب، لأننا لم نكن نعرفها من قبل " (٢). وكانت أعداد المجاهدين تتعاظم باستمرار بفضل تدفق مقاتليهم من كل مكان بمجرد سماعهم بإنزال القوات الاسبانية وكان المجاهدون يستفيدون في توجيههم لضرباتهم من معرفتهم الدقيقة بالأرض واستخدامهم لمميزاتها بشكل رائع وسخر الله لجنود الإسلام الأمطار والرياح والأمواج (وهبت ريح عاصف استمرت عدة أيام واقتلعت خيام جنود الحملة وارتطمت السفن بعضها ببعض مما أدى إلى غرق كثير منها وقذفت الأمواج الصاخبة ببعض السفن إلى الشاطئ وهجم عليها المدافعون المسلمون واستولوا على أدواتها وذخائرها، أما الأمطار فقد أفسدت مفعول البارود. وفي وسط هذه الكوارث حاول الإمبراطور مهاجمة مدينة الجزائر، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل .. ) (٣)
وظهرت بطولات رائعة من القائد (الحاج البشير) الذي استطاع بجنوده أن يحصد رؤوس النصارى بشجاعة فائقة، وبسالة نادرة، وبطولة رائعة لقد استطاعت القيادة العسكرية الجزائرية أن تستفيد من الوضع المحيط بالنصارى، ووجهت جنودها بطريقة متميزة في الكر والفر أفنت جزءاً كبيراً من الأعداء واضطر الإمبراطور إلى الانسحاب مع بقية جنوده على ما تبقى لهم من سفن واتجه بأسطوله إلى إيطاليا بدلاً من اسبانيا وكان من العوامل التي ساعدت على إلحاق هذه الهزيمة بالإمبراطور، القيادة الرشيدة والتفاف الشعب الجزائري حولها وتدفق رجال القبائل إلى ساحة الوغى طلباً للشهادة في سبيل الله، ودفاعاً عن الإسلام والمسلمين،. وقد شبه أهل الجزائر هذه الهزيمة بهزيمة أصحاب الفيل التي ورد ذكرها في القرآن الكريم فقالوا في رسالة وجهوها إلى السلطان سليمان إن الله سبحانه وتعالى عاقب شارل الخامس وجنوده " بعقاب أصحاب الفيل، وجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم ريحاً عاصفاً وموجاً قاصفاً، فجعلهم بسواحل البحر مابين أسير وقتيل، ولانجا منهم من الغرق إلا قليل " (١).
لقد قام سكان الجزائر - سواء أهل الأقليم الأصليين أو مسلمي الأندلس الذين فروا بدينهم إلى الجزائر - بعثوا برسالة في الشهر التالي لهزيمة شارل الخامس إلى السلطان سليمان وقد أوضحت هذه الرسالة الأحوال المؤلمة والمفجعة التي تحيط بالمسلمين الذين احتفظوا بدينهم في إسبانيا بعد أن طويت صفحة الحكم الإسلامي في الأندلس وتعرضهم لاضطهاد السلطات المسيحية ولمحاكمات ديوان التحقيق - محاكم التفتيش وإحراقهم، وأشادت الرسالة بالخدمات الجليلة التي أداها للإسلام خير الدين باشا " المجاهد في سبيل الله، وناصر الدين، وسيف الله على الكافرين ". ومضت الرسالة تقول إن أهل الأندلس قد سبق لهم أن استغاثوا به فأغاثهم " وكان سبباً في خلاص كثير من المسلمين من أيدي الكفرة المتمردين ونقلهم إلى أرض الإسلام " وأصبحوا من رعايا الدولة العثمانية المخلصين. وحددت الرسالة مطلبين أساسيين:
١ - إرسال نجدات عسكرية " لنصرة الجزائر، لأنها سياج لأهل الإسلام، وعذاب وشغل لأهل الكفر والطغيان، وهي موسومة باسمكم الشريف، وتحت إيالة مقامكم المنيف، وقد أصبحت القلوب المنكسرة بها عزيزة، والرعية المختلفة بها مؤتلفة أليفة " (٢).
٢ - إعادة خير الدين باشا إلى منصبه السابق - بكلر بك الجزائر - " فهو المتمثل لأوامر مولانا، لأنه أحيا هذا الوطن، وأرعب قلوب الكفار وخرب ديار المردة والفجار، .... وإنه لهذا الوطن نعم ناصر، وجميع أهل الشرك منه خائف وحائر " (٣).
وصل خير الدين بربروسا إلى مدينة الجزائر للاسهام في الدفاع عنها توفيق الله للمسلمين وسواعدهم قد قضت على أسطول الاسبان فاكتفى بتفقد أمور البليربكية واطلع على سير الأمور فيها، ثم انطلق بأسطوله نحو البلاد الاسبانية يذيقها العذاب الأليم، وأنعم السلطان.  سليمان على حسن آغا الطوشي برتبة الباشوية، لدوره الفعال في النصر وخلى البحر المتوسط تقريباً من الأساطيل الأسبانية التي كانت تضمد جراحها وتحاول استرجاع قوتها، فانطلقت السفن العثمانية نحو السواحل الاسبانية والايطالية وتوالت هنالك الغزوات وساد الرعب والفزع تلك النواحي التي بقيت مفتوحة في وجه العثمانيين يتوغلون داخلها ويغنمون مافيها (١)، كما صارت الدولة الأوربية تعمل للعثمانيين حساباً، فاهتز بذلك مركز الاسبان في وهران وغيرها من مناطق نفوذهم في الشمال الافريقي (٢)،
وحقق السعديون على صعيد آخر نصراً كبيراً على البرتغاليين وفتحوا حصن سانتاكروز، وما أن علم الملك البرتغالي جان الثالث بهذا الخبر حتى أمر حاميات آسفي وأزمور بالجلاء فوراً عنها، وقد وجه الملك جان الثالث في هذا الشأن إلى سفيره بمدريد رسالة مؤرخة في الثاني والعشرين رمضان ٩٤٨هـ/ ديسمبر سنة ١٥٤١م، يطلع فيها الامبراطور الاسباني شارل الخامس، حيث جاء فيها ذكر للاسباب التي اجبرت البرتغال على اتخاذ قرار الجلاء عن قاعدتي لاسفي وأزمور فبالاضافة إلى موقعها الحرج هناك تزايد قوات السعديين بفضل المساعدات العثمانية، حيث صار الحاكم السعدي يملك المدفعية العثمانية، والآلات الحربية، وعلى جنود مدربين وظهرت تلك الإمدادات عند حصار سانتاكروز، مما جعل الاحتفاظ بهذين المركزين أمراً شاقاً وصعباً، ثم أن الجلاء عن أسفي وأزمور ليس معناه التخلي عن المغرب، فقد أعطيت الأوامر لتحصين مازكان لسهولة استغلال مينائها طوال أيام السنة (٣)، يظهر من ذلك مدى اهتمام الدولة العثمانية في تقديم المساعدة للقوى الإسلامية في المغرب ضد المسيحيين المتواجدين فيها وذلك لأن الدولة ترغب في تأمين ظهرها حتى يتسنى لها الهجوم، فرغبت الدولة هنا في مساعدة السعديين لينهوا التواجد البرتغالي في المراكز الجنوبية من المغرب، ثم ليعبروا للأندلس، لأن المغرب يمثل أقرب نقطة للعبور (٤).
مصير شارلكان:
كان فشل شارلكان (شارل الخامس) في حملته على الجزائر، ذا أثر عميق لا على الإمبراطورية الاسبانية، ولا على ملكها شارلكان، وإنما على مستوى الأحداث العالمية. وقد حفظ الشعر العربي هذا الحدث الذي قيل فيهسلوا شرلكان كم رأى من جنودنا ... فليس له إلا هُمُ من زواجر
فجهز اسطولاً وجيشاً عرمرماً ... ولكنه قد آب أوبة خاسر
ونزلت أنباء الهزيمة نزول الصاعقة على أوروبا وتطورت الأحداث هناك هنالك بسرعة. فلم يبقى حليف للإمبراطور سوى هنري الثالث ملك إنكلترا، وانضم إلى ملك فرنسا الدوق (دي كليف) وملك الدانمارك وملك اسكندينافيا. وكان فرح الفرنسيين عظيماً لأن سقوط الجزائر كان يؤدي لامحالة إلى سقوط فرنسا، وبادر ملكها فرنسوا الأول لإبرام معاهدات مع السلطان العثماني وكان لهذه الغارة أيضاً نتائج معنوية داخل الشمال الأفريقي وأما في أوربا (بقى رعب المسلمين في قلوب أهل أوربا لمدة طويلة). ولم يعد شارل الخامس قادراً على التفكير في حملة أخرى ضد الجزائر وطغى شبح خير الدين وحسن آغا على العامة والخاصة حتى أصبح الناس إذا رأوا جفناً عن بعد نسبوه إلى خير الدين، فيتصاعد الصراخ ويكثر العويل ويفر السكان من ديارهم ومن حقولهم ومتاجرهم. وإذا حطمت الزوابع مركباً توهم الناس أن خير الدين بربروسة هو الذي أثار البحر وهيجه وأغراه على اغراق سفنهم. وبلغ الخوف من قادة الجزائر أقصى درجة حتى أصبح أهل اسبانيا وإيطاليا إذا ما حدثت جريمة أو سرقة أو وقع فساد أو تخريب أو مرض أو وباء أو قحط قالوا خير الدين وأصحابه هم السبب في ذلك (١) - وكانوا في نحيبهم يقولون:
بربروشة ... بربروشة
أنت صاحب ... كل شر
ما كان من ... ألم أو عمل
مؤذ وجهنمي ... مدمر
إلا والسبب ... فيه
هذا القرصان ... الذي
لانظير له في ... العالم (٢)



وفاة حسن آغا الطوشي:
استمر حسن آغا في القيام بواجبه المقدس حتى وفاته ٩٥١هـ/ ١٥٤٤م فأجمع أهل الديوان في الجزائر على تولية الحاج بكير مكانه، وريثما يعين الباب العالي باستانبول الحاكم الجديد، الذي عين حسن ابن خير الدين وقدم في نفس السنة (١).



المبحث السادس
المجاهد حسن خير الدين بربروسة
شرع حسن بن خير الدين حال وصوله، ليستعد للجهاد ومواجهة المسيحيين، فعمل على تحصين مدينة الجزائر، وذلك في المناطق التي أظهر هجوم شارل الخامس عن ضعفها، كما أخذ يعمل على توطيد النظام في الجزائر وبين صفوف الجيش، ثم انصرف إلى حل مشكلة تلمسان، إذ تبين له أن بقاء الأسرة الزيانية ووجود الاسبان في وهران يعيقان حل المشكلة (١).
