You are here

السنة النبوية فى مواجهة شبهات الإستشراق

kadernb's picture

 

 
“السُنَّة النبوية في مواجهة شُبُهَات الاستشراق
 
الأستاذ أنور الجندي
 
لقد جاءت الحملة الضارية على السُنَّة النبوية كجزء من خطة واسعة من مخطط التغريب والغزو الفكري الواسع المركز الذي يستهدف سيرة الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والشريعة الإسلامية والقرآن الكريم، والذي كشفت عنه مخططات التبشير والاستشراق منذ أكثر من قرن من الزمان، وقد جُنِّدَ له عدد ضخم من خصوم الإسلام من المستشرقين ومن دعاة التغريب واتباع مدارس الإرساليات في المشرق في” “محاولة يائسة لتدمير هذه المنابع الأصيلة من الفكر الإسلامي وبخاصة في مجال العقائد والقيم الأساسية التي قام عليها المجتمع الإسلامي.
 
«لقد جَنَّدَ الاستعمار بعض المستشرقين - كما يقول الدكتور مصطفى السباعي - لتسميم هذا المنبع الروحي، فنصبوا الفخ باسم البحث العلمي والتفكير الحر، وجاء نفر فوقعوا في الفخ، وراحوا يُرَوِّجُونَ بضاعة الغُزاة، إما عن جهل بحقيقة التراث الإسلامي، أو عن انخداع بالأسلوب العلمي المزعوم، وإما عن رغبة في الظهور بمظهر التحرر العقلي وشجاعة الرأي، وإما عن انحراف فكري ووجداني بتأثير الاستهواء».
 
ويثير الباحثون في هذا المجال إلى أنَّ الحملة على السُنَّة كانت قديمة، وإنَّ الذين جَدَّدُوهَا من المستشرقين ودُعَاةِ التغريب لم يزيدوا عن أنْ أعادوا ترديد الشُبُهات القديمة التي رَدَّدَتْهَا المجوسية والشعوبية ودُعاة التأويل والتشبيه والمتاجرون بالشُبُهات والمفتريات من قديم.
 
إنَّ هدف الغزو الفكري وحركة التغريب هي هدم مفهوم الإسلام الصحيح الجامع المترابط من القرآن والسُنَّة: بين النص القرآني المُنَزَّلِ، وبين السُنَّة التي يتمثل  فيها. “التطبيق العملي من حيث عمل الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبيانه، وتفصيل لما أجمل، وتوضيح ما بَلَّغَ أو تقييد لمطلق، أو تخصيص لعام: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (1).
 
ولقد تعددت جوانب الشُبُهات المثارة حول الشريعة وحول سيرة الرسول، وحول القرآن، وقد تولى علماء كثيرون دحض هذه الشبهات وكشف زيفها، ثم جاءت في السنوات الأخيرة تلك الدعاوى الزائفة التي تحاول أَنْ تقول: «إِنَّ القرآن وحده يكفي». وقد دأب قوم في السنوات الأخيرة إلى توجيه الاتهامات إلى مصادر السُنَّة ورجالها. وقد كتب هذه الأشياء مستشرقون لهم ولاء ديني معارض ومخالف للإسلام وللمسلمين، وقد اعتمدوا في ذلك على خيوط جمعوها من فكر المعتزلة وغُلاة الشيعة وحكايات الأدب التي كان مؤلفوها موضع الشُبهة في أمرهم وتخريجهم للحقائق، وكانت أبرز مَقَالاَتِهِمْ هي الاعتماد على كتب النوادر والمحاضرات والحكايات التي لم تؤلف لتأريخ الرجال ولم تُصَنَّفْ للتحقيق العلمي، والتي جمعت من المجالس وكانت مادة للتفكه والتسلية. وهذه لا يمكن أَنْ تُؤْخَذَ منها الأدلة والشواهد، وقد صدق من قال: إِنَّ علم الحديث لا يؤخذ من كتب الفقه وعلم التفسير، لا يؤخذ من كتب اللغة لأنَّ لكل علم مصادره التي تعرف منها حقائقه وقضاياه. أما الاعتماد على " حياة”.“الحيوان " للدميري، أو " ثمار القلوب " للثعالبي أو " مقامات " بديع الزمان للفصل في قضايا السُنَّة فذلك هو التزييف الشديد.
 