كان حاكم تلمسان (أبو زيان) أحمد الثاني قد تولى الحكم بدعم من العثمانيين، غير أنه مالبث أن خضع لمؤامرات خارجية وانساق في تيارها وأخذ يتقرب من الاسبان، مما أدى إلى كره الأهالي له وقرروا خلعه عن العرش ومبايعة أحد أخوته (الحسن) فتوجه أبو زيان إلى وهران طالباً للدعم من الاسبان، مقدماً لهم التعهدات بأن يحفظ على ولائه لهم، فقرر حاكم وهران انتهاز هذه الفرصة، فجهز جيشاً، وانضم اليه جموع الخاضعين للاسبان من بني عامر وفليتة وبني راشد وعلى رأسهم القائد المنصور من بو غنام، وتقدموا إلى تلمسان لابعاد الحسن، واعادة تنصيب أبو زيان على عرش المدينة، وما أن علم حسن بن خير الدين بتحرك القوة الاسبانية، حتى قاد الجيش الإسلامي في تلمسان ليمنع الاسبان من الوصول إلى هدفهم، وتمكن حسن بن خير الدين من ذلك، ودعم حليفه الملك حسن في تلمسان (٢)، الذي اعترف بسلطة الدولة العثمانية كما ترك الباشا حسن بن خير الدين حامية عثمانية بقيادة القائد محمد في قلعة المشوار في تلمسان، إلا أنه مع ذلك ظل نفوذ الدولة العثمانية مهتزاً خارج تلمسان، بسبب مضايقات بعض القبائل المجاورة بقيادة المزوار بن بوغنام، الذي يرغب في مساندة زوج ابنته الأمير مولاي أحمد، حليف الاسبان (٣). قامت الدولة العثمانية بدعم السلطان الشريف السعدي بنحو عشرين ألف مجاهد، فالتفوا حوله،.  . ...:  .ودفعوه إلى بناء مراكب حربية للإستيلاء على اسبانيا، فوافق الشريف السعدي على ذلك وصرف لهم أجورهم ومكافآت لهم (١).
واستطاع الشريف السعدي أن ينهي الحكم الوطاسي وأصبح الأسبان متخوفين من هجوم عثماني سعدي مشترك، فقاموا بإنهاء استحكامات مليلة، وفرضت عدة إجراءات أمنية على جبل طارق وقادش وغير ذلك من الاحتياطات.
لقد ظهر السعديون أول الأمر كمحررين للمغرب من الوجود المسيحي فأكسبهم ذلك تأييد المسلمين، إذ اعتبروا ذلك نوعاً من الجهاد فقدمت الدولة العثمانية مساعدات كبيرة لتحقيق ذلك، ثم عرضت على السعديين مشروع استرداد الأندلس، إلا أنه بعد أن دانت بلاد المغرب للشريف السعدي وانتهاء الحكم الوطاسي، توجه الشريف بأنظاره نحو تلمسان، فأرسل جيوشاً كبيرة لإنهاء الحكم العثماني فيها، وعندما شعر العثمانيون بتلك الأطماع وانحراف الشريف السعدي عن الهدف الإسلامي أرسلت له حملات ليعود إلى بلاده (٢).
استمر المجاهدون في شمال افريقيا يهددون أمن غرب البحر المتوسط فقاموا بمناوشات بحرية أزعجت التجارة والسفن المحملة بين اسبانيا وايطاليا وغض المجاهدون من أهالي الشمال الأفريقي الجزء من البحر المتوسط بين سردينيا والساحل الأفريقي، وبذلك اضطرت السفن المسيحية أن تطرق الطرق الأكثر أماناً بالقرب من رأسي كورسيكا ولكن الاحتلال الفرنسي للرأس بمساعدة العثمانيين هددوا أيضاً الاتصالات بين اسبانيا وايطاليا، ولم تكن هناك مهلة لشارل الخامس في الدفاع عن الطرق البحرية ضد القسطنطينية التي كانت حلمه منذ سنوات طفولته، كما أنه صار غير قادر على تقديم مصالح مباشرة لاسبانيا (٣).
أولاً: أخر أيام خير الدين بربوسة:
استمر خير الدين في قيادة الأسطول العثماني وحقق انتصارات رائعة هزت أوروبا كلها وبعد أن تحالفت الدولة العثمانية مع فرنسا جعل خير الدين من مدينة (مارسيليا) قاعدة لقيادته ومقراً لاسطوله وهناك -في مارسيليا- باع خير الدين ورجال اسطوله الغنائم التي.  حملوها معهم من اسبانيا، كما باعوا فيها رقيق الاسبان من الرجال والنساء. فتداولتهم أيدي القوم، واشتراهم الفرنسيون بضاعة رابحة، ثم اخذوا يبيعونهم بأرباح طائلة الى يهود (ليفورنو) الإيطالية، وكان هؤلاء بدورهم يعيدون بيع الأسرى الارقاء الى الامبراطور (شارلكان) بأرباح خيالية. وأنضم الاسطول الفرنسي الى الاسطول العثماني بأمر من ملك فرنسا. ووضع قائد الاسطول الفرنسي (الأمير فرانسوا دبو بوربون) قواته تحت قيادة (خيرالدين) باعتباره القائد العام للقوات المتحالفة (العثمانية-الفرنسية) وكان أول عمل قام به (خير الدين) هو قيادة القوات لمهاجمة (نيس) وطرد حاكمها (دوق سافوا) وانتزاعها من الحكم الاسباني وإعادتها لملك فرنسا. ثم استقر خير الدين باسطوله في مدينة (طولون) وجعلها قاعدة للجيش الاسلامي والاسطول الاسلامي، بعد أن غادرها معظم سكانها بأمر ملك فرنسا وتركوها في ايدي المسلمين. ثارت ثائرة المسيحية جمعاء ضد هذا التصرف الأفرنسي، وأخذت الدعاية المضادة للمسلمين تجتاح أرجاء أوروبا، يحملها الاسبان وغلاة الصليبية، ويستثمرونها الى أقصى الحدود. ومن ذلك قولهم: (ان خير الدين قد اقتلع أجراس الكنائس، فلم تعد تسمع في طولون إلا أذان المؤذنيين) وبقي خير الدين والجند الاسلامي بمدينة طولون حتى سنة ١٥٤٤م.
وكان (شارلكان) أثناء ذلك قد هاجم شمال شرقي فرنسا وانهزم تحت جدران (شاتوتييري) (١) ثم اضطر للذهاب الى ألمانيا، حيث كانت حركة التمرد البروتستانتي ضد الكاثوليكية بصفة عامة، وضده بصورة خاصة، قد أخذت أبعاداً خطيرة. وأرغمه ذلك بعد أن هوى نجمه وذبل عوده بنتيجة نكبته أمام الجزائر -الى عقد معاهدة مع ملك فرنسا يوم ١٨ أيلول (سبتمبر) ١٥٤٤م في مدينة (كريسبي دي فالوا). ونتج عن هذه المعاهدة جلاء (خير الدين) وقواته عن مدينة (طولون) ورجع الى العاصمة (استانبول). وبما أن الحرب لم تتوقف بين اسبانيا والمسلمين، فقد استمر (خير الدين) في ممارسة الأعمال القتالية أثناء طريق عودته، فتوقف أمام مدينة جنوة، وارتاع مجلس شيوخها فأرسل له مجموعة من الهدايا الثمينة مقابل عدم التعرض للمدينة بأذى، فتابع (خير الدين) طريقه حتى وصل جزيرة (البا) التي كانت تحت حكم اسبانيا -والتي أصبحت منفى نابليون بونابرت فيما بعد- فاحتلها، وغنم مابها، كما احتل عدداً من المدن الساحلية، من بينها مدينة (لبياري) ورجع الى العاصمة بسفنه مثقلة بالغنائم فاستقبل كأحسن ماتستقبل به الأم أبناءها البررة.  ولم يعمر خير الدين بعد ذلك طويلاً، ومضى الى جوار ربه، وكان قد سبقه رفيق جهاده حسن باشا الطوشي سنة ١٥٤٤م.
وغاب بوفاة (خير الدين) نجم طالما أضاءت له سماء المسلمين في البر والبحر، وانطوت بغيابه صفحة ناصعة من صفحات الجهاد في سبيل الله لتبدأ صفحة جديدة.
لقد قاد خير الدين حروب الإيمان وحقق فوزاً عظيماً واتصف بالوفاء والاخلاص وإنكار الذات والاستعداد الدائم للتضحية والصدق والشجاعة بكل أشكالها ويحفظ لنا التاريخ رده على شارلكان عندما قال له (يجب ألا تنسى أن الاسبان لم يخذلوا في معركة، وأنهم قتلوا أخويه الياس وعروج، وان تمادى فيما هو عليه وركب رأسه فإن عاقبته ستكون كعاقبة أخويه). فأجاب خير الدين: (سترى غداً، وإن غداً ليس ببعيد، أن جنودك ستتطاير أشلاؤهم وإن مراكبك ستغرق، وإن قوادك سيرجعون إليك مكللين بعار الهزيمة). وعندما حاصر شارلكان الجزائر بعد وفاة عروج بربروسة خرج له خيرالدين ومعه حزم وعزم، وتلا على جميع قواده وجنوده قوله تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وتقدم للميدان ومعه رجاله، وقال لهم: (إن المسلمين في المشرق والمغرب يدعون لكم بالتوفيق، لأن انتصاركم انتصار لهم، وإن سحقكم لهؤلاء الجنود الصليبيين سيرفع من شأن المسلمين وشأن الاسلام) (١).
فصاحوا كلهم (الله أكبر) وهاجموا الاسبان فأبادوهم عن آخرهم) (٢).
إن هذه الصورة لا تختلف أبداً، لا في شكلها ولا في مضمونها عن صور أولئك القادة المجاهدين في سبيل الله، والذين خرجوا من جزيرتهم فحملوا الى الدنيا رسالة الاسلام. غير أن الموقف العام لم يكن في عهد (خير الدين) مشابهاً لما كان عليه أيام الفتح، فقد أخذ الضعف طريقه الى قلوب المسلمين وانظمتهم فقد كانوا من قبل تحت قيادة واحدة لاتسمح لأعداء الداخل بالظهور أو بممارسة دروهم في التأثير على التيار العام. في حين أصبح لهؤلاء دورهم في توجيه الأحداث وكان أخطر ما في الأمر أن هؤلاء كانوا يحتلون مراكزاً قيادية تسمح لهم بممارسة دور خطير ضد مواطنيهم وإخوانهم في الدين.
لقد كان من المحال تحقيق النجاح في مثل هذه العمليات لو لم تتوافر كفاءة قيادية عالية، تتولى إدارة المعركة في كل مرحلة من مراحلها الصعبة.    .وقد توافرت العوامل الثلاثة للنصر: شعب مجاهد في سبيل الله، وتطبيق رائع للعقيدة القتالية الاسلامية وقيادة على درجة عالية من الكفاءة.
بذلك انتصر (شعب الجزائر) وبذلك انتصر خيرالدين، فكتب شعب الجزائر مع خير الدين تحت سيادة الدولة العثمانية قصته الرائعة في الجهاد والمجاهدين.
ولم يكن (خير الدين) قادراً على تحقيق مايريده لولا ما قام به شعب الجزائر المجاهد، وما كان شعب الجزائر ليصل الى هدفه لولا توافر قيادة حازمة مارس (خير الدين) دوره في تكوينها ووضعها لتصبح على مستوى الأحداث.
لقد مضى خيرالدين الى جوار ربه راضياً مرضياً، وبقي وبقيت الأمة الأسلامية تردد على مدى الدهر تلك المواقف البطولية التي صنعتها العقيدة ومبادئ الجهاد وقيمه في سبيل الله (١).
ثانياً: عزل حسن بن خير الدين عن الجزائر:
كان حسن بن خير الدين بربروساً بعد أن هزم السعديين في تلمسان ووطد دعائم الحكم العثماني فيها ٩٥٩هـ/١١٥١م، انتهج سياسة مضادة لكل الدول الأجنبية، بما فيها فرنسا التي كانت ترتبط بالدولة العثمانية بروابط رسمية جيدة، ساعدت الفرنسيين على الإفادة من الامتيازات الاقتصادية التي منحت لها مع استانبول والتي شملت جميع أقاليم الدولة العثمانية، غير أن حسن ابن خير الدين لم يلتزم بذلك، وأعلن عداءه لفرنسا في مناسبات عديدة فما كان من فرنسا إلا أن أرسلت سفيرها المعتمد في استانبول الى الجزائر يهدف معرفة المدى الذي سيصل إليه حسن بن خير الدين في عدائه لفرنسا، وفيما إذا كان هذا العداء سيؤثر على العلاقة الاقتصادية مابين فرنسا وبيلربكة الجزائر.
اجتمع سفير فرنسا بالبيلربك حسن بن خير الدين، وعرض عليه تقديم مساعدات عسكرية، لتنفيذ مشروع الدولة العثمانية في مهاجمة اسبانيا، ونجدة مسلمي الأندلس، لكن حسن رفض هذا العرض، لمعرفته بمواقف فرنسا السابقة من الدولة العثمانية نفسها، وأعلن صراحة أن قضية الجهاد هي قضية خاصة بالمسلمين، وبين بأنه لاينتصر بكافر على كافر ورجع السفير الفرنسي الى استانبول، حتى أوغر صدر الباب العالي بقوله: (ان السلطة الواسعة المطلقة التي يمارسها حسن بن خير الدين ومحاولته توسيع مملكته ستحطم. وحدة الدولة العثمانية وتهدد كيانها بالانقسام) (١) خاصة وأن والدته من الاسر الجزائرية المعروفة.
رأت الدولة العثمانية أنه لزاماً عليها من تغيير سياستها في المنطقة خاصة بعد أن صار المغرب حليفاً قوياً للاسبان، مما أدى الى قلب الموازين الاستراتيجية رأساً على عقب فأتخذ السلطان عدة تدابير لمواجهة الحالة الجديدة، ومن ذلك عزل السلطان سليمان القانوني بيلر بك الجزائر حسن بن خير الدين بدعوى الاساءة الى حسن الجوار مع المغرب، كما دعا الى الوحدة الاسلامية والى حسن الجوار (٢).
اسندت الدولة العثمانية بيلربيكيه الجزائر الى صالح رايس في صفر ٩٦٠هـ/يناير ١٥٥٢م، بدلاً من حسن بن خير الدين (٣).
ثالثاً: رسالة السلطان سليمان القانوني الى حاكم فاس محمد السعدي:
... هذا مثالنا الشريف العالي السلطاني وخطابنا المنيف السامي الخاقاني لازال نافذاً مطاعاً بالعون الرباني والصون الصمداني اصدرناه الى الجناب العالي الاميري الكبير الأكرمي الافخمي الاكملي الارشدي، الاعدلي الهامي الماجد النصيري الذخيري الحسبي النسبي نسل السلالة الهاشمية فرع الشجرة الزكية النبوية طراز العصابة العلوية المحفوف بصنوف لطايف عواطف الملك الصمد حاكم ولاية فاس يومئذ الشرف محمد دام علوه وزاد سموه.
اصدرنا هذا المثال الشريف العالي الى جنابة العالي نخصه منا سلام بتكميل صلاة (الصلات) المحبة بالتحيات الطيبات وتتأكد بعطره صلات المودة بالتسليمات الزكيات وبعد فإن الله جلت قدرته وعظمت مشيئته منذ أقامنا في دولة هائلة نركب خيولها، ونعمة طائلة نسحب ذيولها وسيادة سائدة كالشمس وضحيها، وسعادة ساعيه كالقمر اذا تليها، وخصنا خلافة جليلة عضد الايمان بها منصور ومنحنا سلطة ساعد الاسلام بها مرفوع لاجرم وجب علينا وتحتم على ذمتنا اداء (شكر) هذا اللطف الجسيم والاحسان العميم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وكان ابداد ابنا، ودائماً عادتنا الاهتمام باجراء الشرع المبين وانقاذ سيد الأولين عليه الصلوة وعلى آله اجمعين والقيام في اطفاء نايرة الكفر.والطغيان وطي الظلم والعدوان ونشر العدل والاحسان ولما بلغ سمعنا الشريف ان أمير الأمراء بولاية الجزائر سابقاً حسن باشا لم يحسن المجاورة مع جيرانه ومال الى جانب العنف والاعتساف ونبذ وراء ظهره طرق الوفاق والائتلاف وسد باب الاتحاد مع المجاهدين حماة الدين، لذلك بدلناهم غيره، فأنعمنا بولاية الجزائر على مملوك حضرتنا العلية وخلاصة خدام اعتابنا الجليلة امير الأمراء الكرام كبير الكبراء الفخام ذي الجلال والاكرام والاحترام صاحب الفرد والاحتشام المختص بمزيد عناية الملك الاعلى صالح باشا دام اقباله لفرط شهامته وشجاعته وكمال دينه وديانته فوضنا إليه تلك الديار وأمرنا باقامة الشراع (الشرع) الشريف المتين، واحياء تواقر سيد المرسلين وصون الرعايا وحفظ البرايا الذين هم ودائع الله تعالى وان يكون مع الاهالي الاسلام على أكمل اتحاد واجمل اتفاق مجداً فيما يتعلق بالدولة والدين وقيام ناموس سلطاننا المتين مثابراً على دفع اعداء الدين وقمع الكفرة الفجرة المتمردين على ان اقصى مراد حضرتنا العلية احياء مراسم الاسلام واطفاء ثائرة الكفرة والمتمردين اللئام وذلك المرام يكون
باتفاق امراء الاسلام واتحاد امناء شرع سيد الانام ويتم به النظام ولاينفي لاثارهم في الشهور والاعوام.
وأمرناه أيضاً أن ينظر الى احوال المسلمين بنظر الاشفاق والمراحم وينظر بينهم بكمال العدالة وحسن المكارم ليكونوا في ايام دولتهم العادلة أمنين مطمئنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ولابد لكم ان تحسنوا المجاورة وتذهبوا طريق حسن المعاشرة مع كونكم أولاد سيد الأنبياء، واحفاد سيد الاصفياء سمعنا عدلكم وانصافكم وبكمال التقوى وصفات الكمال اتصافكم، ولذلك الشأن كتبنا اليكم منشوراً يوجب مضمونة المصافات ويشفي مكنونة ان تكون المودة في اقصى الغايات ولك ان تنبئوا باخباركم صحتكم الغالية الى اعتبانا العالية ... ) (١).
تحريراً في أوائل شهر محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة، الموافق يناير ١٥٥٢م بمقام ادرنة كما بعث السلطان سليمان القانوني بخطاب آخر الى حاكم المغرب محمد الشيخ السعدي، يمنحه بخلع، والخطاب عبارة عن مرسوم سلطاني قال فيه: ( ... هذا مثالنا الشريف .. الخ اصدرنا الى الجناب العالي حاكم فاس يومئذ الشريف محمد ... نخصه بسلام تتكمل به صلات المحبة بالتحيات الطيبات وتتأكد بعطره صلات المودة بالتسليمات الزاكيات وبعد.  . . .فان الله جلت قدرته وتعالت عظمته منذ اقامنا في دولة هايلة نركب خيولها، ونعمة طائلة نسحب ذيولها وسيادة سايدة كالشمس وضحيها.
وامضاء سني سنن سيد الاولين والآخرين ومظاهرة حماة الدين ومجاهدين الكفرة المتمردين وانت من اولاد سيد المرسلين وقائد الغر المحجلين صلوات الله عليه وسلامه وقد سمع سيدتنا العلية حسن اقدامك وكمال دينك وديانتك وخلوص طويتك وصفاء سيرتك وقيامك في الذب عن المسلمين وقمع اعداء الدين ولذلك الشأن حباك احساننا الشريف العالي السلطاني ورعاك جزيل فضلها السامي الخاقاني فأنعمنا عليك وعلى ولديك بثلاث خلع سنية لتكون صلة للمحبة منا وسبباً لنسج المودة بيننا، على ان اقصى مراد حضرتنا العلية ان تكون اهالي الاسلام وحماة دين النبي عليه السلام في ايام دولتنا العادلة في اكمل الراحة وأجمل الاستراحة آمنين مطمئنين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون ان شاء الله تعالى .... ) (١).
رابعاً: مرسوم السلطان العثماني بتقليد صالح رايس مقاليد الولاية:
بعث السلطان العثماني مرسومه الى العلماء والفقهاء وسائر رعايا الجزائر يعلمهم فيه بتقليد صالح رايس مقاليد الولاية وقد جاء في ذلك المرسوم مايلي: ( ... هذا مرسومنا .. ارسلناه الى العلماء والفضلاء والفقهاء والأئمة والخطباء وجميع العلماء والقواد والنقباء وسائر رعايانا بولاية الجزائر الغربية، زيد توفيقهم يتضمن اعلامهم ان صدقاتنا الشريفة العالية الخاقانية وعوارضنا السنية السامية السلطانية قد انعمت على مملوك حضرتنا العالية ومعتمد دولتنا القانية امير الأمراء الكرام ... صالح باشا دام اقبالاً، بولاية الجزائر لفرط شهامته وشجاعته وكمال قوته وصلابته وحسن سيرته وصفاء سريرته فوضنا إليه تلك الارض وأمرناه باحياء السنن والفروض والرعايا الذين هم ودائع الله تعالى وحفظ الثغور وسد خارق الأمور، لتكون رعايا أهل الاسلام ثمة في ايام دولتنا العادلة في اكمل الراحة، واجمل الاستراحة آمنين مطمئنين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، فليكونوا مع امير الأمراء المشار إليه على احسن حال واكمل اتفاق مراد حضرتنا قيام قاموس الشرع القويم والصراط المستقيم واحيائه مراسم الاسلام وطريقة سيد الانام وحفظ العباد وصون البلاد وقمع الكفرة الفجرة بكل ناد وتقبلوا ذلك وتعتمدونه والله تعالى هو الموفق بمنه ويمنه والعلامة الشريف حجة بمضمونه) (٢).