ولقد كانت ظاهرة تسجيل أحاديث القُصَّاصِ ونوادر المجالس من السموم الناقعات التي أفسدت العلم الصحيح واعتمد عليها أهل الباطل، حتى قال ابن الجوزي: «ما أمات العلم إلا القصاص». وللسيوطي كتابه " تحذير الخواص من أكاذيب القُصاص "، وقد أورد فيه فصلاً في إنكار العلماء على القُصاص ما أورده من أباطيل.
 
وحين تراجع تلك الشبهات المثارة حول السُنَّة فيما أورده محمود أبو رية، أو حول الشريعة الإسلامية فيما أورده علي عبد الرازق، نجد واضحًا أَنَّ النصوص كلها المعتمد عليها مستمدة من كتب الروايات، ونوادر المجالس، لا من كتب السُنَّة أو الفقه، وذلك هو المنهج العلمي الذي قدمه المستشرقون وأتباعهم لتزييف المفاهيم الأساسية والأصيلة بالاعتماد على كتب " ألف ليلة وليلة " و " الأغاني " وغيرها من كتب الشُعُوبِيِّينَ واعتبارها مراجع لمُضاهات العلم الصحيح، وإثارة الشُبُهات في وجه الحقائق العلمية الأصلية. ونحن نجد أَنَّ كل الذين حملوا لواء الشُبُهات حول السُنَّة النبوية قد اعتمدوا على مصدر أساس هو كتاب جولدتسيهر " العقيدة والشريعة " الذي ترجم وطبع بتوجيه  “الدكتور طه حسين إبان إشرافه على «دار الكاتب المصري» اليهودية، وقد نقل أحمد أمين كثيرًا من الشبهات عن الحديث النبوي في كتابيه " فجر الإسلام " و " ضُحَاهُ " كما نقل عنه الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ".
 
وقد رَدَّدَتْ هذه الشبهات كُتُبٌ عِدَّةٌ: منها جورجي زيدان في كتابه " تاريخ التمدن الإسلام "، وإبراهيم اليازجي في كتابه " حضارة الإسلام في السلام " وفليب حتي في كتابه " تاريخ العرب المطول "، وَرَدَّدَ هذه الأفكار: كُتَّاب " دائرة المعارف الإسلامية "، وكارل بروكلمان في كتابه " تاريخ الشعوب الإسلامية " ومؤلف كتاب " السيادة العربية " (1) وكريمر في كتابه " الحضارة الإسلامية ".
 
ولا ريب أَنَّ هذه المؤلفات كلها تحمل أهواء الاستشراق والغزو الفكري في محاولة انتقاص السُنَّة النبوية، إلى جانب الشريعة والقرآن وتاريخ الرسول والفكر الإسلامي كله، ولا ريب أَنَّ دعوتها إلى إثارة الشبهات حول الحديث النبوي والدعوة إلى الاكتفاء بالنص القرآني عمل خطير، هو محاولة للفصل بين النص والتطبيق في الإسلام، وهو أخطر الجوانب وأهمها: هذا التطبيق المتمثل في «الأسلوب» الذي اتبعه الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تنفيذ النص القرآني، ومن هنا فإنَّ النص القرآني وحده لا يكفي المسلمين اليوم، ولا يحقق لهم إسلامًا”.   “حقيقيًا، هذا فضلاً عن أَنَّ السُنَّة جزء من القرآن بنص القرآن {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (1).
فهذا البيان الذي يفسر للناس ويطبق، هو بإقرار القرآن نفسه جزء أساسي، وحين يراجع الباحث كتابات المستشرقين يجد أَنَّ موقفهم من السُنَّة هو جزء من موقفهم من القرآن وسيرة الرسول تمامًا، فإنَّ السُنَّةَ هي جزء من حياة الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي تفسير للقرآن، فلا بُدَّ أَنْ تنالها الشبهات وتصل إليها السموم وعوامل التزييف. يقول العالم الفرنسي المسلم إتيان دينيه: «إِنَّهُ مِنَ العَسِيرِ أَنْ يَتَجَرَّدَ المُسْتَشْرِقُونَ مِنْ عَوَاطِفِهِمْ وَنَزَعَاتِهِمْ عِنْدَمَا يُؤَرِّخُونَ حَيَاةَ الرَّسُولِ أَوْ يَدْرُسُونَ سُنَّتَهُ».
 