تحريراً في أوائل محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة الموافق يناير ١٥٥٢م.
 
المبحث السابع
سياسة صالح الرايس



عمل صالح رايس في سياسته الداخلية على تحقيق امرين:
١ - تحقيق الوحدة بصفة تامة مطلقة بين كل اجزاء الجزائر.
٢ - ادخال بقية اجزاء الصحراء الجزائرية ضمن هذه الوحدة حتى يتفرغ للاندلس، اما سياسته الحربية الخارجية فقد كانت ترمي الى ثلاثة اهداف:
أولها: ابعاد الاسبان نهائياً عن اراضي الجزائر.
ثانيهما: وضع حد فاصل للمشاغبات والمفاجأت التي تقوم بها الدولة المغربية السعدية.
وثالثها: اعلان نفير الجهاد العام والسير براً وبحراً على رأس الجيوش الاسلامية الى بلاد الاندلس (١).
ابتدأ صالح رايس في مستهل ولايته بتحقيق الوحدة الداخلية، واستطاع ان يخضع الامارات المستقلة لنفوذ الدولة العثمانية واصبح وضع العثمانيين في الجزائر أقوى مما كان عليه ثم بدأ صالح رايس في مخططه نحو المغرب الأقصى واستفاد من الظروف التي تمر بها تلك الديار ووقف مع احد افراد اسرة بني وطاس الذي فقد أمله في وقوف الاسبان والبرتغاليين معه.
وتحركت القوات العثمانية للوقوف مع ابي حسون الوطاسي وحصلت اصطدامات عسكرية بين قوات محمد الشيخ والقوات العثمانية قرب بادس التي رسا بها الاسطول العثماني إلا أن الهزيمة لحقت بالقوات السعدية، مما أفسح المجال امام العثمانيين لكي يواصلوا زحفهم نحو الداخل، وقبل أن تنتهي سنة ٩٦٣هـ/١٥٥٣م، سقطت مدينة تازة في يد العثمانيين الذين اشتبكوا مع السعديين في معارك متواصلة اهمها بكدية المخالي في ساحة فاس، عند ذلك تقدمت القوات العثمانية ومعها ابوحسون نحو فاس التي دخلتها في ٣ صفر سنة ٩٦٤هـ/ ٨ يناير ١٥٥٤م (٢).
واعلن الباب العالي ضم المغرب الى الدولة العثمانية بعد ان خطب الامام للسلطان العثماني (١).
ازداد فزع الاسبان والبرتغال لرؤية الاساطيل العثمانية وهي تسيطر على بعض الموانئ المغربية القريبة من مراكز احتلالهم التي سيطر عليها العثمانيين ومن ثم التوجه للاندلس، وقد جاء في الرسالة التي بعثها الملك البرتغالي (جان الثالث) الى الامبراطور شارل الخامس، مايدل على هذا الفزع اذ كتب إليه يحثه على التدخل في المغرب للحيلولة دون توطيد العثمانيين لاقدامهم في هذه البلاد، لان ذلك يشكل خطراً كبيراً على مصالح الأمتين (٢).
مكث صالح رايس بمدينة فاس اربعة اشهر ضمن خلالها استقرار الامور للدولة العثمانية، وفي خلال تواجده في فاس لم يترك الجهاد ضد الاسبان فأرسل فرقة من جيشه الى الريف المغربي استرجع من الاسبان معقلهم الكبير باديس او صخرة فالين كما يدعونها (٣)، كما حاول صالح رايس ان يستبدل الباشا العثماني ابا حسون بالشريف الادريسي الراشدي مولاي بوبكر، بناء على اقتراح المرابطين الصوفيين للقيام على حكم فاس باسم السلطان العثماني، إلا ان ثورة الأهالي اضطرت صالح رايس لاعادة بوحسون الى حكم فاس، فأذعن بوحسون لشروط العثمانيين بشأن الحفاظ على السيادة العثمانية من حيث الخطبة باسم السلطان العثماني واقامة حامية عثمانية في مقر بلاطة (٤).
تمهيده للعمل المشترك في استرداد الاندلس:
لم يكن صالح رايس يهتم قبل كل شيء إلا بمحاربة الاسبان، ولا يهدف من وراء أي عمل إلا جمع القوى الاسلامية من أجل تطهير البلاد من التواجد المسيحي، كان يرى قبل كل شيء وجوب طرد الاسبان من وهران، من النزول الى الاندلس، لكن كيف يتسنى له ذلك وسلطان السعديين بالمغرب يترقب به الفرص وسلطان قلعة بني عباس ببلاد مجانة يعلن انفصاله واستقلاله، ترامت لصالح رايس يومئذ الانباء عن ضعف القوى الاسبانية بمدينة مجانة، علاوة عن معاناة الحامية بالضيق فرأى صالح أن يغتنم الفرصة وأن يبدأ بتطهير الشرق من الاسبان قبل أن يطهر الغرب ولعل انقاذ بجاية سيكون له اثر في عودة ملك بجاية. .الى حظيرة الوحدة الاسلامية تحت ضغط السكان سار صالح رايس في ربيع اول سنة ٩٦٣هـ/ يناير ١٥٥٥م نحو مدينة بجاية على رأس قوة كبيرة بنحو ثلاثين ألف رجل عززهم في الطريق بالمجاهدين في امارة كوكو، فوطدت الجيوش العثمانية وحاصروا المدينة، بينما جاء الاسطول العثماني يحمل الاسلحة والمدافع بجانب الجيش وصوب المسلمين قذائفهم على القلعة (١) ودارت معركة عنيفة ونجح صالح رايس في انتزاع بجاية من الاسبان في ذو القعدة سنة ٩٦٣هـ/سبتمبر ١٥٥٥م، ولم يستطيع حاكم نابولي من نجدة حاكمها في الوقت المناسب (٢)، كما استسلم الحاكم الاسباني للقوات العثمانية (٣).
أولاً: مقتل بوحسون الوطاسي:
واجه بوحسون منافسة محمد الشيخ السعدي الذي جمع قوات من السوس والحوز واتى بجنوده الى ان وصل رأس الماء من احواز فاس (٤) وكان بوحسون بعد انسحاب العثمانيين قد اخذ في اعداد الجيوش وآلات الحرب الى ان قضت ثمانية شهور فأمر بالخروج لمواجهة مولاي محمد الشيخ والوصول الى مراكش ولما تقابل الجيشان قام بينهم قتال عظيم واستطاع بوحسون أن ينزل بالسعديين هزيمة شنيعة حتى استطاع أن يردهم على أعقابهم، ثم أرسل بوحسون لمولاي محمد الشيخ وقال له: أخرج أنت وأولادك الى لقائي وأنا أخرج إليكم بنفسي ونترك المسلمين بدون قتال، فتظاهر محمد ورجع الى والده وأخوته الستة الذين اجتمعوا على بوحسون فجعل يطاردهم حتى طمر به فرسه فسقط فطعنوه فأجتزوا رأسه وأتوا به جيشه، فأنهزموا بلا قتال، واخذ محمد الشيخ فاس (٥) وهكذا مات بوحسون بعد تسعة شهور من عودته لحكم فاس، وان كانت قد ضاعت بموته الفرصة الاولى لاعلان السيادة العثمانية على فاس، إلا ان احداث هذه الوقائع كانت تعني ان الفرصة مازالت واسعة امام العثمانيين لتطبيق غزوهم المحلي للمغرب، لاسيما وان محمد الشيخ السعدي باسم القضاء على الحزب العثماني بين المغاربة أنزل القتل في اكثر من مائتين من كبار اعيان فاس فضلاً عن الفقيهين المرينيين الى محمد عبد الوهاب الزقاق قاضي فاس، والى الحسن علي حزوز خطيب فاس (٦).
 
ثانياً: التعاون البرتغالي الاسباني السعدي ضد العثمانيين:
بعد عودة فاس للسعديين ظهر محمد الشيخ كخصم عنيد للعثمانيين، ومن المعارضين لسياستهم التوسعية في بلاد المغرب، بل والأكثر من ذلك انه اعلن اثر دخوله فاس بأنه عازم على الذهاب الى الجزائر لمنازلة العثمانيين هناك، فهذا التنافس السعدي العثماني على شمال افريقيا، بل وعلى الخلافة الاسلامية كان في صالح الاسبان والبرتغال، ولا عجب اذا رأينا بعد ذلك تقارباً بين هؤلاء جميعاً ضد العثمانيين (١).
بعث الملك جون الثالث رسالة الى حاكم مازكان البرتغالي الفارودي كالفولو رداً على الطلب الذي تقدم به المولى محمد الشيخ الى كل من مدريد ولشبونة لتزويده بقوات عسكرية ضد العثمانيين كما حددت الرسالة بعض الشروط التي يراها البرتغاليون لمساعدة السعديين كتسليم بعض المراكز البحرية المغربية مثل بادس بنيون والعرائش، بالاضافة الى تموين القوات المسيحية التي سيرسلها لمساعدته، وأخيراً يختتم الملك البرتغالي يوحنا الثالث بضرورة إخبار الأمبراطور الاسباني بذلك للتنسيق في عمل مشترك ضد العثمانيين، ونتيجة لهذا التقارب فقد عقدت هدنة بين السعديين والبرتغال بواسطة حاكم مازكان لمدة ستة أشهر وذلك في مطلع ٩٦٢هـ/١٥٥٥م، وظل مفعول هذه الهدنة زمناً طويلاً.
إذا كان حاكم مازكان هو الذي قام بدور الوساطة مع السعديين فإن المزوار بوغانم هو الذي كلف من قبل المولى محمد الشيخ بالوساطة مع الاسبان وأول رسالة للمنصور في هذا الصدد، تلك التي بعثها الى حاكم وهران الاسباني الكونت دي الكودين في مطلع ربيع أول ٩٦٣هـ/يناير ١٥٥٥م، وقد أخبر المزوار الكونت الاسباني بوصول رسائله وأنه أعلم بها المولى محمد الشيخ وابنه عبد الله الذين أعربا عن سرورهما لقدوم وفد اسباني للتفاوض معه، وقد ارسل حاكم وهران بالفعل الى فاس وفداً يتألف من ثلاثة أشخاص جاؤوا للاتفاق مع المولى محمد الشيخ حول إعداد حملة مشتركة اسبانية - مغربية ضد العثمانيين (٢).
وقد جاء في التقرير الذي رفعه الوفد للكونت حاكم وهران الاسباني الذي اشرف على سير المحادثات ( ... بعد أسلمناه الرسائل ... طلب إلينا الملك السعدي أن نقول له شفوياً عن سبب المهمة التي قدموا من أجلها الى فاس .. إننا جئنا استجابة لطلب مولاي
عبد الله والقائد منصور بن غانم حيث طلب من حاكم وهران إرسال بعض الرجال للتفاوض في أمر الجزائر.
أجابنا الشريف بأنه لايزال عند فكرته وأنه يرغب في طرد العثمانيين من بقايا افريقيا ومن أجل ذلك فهو يطلب من جلالة الامبراطور امداده بعشرة آلاف مقاتل مسلحين بأسلحة نارية، وأنه (أي الشريف) يرى بأنه من المناسب أن يقوم جلالة الأمبراطور بكل مايلزم لهؤلاء المقاتلين من نفقات، ذلك لأن طرد العثمانيين انما هو عمل تستفيد منه ممالك الأمبراطور والمسيحية جمعاء ... وطالت المذكرات كثيراً وأخيراً علمني القائد برشميده، بأن الشريف قد ادخر كثيراً من المال لمحاربة العثمانيين، وأنه يسعده أن يعين الأمبراطور على ذلك وأن الأمر مستعجل جداً ... ).
... جاء ذكر الجزائر ماذا نصنع بها بعد احتلالها، فكان من رأي الملك السعدي تحطيم هذه المدينة وإزالتها تماماً، أما أهلها فتؤخذ أموالهم، وإذا امتنعوا فيقتلوا ورفض الملك السعدي أن يؤخذوا عبيداً للمسيحيين، وذكر الوفد أن الأتراك أجانب عن البلاد وأنهم أعداء له فيجب معاملتهم معاملة الأعداء، أما العرب فيمكن أن تترك لهم حريتهم في حالة استسلامهم دون مقاومة. إلا أن الملك السعدي أوضح أنه لن يسمح أبداً بأن يصبح أي عربي عبداً، لأن هذا مخالف للشريعة) (١).
يتبين من خلال ذلك مدى حقد الشريف السعدي على العثمانيين، الذي لم يتورع في الاستنجاد بالقوى المسيحية اسبانيا والبرتغال في سبيل تحقيق أهداف شخصية، حتى لو كان على حساب عقيدته الاسلامية ومصالح المسلمين.
نتيجة لذلك التقرير فقد بعث الكونت الكوديت حاكم وهران ذلك الى الأمير فليب ابن الأمبراطور شارل مشفوعة بخطاب هذا نصه: ( ... يجب علينا أن نعتبر أنفسنا سعداء جداً في الوقت الذي يبذل فيه ملك فرنسا عدونا الألد كل جهوده للحصول على أسطول السلطان العثماني، حتى يهاجم ممتلكات جلالة الأمبراطور وكون أمير عربي يعرض علينا نفوذه في مهاجمة العثمانيين في الجزائر ومحاربتهم وابعادهم عن الأرض التي يحتلونها في افريقيا وذلك فيما إذا قدمنا له اثنى عشر ألف من المقاتلين الاسبان على حسابه، كذلك يتعهد الشريف السعدي في حالة الموافقة أن أبعث بأحد أبنائي رهينة لديه، وأن يصنع المال اللازم لتجهيز هذه الحملة بكل سرعة، بما أن هذه الصفقة ستجر خيراً عظيماً على جلالته. .وعلى المسيحية جمعاء فأنا لا أتردد في قبول طلب الشريف وأرسل إليه ابني رهينة حتى لو كنت على يقين أنه يريد أن يذبحه بل أنني وجميع من حولي مستعدين لتقديم أنفسنا كرهائن حتى لو كان الشريف يريد بيعنا عبيداً .... ) (١).
ثالثاً: المخابرات العثمانية تكتشف المؤامرة:
أطلع صالح ريس على تلك المؤامرة التي كانت تحاك ضد الدولة العثمانية بين ملك المغرب والاسبان والتي كان هدفها طرد العثمانيين من الجزائر، لأنه طالما أن الدولة في الجزائر معناه خطر على اسبانيا، فبعث صالح ريس للباب العالي يخبره بشأن تلك المحادثات، فكان جواب السلطان سليمان سريعاً وحاسماً بوجوب مهاجمة وهران قبل أن تستمر المحادثات بين الجانبين السعدي والاسباني عن نتيجة عملية، فأرسل السلطان سليمان أربعين سفينة لمساعدته في الاستيلاء على وهران والمرسى الكبير، ومنذ ذلك الوقت كانت الهجرة والتجنيد الطوعي من مختلف أنحاء الدولة العثمانية هي التي تغذي الأوجاق، الذي كان تبعاً لذلك يتجدد على الدوام (٢).
رابعاً: وفاة صالح ريس:
استعد صالح ريس لفتح وهران، وضم اسطوله الى جانب أسطول السلطان وصار لديه نحو سبعين سفينة، واجتمع لديه من الجند ما يقارب من اربعين ألف جندي، وكان ينوي من اتمام زحفه هذا بالمسير الى مراكش للقضاء على الفتن والاضطرابات واخضاعها لسلطانه، ولكن القدر لم يمهله فتوفى صالح ريس بالطاعون في شهر رجب ٩٦٣هـ/١٥٥٦م عن عمر سبعين سنة (٣).
إن الدولة العثمانية سعت الى ضم المغرب في نطاق توحيد البلاد الاسلامية والوقوف بها صفاً واحداً ضد الهجمات المسيحية، ذلك أن استقراره في قواعد بحرية تنتشر على طول سواحل المغرب الأقصى المطلة على المحيط الاطلسي، يعني في حقيقة الأمر نجاح الأساطيل العثمانية في اعتراض الطرق البرية للبرتغال أو اسبانيا مع العالم الجديد والشرق، من هنا نرى أن نجاح الفكرة كان يعتمد اساساً على وصول العثمانيين الى تلك السواحل ليشاركهم في ذلك المجاهدون الذين عملوا سنوات طويلة تحت أمرة أمراء البحر العظام، أمثال خير الدين.    وعروج بربروسا وصالح رايس (١).
قام القائد يحيى بإكمال خطة صالح ريس فأبحر نحو وهران وفي الطريق وصلت الأوامر السلطانية بتعيين حسن قورصو لمنصب بيلرباي، ووصلت الجيوش البرية والبحرية الى وهران وحوصرت حصاراً شديداً، إلا أنها لم تفتح رغم استعدادات العثمانيين الكبيرة وذلك بسبب النجدات المتواصلة التي كانت تبعثها اسبانيا الى المدينة المحاصرة (٢).
خامساً: احتلال محمد الشيخ السعدي لتلمسان:
انتهز الشريف السعدي محمد الشيخ فرصة عودة الأسطول العثماني الى استنبول فأسرع بإرسال جيوشه نحو تلمسان التي كان رجالها قد انضموا الى صفوف المجاهدين في محاولتهم لاسترجاع وهران فدخلها الشريف السعدي على غفلة ووضع على رأسها القائد ابن غنام زعيم القبائل بني راشد، ووزير آخر ملوك الزيانيين المحتمين باسبانيا، أما الحامية العثمانية الموجودة في تلمسان بقيادة القائد محمود صفا بك فقد استطاعت الصمود في وجه السعديين حتى احتوت ذلك الهجوم السعدي.
إن السعديين كانوا يرون في ضم تلمسان عاملاً قوياً في توطيد سيطرتهم على المغرب الشرقي لصد كل تدخل عثماني في المغرب بعكس العثمانيين الذين كانوا يرون في التمركز بتلمسان تدعيماً لوجودهم في الجزائر وقاعدة حصينة لغزو المغرب (٣)، باعتبارها أقرب نقطة للوصول للأندلس كما أن شواطئ المغرب الشمالية والغربية تعتبر قواعد رئيسية لتهديد المواصلات البحرية للبرتغاليين والاسبان (٤).
بدأت الدولة العثمانية بتغيير سياستها مع الحكام السعديين، عندما بعث السلطان سليمان القانوني برسالة الى سلطان الدولة السعدية يهنئه بما أحرزه من انتصارات ويعلمه لما كان عليه بنو مرين من الهدايا والرد والخدمة والميل إليه، وأن السلطان في نصرتهم وقد سبق وأن ظهر ذلك في آخر ملوك دولتهم أبي حسون، الذي زوده بأربعة آلاف جندي كان ذلك في محاولة من السلطان لتكوين اتحاد اسلامي كبير يواجه به الأخطار الخارجية، غير أن ذلك قوبل بالرفض من السلطان السعدي محمد الشيخ، الذي رد على مبعوث السلطان بقوله:
.(سلم على أمير القوارب سلطانك وقل له أن سلطان الغرب لابد أن ينازعك على محمل مصر ويكون قتاله معك عليه إن شاء الله ويأتيك الى مصر والسلام) (١).
يظهر من ذلك استياء محمد الشيخ الذي لم يكن يرى شرعية الخلافة العثمانية، كما أظهر طموح محمد الشيخ الذي كان يحلم بإمامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها (٢).
سادساً: مقتل محمد الشيخ:
قتل محمد الشيخ في عام ٩٦٤هـ/١٥٥٧م من قبل حرسه الخاص وتطورت الأحداث بالمغرب وخاصة فيما يتعلق بالدولة السعدية، إذ لم يعد هناك مجال للشك في أن العثمانيين إنما يسعون جادين للاستيلاء على المغرب لا باعتباره الجزء المتمم للشمال الأفريقي فحسب، بل ولأهميته الاستراتيجية كأقرب نقطة الى بلاد الاسبان والبرتغال (٣).
عودة حسن بن خير الدين الى الجزائر:
رأى السلطان العثماني ضرورة إعادة حسن بن خيرالدين الى الجزائر وذلك بعد مصرع حسن قور عام ٩٦٤هـ/١٥٥٧م بعد انقطاع استمر لعدة أعوام قضاها في الجهاد في مواطن اخرى، واستبشر الناس برجوعه، وشرع في ترتيب أمور الجزائر، فنظم الادارة، ورتب الجيش ترتيباً أعانه على ضبطه وبدأ في رحلته الجهادية ووضع أمامه هدفين عظيمين، تطهير الشمال الأفريقي من الوجود المسيحي واسترداد الأندلس لحوزة المسلمين (٤).
سابعاً: الثورات الداخلية في المغرب الأقصى:
اندلعت الثورات المناهضة للإمارة السعدية بعد مقتل محمد الشيخ في تارودانت، فقامت ثورة المولى عثمان في السوس بالجنوب في جمادى الأول عام ٩٦٥هـ/ فبراير عام ١٥٥٨م، وثورة المولى عمر في دبدو بالمشرق في رجب عام ٩٦٥هـ/ ابريل عام ١٥٥٨م وثورة المولى عبد المؤمن في مراكش في ربيع الأول عام ٩٦٦هـ/ ديسمبر عام ١٥٥٨م، ثم كانت المذبحة الجديد التي أنزلها عبد الله الغالب بثلاث من أخوته لرفضهم البيعة بولاية العهد لابنه محمد المتوكل، مما اضطر أخوته للهروب الى تلمسان والجزائر فهرب المولى عمر.  والمولى عبد المؤمن وعبد الملك وأحمد المنصور، وذلك خوفاً من القتل (١).