وقد صَرَّحَ في مقدمة كتابه " تاريخ حياة سيدنا محمد ": «إِنَّهُ مِنَ المُتَعَذََّرِ بَلْ مَنْ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَتَحَرَّرَ المُسْتَشْرِقُونَ مِنْ عَوَاطِفِهِمْ وَنَزَعَاتِهِمْ المُخْتَلِفَةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ تَحْرِيفُ بَعْضِهِمْ لِسِيرَةِ مُحَمَّدٍ - صَلََّىَ اللََّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ - مَبْلَغًا غَطََّىَ عَلَىَ الوَاقِعِ وَأَخْفَى الصُّوَرَةَ الحَقِيقِيَّةَ، وَذَلِكَ بِالرَّغْمِ مِمَّا يَزْعُمُهُ المُسْتَشْرِقُونَ مِنْ اتِّبَاعِهِمْ لأَسَالِيبِ النَّقْدِ البَرِيئَةِ وَلِقَوَانِينَ البَحْثِ العِلْمِيِّ المُحَايِدِ».
 
وقد عرض إتيان دينيه لكثير من اتهاماتهم للنبي وَرَدَّ عليها واتَّخَذَ من (لاَمَنْسْ) مثالاً واضحًا على صحة ما ذهب إليه وحكم به.
 
تتركز شكوك المستشرقين في السُنَّة حول تأخر تدوين الحديث، فهم يرون أَنَّ تأخر تدوين الحديث الذي بدأ في” “المائة الثانية للهجرة أعطى فرصة للمسلمين ليزيدوا وينقصوا في الحديث وفي وضع أحاديث لخدمة أغراضهم.
يُرَدِّدُ هذا جولدتسيهر ودُوزِيِ وشبرنجر.
 
وقد شك جولدتسيهر في صحة وجود صحف كثيرة في عهد الرسول، راميًا من وراء ذلك إلى إضعاف الثقة باستظهار السُنَّة وحفظها في الصدور، وهو يرمي أيضًا إلى وصم السُنَّة (أو أغلبها) بالاختلاق والوضع على أَلْسِنَةِ المُدَوِّنِينَ، وهو يزعم أَنَّ هؤلاء المُدَوِّنِينَ لم يجمعوا من الأحاديث إِلاَّ ما يوافق هواهم، ويرى شبرنجر في كتابه " الحديث عند العرب " أَنَّ الشروع في التدوين وقع في القرن الهجري الثاني وأَنَّ السُنَّةَ انتقلت بطريق المشافهة. أما دُوزي فهو ينكر نسبة هامة (التركة المجهولة) كما يُسَمِّيهَا من الأحاديث إلى الرسول. وقد رَدَّ كثير من الباحثين المسلمين داحضين هذه الأهواء المُوغلة في الحقد والخصومة، رَدَّ عليهم مصطفى السباعي، وأبو الحسن الندوي، وصُبحي الصالح وعشرات:
أولاً - ما أورده الدكتور مصطفى السباعي حين قال: «حرص الصحابة على حفظ حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونقله وحرص التابعين وتابعي التابعين” “فمن بعدهم، على نقل هذا الحديث وجمعه وتنقيته من شوائب التحريف والتزيد، وما قام به علماء السُنَّة من جهود جبارة في تتبع الكذابين والوضَّاعين، وفضح نواياهم ودخائلهم، وبيان ما زادوه في السُنَّة من أحاديث مكذوبة، حتى جمعت السُنَّة في كتب صحيحة، وأشبعها النُقَّاد بحثاً وتمحيصاً، ثم خرجوا من ذلك إلى الاعتراف بصحتها والتسليم بها، إذا أمعنت النظر في ذلك كله، أيقنت أنَّ هؤلاء المستشرقين يخبطون في أودية الأوهام، ويتأثرون بأهوائهم [وتعصبهم في الحكم على حقائق يعتبر العبث بها في نظر المحقق المنصف إسفافاً وتلاعباً بالعلم، وإخضاعاً لحقائق التاريخ إلى نظريات الهوى والعصبية] (1).
 