قصد عبد الله الغالب الى مراكش ثم تارودانت حيث انتقم من قتلة أبيه، كما قضى على ثورة السوس التي نزعها عثمان، ثم عاد سريعاً الى فاس لاعداد قواته، لصد الحملة العسكرية التي يقودها حسن بن خير الدين الذي حاول اغتنام فرصة الأحداث الداخلية المغربية لاحتلال البلاد (٢) وقامت بين الطرفين معركة على وادي اللين بالقرب من فاس لم تسفر عن شيء إلا أن حسن بن خير الدين الذي وصلته أنباء عن تحرك الاسبان من مدينة وهران بما يوشك أن يقطع عنه خط العودة، فذهب الجيش العثماني الى مرفأ قصاصة في الشمال فركب سفينة وعاد للجزائر بينما ذهب قائد تلمسان الى حاميته استعداداً للحوادث المقبلة (٣).
 
ثامناً: مقتل حاكم وهران الكوديت:
كان دو الكوديت حاكم وهران يدرك أن استرجاع العثمانيين لتلمسان يهدد الوجود الاسباني تهديداً خطيراً فقرر الاستيلاء على مستغانم التي جعلها العثمانيون قاعدة لهم للهجوم على وهران، وكان دا الكوديت يأمل أن يجعلها قاعدة للهجوم على الجزائر (٤) لذلك أعد قوة كبيرة تتكون من أثنى عشر ألف مقاتل وخرج على رأسها فهاجم مدينة مستغانم، إلا أن محاولته باءت بالفشل إذ تكبدت القوات الاسبانية في ذي القعدة عام ٩٦٥هـ/ أغسطس عام ١٥٥٨م خسائر فادحة وكان حاكم وهران الكوديت من بين القتلى، ورغم فشل الحملة الاسبانية ضد مستغانم فإن العثمانيين لم يعد لديهم أدنى شك في تواطئ المولى عبد الله الغالب بالله مع الاسبان مما جعلهم يتخذون جانب الحيطة والحذر عند محاولة القيام بمساعدة الثائرين ضد الحكام السعديين، فعندما ثار المولى عبد المؤمن في مراكش في ربيع الأول عام ٩٦٦هـ/ ديسمبر ١٥٥٨م واستنجد بوالي الجزائر الذي لم يمده بأية مساعدة عسكرية بل رحب به في بلاد الجزائر وزوجه بإحدى بناته ثم ولاه مدينة تلمسان (٥).  
 
المبحث الثامن
سياسة حسن بن خير الدين
في التضييق على الأسبان
أراد حسن بن خير الدين أن يغتنم فرصة انتصار مستغانم لتطهير المركز الاسباني في وهران وأخذ يستعد في مدينة الجزائر لجمع قوى جديدة منظمة منقادة الى جانب الجيش العثماني، فجند عشرة آلاف رجل من زواوة (١)، كما أنشأ قوة أخرى ووضع على رأسها أحد أعوان والده القدامى وفي الوقت نفسه حاول الحصول على تأييد القوة المحلية فتزوج من ابنة سلطان كوكو ابن القاضي وكان هذا الزواج يخدمه من ناحية اخرى في الاستعانة بقوة ابن القاضي لمواجهة زعيم قبلي آخر (عبد العزيز بن عباس) الذي أعلن استقلاله في المغرب (٢)، بذلك صار اسطول الدولة العثمانية يتردد دائماً على مدينتي حجر باديس وطنجة (٣).
عين حسن بن خير الدين في عام ٩٦٥هـ/١٥٥٨م بويحيى الرايس (٤) قائداً على باديس، فقام بتخريب الساحل الاسباني من قرطاجنة حتى رأس سانت فنست، وصار تحت قيادته في باديس عدة سفن وتلقب بحق سيد مضيق جبل طارق، وقد جاء في تقرير اسباني بقلم فرانسكوا دي ايبانير أن يحي يملك أربع سفن حربية الأولى بقيادته وعلى ظهرها ٩٠ عثماني مسلحين بالسهام والأقواس والمناجيق والثانية يقودها قره مامي وعلى ظهرها ٨٠ عثماني مسلحين بنفس الأسلحة والثالثة بقيادة مراد الرايس بقوة ٧٠ جندي، والرابعة تحمل نفس العدد وبنفس الأسلحة وبالاضافة الى هذه السفن الأربعة العاملة عبر مياه المضيق، كان في حوزة بويحي سفينتان في باديس ويقوم بصنع سفينة اخرى، ويتصل بنشاط سفن باديس سفن تطوان العرائش وسلا، ففي تطوان ثلاث سفن صغيرة، وفي العرائش ثلاث سفن اخرى على شاكلة سفن تطوان، وفي سلا سفينتان من النوع الآخر، إلا أن السفن.  ..  .الأخيرة لم تتبع قيادة بويحي ودعا حسن بن خير الدين السفن الحربية الاسلامية للنهوض بنشاط يستهدف تخريب سواحل الأندلس والاستيلاء على سفن الهند ورفع تجار اشبيلية نتيجة لذلك شكواهم للملك الاسباني يشكوون فيها الفظائع التي تركتها سفن باديس والسفن الاسلامية الأخرى ضد السفن الاسبانية على طريق الملاحة والتجارة الهندية (١)، ولم تستطع السفن العبور دون إذن من بويحي، فعم الخوف سكان الساحل الاسباني، لدرجة أن هؤلاء لم يكونوا يزرعون أراضيهم إلا بكل حذر، وغالباً ما كان العثمانيون يحاصرونهم أثناء عملهم وكذلك الصيادون لم يكونوا يبتعدون كثيراً عن الشاطئ (٢).
سياسة المولى عبد الله:
تابع المولى عبد الله سياسة والده الرامية الى مقاومة الهدف في المغرب والاستعانة في سبيل ذلك بأعداء العثمانيين من اسبان وبرتغال عن طريق مهادنتهم، والمحافظة على أحوال السلم معهم وقد دفعته سياسة المهادنة مع النصارى الى الاستجابة لكثير من المطالب التي تقدمت بها بعض الدول الأوروبية كفرنسا التي استقبل سفيرها وحمله الى الأمير أنطونيو دي بربون رسالة يعبر فيها عن استعداد المغرب للاستجابة للمطالب الفرنسية، ثم عقد الأمير الفرنسي معاهدة في شوال ٩٦٦هـ/ يوليو ١٥٥٩م مع المولى عبد الله الذي تنازل عن المرسى الصغير لفرنسا مقابل مده بالاسلحة والعتاد الحربي، وإرسال فرقة عسكرية تكون بمثابة حرس خاص للغالب، بعد ان فقد ثقته بالحرس التركي الذي سبق وأن أغتال والده محمد الشيخ كانت فرنسا بعد أن عقدت معاهدة كاتوكمبر سيس في ٢١ جمادى الأولى في سنة ٩٦٦هـ/ ١٣ ابريل ١٥٥٩م مع اسبانيا والتي أنهت الحرب الايطالية، أخذت تبحث عن أسلوب جديد يمكن الاعتماد عليه في حالة تجدد النزاع مع اسبانيا، خصوصاً وقد صار لفليب الثاني نفوذ قوى في اوروبا، لأن المعاهدة المذكورة دعمت نفوذ اسبانيا في ايطاليا والأراضي المنخفضة مما يهدد فرنسا، فأخذ في التقرب من المغرب البلد الاسلامي. ومما لاشك فيه أن فرنسا كانت ترى في المغرب حليفاً يمكن الاعتماد عليه، كما كانت ترى في ميناء القصر الصغير الاستراتيجي الذي لايبعد إلا بضع كيلومترات عن جبل طارق منطقة هامة يمكن إتخاذها للهجوم على اسبانيا.
ولعل ذلك كان سبباً في عدم قيام الدولة العثمانية بموقف إيجابي تجاه المعاهدة لأنها.  .كانت تأمل في أن تقوم فرنسا بدور الوسيط مع السعديين، فهدف الدولة العثمانية وفرنسا واحد في مسألة الهجوم على اسبانيا وإن اختلفت من الناحية العقائدية ففرنسا كانت ترغب في الهجوم على اسبانيا من أجل تحقيق نصر عسكري لتكون سيدة الموقف في غرب البحر المتوسط، بينما الدولة العثمانية تهدف الى انقاذ المسلمين من الحكام الاسبان ثم استرداد الاراضي الاسلامية في الأندلس حَوَّلَ حسن بن خير الدين انظاره سنة ٩٦٦هـ/١٥٥٩م وتحرك بجيوشه نحو النواحي التابعة لأمير قلعة بني عباس عبد العزيز فاستولى على المسيلة وحصنها وبني برجاً وذلك لتثبيت الوجود العثماني هناك، ووضع حامية بلغ عددها أربعمائة جندي، ثم عاد حسن بن خيرالدين متوجهاً الى بلاد حمزة في أنحاء بربرة، عندها انقض أمير قلعة بني عباس على الحصن العثماني ونشبت معارك بين الحامية العثمانية لقي فيها الأمير عبد العزيز بن عباس صاحب القلعة حتفه وخلفه أحمد مقران الذي أمتلك نواحي بلاد كوكو فاعترف به حسن بن خير الدين (١).
اشتدت حملة ازعاج تجارة المسيحيين من ناحية موانئ تونس والجزائر وذلك بالاغارة على السفن المسيحية، كما بعثت تلك الموانئ ببعض القوات العسكرية البرية وجزء من الأسطول، لمساندة السلطان في الشرق (٢).
أولاً: الاسطول العثماني يهاجم جربة في تونس:
قام الاسطول العثماني بقيادة بيالي باشا بالهجوم على جزيرة جربة في رمضان سنة ٩٦٧هـ/مايو ١٥٦٠م، ونجح الاسطول في تحقيق أهدافه ضد الاسبان (٣)، الذين لم يجدوا حرجاً من الاستنجاد بفرنسا (٤)، بعد ذلك كان من المقرر أن يقوم بيالي باشا ببعض الغارات في البحر المتوسط قبيل عودته لقسطنطينية، ولكن درغوث باشا الذي سبق وأن ضايقه الثوار في الداخل، أقنع بيالي باشا بالتوجه الى طرابلس لمساعدته في القضاء على التمرد قرب تاجوراء، وقد وصل بيالي باشا الى طرابلس وصول الفاتحين ودخلت السفن العثمانية المزينة بالأعلام والشارات التي غنمها من الاعداء بينما كانت أعلام الأعداء منكسة فوق سواري السفن وقام بيالي باشا بطرابلس أياماً قليلة كافية لمعاقبة سكان تاجوراء، ثم أقلع بأسطوله صوب عاصمته (٥).
 
ثانياً: اعتقال حسن خير الدين وأرساله الى استانبول:
استمر حسن خير الدين في استعداداته لمهاجمة المغرب، فشرع في تكوين قوة من رجال القبائل كان ينوي أن يوكل إليها حراسة الجزائر أثناء غيابه لعدم ثقته بالانكشارية، الذين احسوا بالخطر فقاموا في صيف ٦٩٦هـ/١٥٦١م بإعتقال حسن باشا وأعوانه وأرسلوه مقيداً الى استانبول ورافق حسن باشا عدد من زعماء الجند مهمتهم أن يوضحوا للسلطان الأسباب التي دفعتهم الى هذا التصرف متهمين حسن باشا أنه كان ينوي القضاء على الأوجاق والاعتاد على جيش محلي بغرض الاستقلال عن السلطان، لكن السلطان ارسل أحمد باشا مع قوة بحرية لمعاقبة المتمردين والقضاء على الفوضى ونجح احمد باشا في اعتقال زعماء التمرد وأرسلهم الى استانبول (١).
ثالثاً: عودة حسن بن خير الدين إلى الجزائر:
أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني حسن بن خير الدين الى بيلربكية الجزائر للمرة الثالثة في أواخر سنة ٩٧٠هـ/١٥٦٢م معززاً بعشرة سفن حربية ومزوداً بقوة عسكرية مسلحة (٢) قضى بعدها حسن بن خير الدين خمسة أشهر بعد عودته يهيء العدة والعتاد لمهاجمة وهران والمرسى الكبير وهما كل مابقي لاسبانيا ببلاد الجزائر (٣).
خرج حسن بن خير الدين في سنة ٩٧١هـ/١٥٦٣م من مدينة الجزائر نحو الغرب، يقود جيشاً كبيراً مؤلفاً من خمسة عشر ألف رجل من رماة البندقية وألف فارس من الصباحية تحت أمرة احمد مقرن الزواوي، واثنى عشر ألف رجل من زواوة وبني عباس، أما مؤن وذخيرة الجيش فقد حملها الاسطول العثماني الى مدينة مستغانم التي اتخذها قاعدة للعمليات وفي ١٣ ابريل وصل حسن خير الدين بكامل قوته أمام مدينة وهران وضرب حصار حولها، وكان الاسبان مستعدين لتلقي الصدمة وراء حصونهم وقلاعهم (٤)، بعد أن توالت النجدات الاسبانية والبرتغالية على وهران استجابة لنداء حاكمها، ومنذ أن صارت القوات العثمانية على مسافة مرحلتين، وبينهما كان البيلربك نفسه على بعد ست مراحل مما اضطر حسن بن خير الدين الى رفع الحصار قبل وصول المزيد من هذه النجدات التي. .اتخذت من مالطة مركزاً لتجمعها (١) وهكذا لم يستطع حسن بن خير الدين من تحقيق هدفه ذلك لأن فيليب الثاني كان قد وضع برنامجاً طموحاً للأسطول الاسباني، والبناء البحري في ترسانات إيطاليا وقطالونيا، كما وردت لخزانة اسبانية إعانة من البابوية واجتمعت سلطة قشتالة التشريعة في جلسة غير عادية، وأقرت وجوب امداد اسبانيا بمعونات مالية، لتساندها في حربها مع العثمانيين، ومما كانت ثمرة تلك المجهودات وإعادة التنظيم لهيكل اسبانيا وهزيمة العثمانيين في وهران سنة ٩٧١هـ/١٥٦٣م.
بدأ فيليب الثاني يستعد لاحتلال جزيرة باديس وتشجع بذلك النصر الذي حققه في وهران، وتوجه لذلك اسطولاً في نفس السنة ٩٧١هـ/١٥٦٣م، فقاومه المجاهدون مقاومة عنيفة، اضطرت الأسطول الى التراجع (٢) والجدير بالذكر أن جزيرة باديس كانت أقرب نقطة مغربية الى جبل طارق، وأنها كانت بالنسبة للمجاهدين ميناءً هاماً (٣)، إذ يمكنهم من خلالها العبور للأندلس، كما يمكنهم التسلل لداخل الأراضي الاسبانية لتقديم المساعدة للمسلمين هناك والذين أطلقوا على أنفسهم الغرباء، وهذا مادفع الاسبانيين الهجوم عليها من خلال محاولتهم السابقة كما كانت جزيرة باديس بالإضافة الى ذلك مثار رعب وخوف لدى السلطان السعدي الغالب بالله، إذ خاف السلطان أن يخرج الأسطول العثماني من تلك الجزيرة الى المغرب، فاتفق مع الاسبان أن يخلي لهم الادالة من حجرة باديس ويبيع لهم البلاد ويخليها من المسلمين، وينقطع اسطول العثمانيين في تلك الناحية (٤)، مقابل الدفاع عن شواطئ المغرب إذ هاجمها الاسطول العثماني الذي علم بتلك المؤامرة فانسحب ورجع الى الجزائر (٥) كما عزل بويحي رايس من منصبه في باديس في أواخر عام ٩٧١هـ/١٥٦٣م، وانصرف العثمانيون عن الحرب في غرب البحر المتوسط، إذ توجه نشاط الاسطول الحربي الى جزيرة مالطة في الشرق (٦). 
 
رابعاً: الصراع على مالطة:
كان السلطان العثماني سليمان القانوني قد عزم على فتح جزيرة مالطة التي كانت أكبر معقل للمسيحيين في وسط البحر المتوسط، والتي سبق وأن استقر فيها فرسان القديس يوحنا، فأرسل السلطان العثماني أسطوله بقيادة بيالي باشا نفسه، كما طلب من درغوث رايس حاكم طرابلس وجربة، وحسن خيرالدين أن يتوجها على رأس أسطوليهما الاسلاميين للمشاركة في عملية مالطة واخضاعها استعداداً لمنازلة بقية المعاقل الاسلامية بعد ذلك فسار حسن بن خير الدين على رأس عمارة تشمل ٢٥ سفينة وثلاثة آلاف رجل ووصل الاسطول الاسلامي أمام مالطة يوم ١٨ مايو وفرض الحصار عليها، واستمر الحصار ضيقاً شديداً الى أن جهزت المسيحية رجالها وأساطيلها ووصل المدد تحت قيادة نائب الملك في صقلية، برفقة اسطول تعداده ٢٨ سفينة حربية تحمل عدد كبير من المقاتلين ونشبت المعركة بين الطرفين، وتمكن الاسطول الأسلامي من الانسحاب في ١٨ ربيع الأول ٩٧٣هـ/٨ ديسمبر ١٥٦٥م (١).
خامساً: حسن بن خير الدين بربروسة القائد العام للأسطول العثماني:
خلف السلطان سليمان القانوني السلطان سليم الثاني، الذي اسند منصب القائد العام للأسطول العثماني الى حسن بن خير الدين؛ فترك الجزائر متوجهاً الى استانبول سنة ٩٧٥هـ/١٥٦٧م (٢)، وتولى منصب بيلر بي الجزائر بعد حسن بن خير الدين محمد بن صالح رايس، في ذي الحجة ٩٧٤هـ/يونيو ١٥٦٧م وصادف في تلك السنة انتشار الأوبئة والمجاعة، صحبها تمرد الجند العثماني واضرب الشعب، فاضطر الى صرف وقته في مواساة المصابين وتسكين الفتن، ثم فاجأت محمد صالح رايس ثورة عامل قسنطية المتأثرة بولاة تونس الحفصيين فعزله البيلر باي وقضى على ثورته وولى على قسنطنية القائد رمضان بن تشولاق، وفي ربيع الأول سنة ٩٧٥هـ/سبتمبر ١٥٦٧م، هاجم الاسبان مدينة الجزائر، إلا أنهم ردوا على أعقابهم، ثم لم تطل ولاية محمد صالح بن رايس، إذ تعين نقله الى ولاية أخرى في أنحاء الدولة (٣).
 
سادساً: قلج علي تولى بيلر بك الجزائر:
اسند منصب بيلربك الجزائر الى قلج علي في ١٤ صفر سنة ٩٧٦هـ/الموافق ٨ أغسطس ١٥٦٨م وعرف عنه بالعزم في تسيير الادارة والبطولة الحربية والشجاعة (١).
اتخذ قلج علي خطوات عملية لتنفيذ مشروع خطير للغاية وهو إعادة الحكم الاسلامي في اسبانيا وتحرير الشمال الافريقي من الجيوب الصليبية فوجه اهتمامه الى الأسطول أكثر من غيره وصار بعده مبعث قلق ورهبة للأوروبيين (٢)، كما انتزع من الفرنسيين حق احتكار المرجان بمركز القالة بسبب تماطلهم وتخلفهم عن دفع الضريبة لثلاث سنوات مضت وتصرفهم في المنطقة التي نزلوا فيها تصرف السادة (٣).
سابعاً: إعادة تونس للحكم العثماني:
صمم قلج علي على ضرورة تصفية القواعد الاسبانية في تونس، قبل أن يبدأ نشاطه في شبه الجزيرة الايبيرية (٤)، وذلك لتعبئة الدفاع عن طرابلس والجزائر وكان الاسبان قد اتخذوا من تونس نقطة ارتكاز وقاعدة انطلاق على العثمانيين في طرابلس والجزائر (٥)، لذلك لابد من تأمينها.
كان قلج علي على اتصال بالوزير الحفصي أبي الطيب الخضار ورأى ذلك الوزير أن فتح تونس قد حان وقته وأرسل الى قلج علي يهون عليه أمرها ويتعهد له بتقديم العون (٦).
جهز بيلربك الجزائر قلج علي جيشاً مؤلفاً من نحو سبعة آلاف مقاتل وزحف به نحو تونس فقابل سلطانها أبي العباس أحمد بباجة، ثم بعد قتال عنيف انهزم الأمير الحفصي وتقدم قلج علي بمجموعة نحو تونس وأخذ بيعة أهلها للسلطان سليم الثاني ورتب حامية لحراسة البلاد تحت رعاية حيدر باشا وعاد الى مقره بالجزائر (٧)، وبقيت منطقة حلق الواد بيد الاسبان، وكانت قوات قلج علي لاتكفي وحدها لتطهير البلاد من الاحتلال الاسباني، لذا فإنه كتب الى استانبول يطلب مده بقوة تكفي لتحرير الموقع (٨)، وكان. .اهتمام قلج علي بشرق الجزائر سياسة اختص بها من دون اسلافه، فكان يرى أنه لابد من تأمين ظهره ليتسنى له التقدم للغرب، ثم التوجه للأندلس، بعد أن يكون قد أضعف التواجد الاسباني في الشمال الأفريقي (١).
ثامناً: ثورة مسلمي الأندلس:
كانت حركة الجهاد في الشمال الأفريقي قد شجعت مسلمي الأندلس وفجرت طاقاتهم الكامنة وجعلتهم يتغلبون على الحواجز النفسية التي بنيت في نفوسهم على مر السنين وسادت الاقاليم الاسبانية موجة من الظلم والارهاب والفظائع، فهذه الحالة المربكة وماصاحبها من مظالم وويلات جعلت بقية مسلمي اسبانيا في الجنوب سواء من الذين ظلوا محافظين على دينهم أو المنتصرين ظاهرياً، يتأهبون للانقضاض على الحكم الاسباني (٢).