ثانيًا - ما أشار إليه السيد أبو الحسن الندوي من أَنَّ الصحابة بدأوا في تدوين الحديث في عهد النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكانت هناك مجموعات من الأحاديث لعدد من الصحابة منها " الصحيفة الصادقة " لعبد الله بن عمرو بن العاص، وكان لِعَلِيٍّ بن أبي طالب صحيفة، وكان لأنس ولعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله، لكل منهم صحيفة، وهناك " صحيفة هَمَّاٍم بْنِ مُنَبِّهٍ، فإذا جمعت هذه الصحف والمجاميع كونت العدد الأكبر من   “الأحاديث التي جمعت في الجوامع والمسانيد والسُنن في القرن الثالث، وقد تحقق أَنَّ المجموع الأكبر من الأحاديث سبق تدوينه ونسخه من غير نظام وترتيب في عصر الرسول وفي عصر الصحابة، وقد شاع في الناس حتى المثقفين والمؤلفين أنَّ الحديث لم يكتب ولم يسجل إلاَّ في القرن الثالث الهجري ...
وأحسنهم حالاً من يرى أنه كتب في القرن الثاني وما نشاهد هذا الغلط إلاَّ عن طريقين:
 
الأول: أَنَّ عامة المؤرخين يضطرون إلى ذكر مُدَوِّنِي الحديث في القرن الثاني ولا يُعْنُونَ بذكر هذه الصحف والمجاميع التي كتبت في القرن الأول لأنَّ عامتها فقدت أو ضاعت مع أنها اندمجت وذابت في المؤلفات المتأخرة.
 
الثاني: أَنَّ المحدثين يذكرون عدد الأحاديث الضخم الهائل الذي لا يتصور أَنْ يكون في هذه المجاميع الصغيرة التي كتبت في القرن الأول؛ مع أَنَّ عدد الأحاديث الصحاح غير المتكررة المتحررة من المتابعات لا يزال قليلاً، فحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مثلاً يُرْوَى من سبعمائة طريق، فلو جَرَّدْنَا مجاميع الأحاديث من هذه المتابعات والشواهد لبقي”. “عدد قليل من الأحاديث، فـ " الجامع الصحيح " للبخاري لا تزيد الأحاديث التي رويت بالسند الصحيح فيه عن ألفين وستمائة وحديثين. وأحاديث " مسلم " يبلغ عددها أربعة آلاف حديث. ومعظم هذه الثروة الحديثية قد كتب ودُوِّنَ بأقلام رُوَاةِ العصر الأول، وقد يزيد ما حفظ في الكتب والدفاتر كتابة وتحريرًا في العصر النبوي وفي عصر الصحابة على عشرة آلاف حديث إذا جمعت في صحف ومجاميع أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعلي وابن عباس.
 
وبذلك يمكن أَنْ يقال: إِنَّ ما ثبت من الأحاديث الصحاح وما احتوت عليه مجاميعها ومسانيدها قد كُتِبَ وَدُوِّنَ في عصر الصحابة قبل أَنْ يُدَوَّنَ " الموطأ " و " الصحاح " بكثير.
 
وكانت الخطوة التالية أَنْ قام المحدثون فَنَقَّبُوا في البلاد في البحث عن الروايات، المختلفة والأسانيد الصحيحة وكان لهم في ذلك هيام وغرام لم يعرف عن أُمَّةٍ من الأمم في التاريخ من التجول في البلاد والسفر في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ولم يقتصروا على جمع الحديث وتدوينه بل”. “تَعَدَّتْ عنايتهم إلى الوسائط التي وقعت في رواية الحديث وهم الرُوَاةُ الذين رَوَوْا هذه الأحاديث، فعنوا بمعرفتهم ومعرفة أسمائهم وأسماء آبائهم وحوادث حياتهم وأخلاقهم ومكانتهم في الأمانة والصدق والحفظ، وهكذا ظهر علم أسماء الرجال إلى الوجود وكان من مفاخر هذه الأمة التي لا يشاركها فيها أُمَّةٌ من الأمم كما يقول الدكتور شبرنجر في مقدمته لكتاب " الإصابة ". وكان هؤلاء المحدثون أقوياء وعلى جانب عظيم من الصبر والجَلَدِ واحتمال المشاق وقوة الذاكرة، وكانت عندهم نهامة للعلم وحرص زائد على اقتباسه والتقاطه من موضعه.
 