سادت اسبانيا ارهاصات ثورة المسلمين في غرناطة فشكل الملك الاسباني فيليب الثاني نوعاً جديداً من الميلشيات تقيم في كل مدينة من مدن اسبانيا لمواجهة الثورة بين الذين استقبلوا مبعوثين من ملك فاس لجمع الخراج على تبعيتهم في الولاء لسيادة الأمير السعدي، كما تلقى مسلمي الأندلس مساعدات عثمانية (٣)، اصبح الموقف صعباً بالنسبة لاسبانيا خاصة غرناطة ومما زاد الحالة خطورة أن بحرية فيليب الثاني كانت متفرقة في أنحاء بعيدة، وحصونه غير معززة والسواحل مكشوفة، خاصة الشواطئ الجنوبية موقع المجاهدين.
بعد أن أعيت النصارى كل الوسائل للقضاء على الروح الدينة لمسلمي الأندس وتحويلهم للمسيحية لجأوا الى العنف فحرموا على المسلمين التحدث بالعربية والاتصال بالمسلمين في الشمال الافريقي وفي بعض اقاليم اسبانيا كما حرموا على النساء الخروج الى الشوارع متحجبات وقفل أبواب دورهم وتحطيم الحمامات وإقامة الحفلات حسب تقاليدهم، كل ذلك فجر الثورة وقاد مسلمي الأندلس الى حرب البوشارات التي هي أهم حرب أو ثورة مسلحة قام بها المسلمون بعد سقوط غرناطة كانت هذه الحرب في ١٥٦٨م وتزعمها محمد بن أمية (٤).  ..تاسعاً: خيانة السلطان السعدي الغالب بالله لمسلمي الأندلس:
بذل السلطان السعدي الغالب بالله الوعود المعسولة لرسل الثوار البورشارات ووعدهم بالنصر وتقديم كل مايحتاجونه من عتاد وسلاح ورجال ... ، لكن استمر الغالب بالله محافظاً على روابطه الودية مع فيليب الثاني، وعمل على خذلان أهل الأندلس: (وأما أهل الأندلس وغشه لهم وتوريطهم للهلكة في دينهم وأقوالهم وأولادهم وفي نفوسهم فأمر مستعظم عند جميع من في قلبه ذرة من الايمان، وأدنى مملكة من الاسلام وذلك أنه لما احتوى عليهم النصراني، وأخذ جميع أراضيهم وشملها سلطانه، بقي المسلمون بضع سنين تحت الذمة والذلة فقهروهم بكثرة المكس، فصاروا يكتبون الى ملوك المسلمين شرقاً وغرباً وهم يناشدونه الله في الإغاثة وأكثر كتبهم الى مولاي عبد الله لأنه هو القريب الى أراضيهم، زمان قد قوي سلطانه وصحت أركانه وجندت أجناده وكثرت أعداده فأمرهم غشاً منهم بأن يقوموا مع النصارى ليثق بهم في قولهم ويظهروا فعلهم، فما قاموا على النصارى تراخى عما وعدهم به من الإغاثة وكذب عليهم وغشا منه لهم ولدين الله عز وجل ومصلحة لملكه الزائل وكانت بينه وبين النصارى مكاتبات في ذلك ومراسلات، وأنه استشار معهم وأشار عليهم أن يخرجوا أهل الأندلس الى ناحية المغرب وقصده بذلك تعمير سواحله ويكون لهم بمدينتي فاس ومراكش جيش عظيم ينتفع به في صالح ملكه) (١).
تسارعت الاحداث في اسبانيا، وبلغ عدد المجاهدين في أوائل سنة ٩٧٦هـ/١٥٦٩م أكثر من مائة وخمسين ألف، وصادف تلك الثورة صعوبات كبيرة بالنسبة للحكومة الاسبانية، إذ كانت غالبية الجيش متقدمة مع دوق البابا في الأراضي المنخفضة وأثبتت الدوريات البحرية أنها غير قادرة على حرمان الثوار المسلمين من الاتصال بالعثمانيين في الجزائر (٢).
عاشراً: قلج علي يقف موقف الأبطال مع مسلمي الأندلس:
كان قلج علي على اتصال مباشر بقيادة مسلمي الأندلس عبر قنوات خاصة أشرف عليها جهاز الاستخبارات العثمانية واستطاع هذا القائد أن يمد الثوار في اسبانيا بالرجال والاسحلة والعتاد، وتم الاتفاق مع مسلمي الاندلس على القيام بثورة عارمة في الوقت الذي تصل فيه القوات الاسلامية من الجزائر الى مناطق معينة على الساحل الاسباني (٣).
جمع قلج علي جيشاً عظيماً قوامه أربعة عشر ألف رجل من رماة البنادق وستين ألفاً من المجاهدين العثمانيين من مختلف أرجاء البلاد، وأرسلهم الى مدينتي مستغانم ومازغران استعداداً للهجوم على وهران ثم النزول في بلاد الأندلس، وكان يرافق ذلك الجيش عدداً كبيراً من المدافع وألف وأربعمائة بعير محملة بالبارود الخاص بالمدافع والبنادق.
وفي اليوم المتفق عليه وصلت اربعون سفينة من الأسطول العثماني أمام مرسى المرية الاسباني، لشد آزر الثورة ساعة نشوبها لكن أخفق ذلك المخطط وذلك بسبب سوء تصرف أحد رجال الثورة الأندلسيين إذ انكشف أمره فداهمه الاسبان، وضبطوا ماكان يخفيه من سلاح (١) بعد أن نجح قلج علي في انزال الأسلحة والعتاد والمتطوعين على الساحل الاسباني (٢)، لم تقع الثورة في الموعد المحدد لها، وضاعت بذلك فرصة مفاجئة الاسبان (٣).
لقد قام قلج علي في شعبان سنة ٩٧٦هـ/ يناير سنة ١٥٦٩م ببعث اسطول الجزائر لتأييد الثائرين في محاولتهم الأولى، وحاول انزال الجند العثماني في الأماكن المتفق عليها، لكن الاسبان كانوا قد عرفوا ذلك بعد اكتشاف المخطط فصدوا قلج علي عن النزول وكان الثورة في عنفوانها، وزوابع الشتاء قوية في البحر فالأسطول الجزائري صار يقاوم الاعاصير من أجل الوصول الى أماكن أخرى من الساحل ينزل بها المدد المطلوب، إلا أن قوة الزوابع أغرقت ٣٢ سفينة جزائرية تحمل الرجال والسلاح، وتمكنت ست سفن من انزال شحنتها فوق سواحل الأندلس، وكان فيها المدافع والبارود والمجاهدين (٤).
استمر قلج علي في امداد مسلمي الأندلس رغم الكارثة التي حلت بقواته، وتمكن ذلك المجاهد الفذ من انزال اربعة آلاف مجاهد من رماة البنادق مع كمية كبيرة من الذخائر وبعض من قادة المجاهدين العثمانيين، للعمل في مراكز قيادة جهاد مسلمي الأندلس (٥).
وعاد العثمانيون فأرسلوا دعماً جديداً من الرجال والسلاح وإعانة للثورة الاندلسية، فصدرت الأوامر الى قلج علي بذلك في ٢٣ شوال ٩٧٧هـ/٣١ مارس ١٥٧٠م ( ... عليك بالتنفيذ بما جاء في هذا الحكم حال وصوله وأن تعاون أهل الاسلام المذكورين بكل ما 
يتيسر تقديمه لهم وأن الغفلة عن الكفار أصابهم الدمار غير جائزة ... ) وكان القائد المجاهد قلج علي قد عزم على الذهاب بنفسه ليتولى قيادة الجهاد هناك لكن ماشاع عن تجمع الاسطول الصليبي للقيام بمعركة حاسمة مع المسلمين وأمر السلطان العثماني له بالاستعداد للمشاركة في هذه المعركة جعله مضطراً للبقاء في الجزائر منتظراً لأوامر استانبول (١).
وفي غمرة الثورة الاندلسية اتهم زعيم الثورة ابن أمية بالتقاعس عن الجهد وهاجمه المتآمرون وقتل في منزله واختير مولاي عبد الله بن محمد بن عبو بدلاً منه وبعث قلج علي تعزيزات له ونجح الزعيم الجديد في حملاته الأولى ضد النصارى الاسبان وطوق جيشه مدينة أرجيه.
انزعجت الحكومة الاسبانية لهذا التطورات وعينت دون جوان النمساوي على قيادة الاسطول الأسباني (وهو ابن غير شرعي للأمبراطور شارل) فباشر قمع الثورة في سنواتها ٩٧٧ - ٩٨٧هـ/١٥٦٩ - ١٥٧٠م، وأتى من الفظائع مابخلت بأمثاله كتب الوقائع فذبح النساء والأطفال أمام عينيه، وأحرق المساكن ودمر البلاد وكان شعاره لاهوادة وانتهى الأمر بإذعان مسلمي الأندلس، لكنه إذعان مؤقت، إذ لم يلبث مولاي عبد الله أن عاد الكرة، فاحتال الاسبان عليه، حتى قتلوه غيلة ونصبوا رأسه منصوباً فوق أحد أبواب غرناطة زمناً طويلاً (٢).
 
المبحث التاسع
المتوكل على الله ابن عبد الله الغالب السعدي
 
تولى أمر السعديين بعد وفاة عبد الله الغالب بالله ابنه المتوكل على الله الذي كان يضمر الشر لعميه عبد الملك ابي مروان وأحمد المنصور فخرجا من المغرب واتجها الى السلطان العثماني يستنجدوا به (١)، وما من شك في أن انتصار العثمانيين في تونس ضد الاسبان واستتباب الأمر فيها، قد شجعهم على مساعدة المولى عبد الملك المطالب بالعرش المغربي، لبسط نفوذه على البلاد، ولأن الاستيلاء على المغرب يؤمن الحدود الغربية للدولة العثمانية، ويوطد أقدام العثمانيين في مجموع الشمال الأفريقي علاوة على أن ضم المغرب من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب الاسبان والبرتغال ويبعثهم على طلب ود السلطان في استانبول (٢).
تابع المتوكل على الله خطة والده في التقرب من الدول المسيحية ومسالمتها لصد العثمانيين، حيث لم يعد لديه شك في أنهم سينجدون عميه بقوات عسكرية فعقد اتفاقاً مع انجلترا، التي كانت ترغب في تجارتها مع المغرب للفوائد التي تعود على التجار الانجليز من وراء ذلك، زيادة على أنها تدرك الأهمية العظمى التي للمغرب، خصوصاً وقد كانت انجلترا في حالة حرب ضد اسبانيا (٣) وتوقيع المتوكل للاتفاقية التجارية مع الانجليز، يعد العمل الوحيد الذي قام به خلال حكمه القصير، وقد فعل ذلك باعتبار أن الانجليز كانوا من بين التجار الاجانب الذي يبيعون مواد الحرب من ذخائر وأسلحة للمغاربة منذ زمن بعيد، ولا تخفى علينا حاجة المتوكل في هذا الوقت الى السلاح لصد الخطر العثماني ولمقاومة عمه المطالب بالعرش.
وجدت الدولة العثمانية في انشغال ملك اسبانيا فيليب الثاني بأحداث أوروبا الغربية
..