وهكذا نجد أَنَّ الشُبْهَةَ التي اعتمدوا عليها في مهاجمة السُنَّة فاسدة ومُضَلِّلَةٌ ولم يكن لها أي أساس علمي أو تاريخي.
 
ولعل من الخرافات التي جرى وراءها المستشرقون وأتباعهم فرحين بأنهم التقطوا شيئًا ما، هو ما أطلقوا عليه " معراج ابن عباس " والكتاب مكذوب، لا يتداوله إِلاَّ عامة الناس، وليس له سند يربطه به، ولا رواية ترقى إليه، وقد احتفل به المستشرقون ثم تَبَيَّنَ لهم زيفه.
ولقد عرف عن هؤلاء المستشرقين طابع التحامل الواضح”.   “وتزييف النصوص في محاولة دعم شُبُهَاتِهِمْ، ومن أقوى الأمثلة على ذلك: أَنَّ جولدتسيهر حَرَّفَ عبارة الإمام الزُّهْرِي: «إِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ)» إلى لفظ: «عَلَى كِتَابَةِ (أَحَادِيثِ)» فضلاً عن اتهامه الإمام الزُّهْرِي بأنه واضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاءً لعبد الملك بن مروان ضد ابن الزبير، مع أَنَّ الزُّهْرِي لم يلق عبد الملك إلاَّ بعد سبع سنوات من مقتل [ابن] الزُبير.
 
أما القول الذي يتردد على ألسنة أصحاب الشُبُهات مثل قولهم: «لِنَرْجِعْ إِلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ وَلكِنْ يَجِبُ أَلاَّ نَجْعَلَ مِنْ أَنْفُسِنَا مُتَعَبِّدِينَ لِلْسُنَّةِ» فإنَّ هذا القول، كما يقول العلاَّمة محمد أسد (ليوبولد فايس) «يكشف بكل بساطة عن جهل بالإسلام، إنَّ الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلاً يريد أَنْ يدخل قصرًا ولكنه لا يريد أَنْ يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أَنْ يفتح الباب!!» ويتساءل: «هل هناك مبرر علمي لرفض الحديث على أنه مصدر يستند إليه الشرع الإسلامي؟» ثم يجيب: «إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تَحَدِّي الحديث على أنه نظام ما، فإنَّ أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أَنْ يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث”  “العلمي، لأنَّ الجامعين لكتب الحديث الأول - خصوصًا الإمامين البخاري ومسلما - قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضًا أشد كثيرًا من الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوروبيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم. ويكفي أَنْ نقول أنه نشأ من ذلك «علم تام الفروع» غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول وشكلها وطريقة روايتها. وإِنَّ رفض الأحاديث الصحيحة جملة واحدة أو أقسامًا ليس حتى اليوم إلاَّ قضية ذوق، وإِنَّ السبب الذي يحمل على مثل هذا الموقف من المعارضة بين كثيرين من المسلمين المعاصرين يمكن تتبعه إلى مصدره، إنَّ السبب يرجع إلى استحالة الجمع بين طريقة حياتنا وتفكيرنا الحاضرة المتقهقرة وبين روح الإسلام الصحيح. ولكي يستطيع نقدة الحديث المُزَيَّفُونَ أَنْ يُبَرِّرُوا قصورهم وقصور بيئتهم، فإنهم يحاولون أَنْ يزيلوا ضرورة اتِّبَاع السُنَّة، لأنهم إذا فعلوا ذلك كان بإمكانهم حينئذٍ أَنْ يَتَأوَّلُوا تعاليم القرآن الكريم كما يشاؤون على أوجه من التفكير السطحي أي حسب ميول كل واحد منهم وطريقة تفكيره هو، ولكن تلك المنزلة الممتازة التي للإسلام على أنه نظام خلقي وعملي ونظام شخصي واجتماعي تنتهي بهذه الطريقة إلى التهافت والاندثار، وإنَّ الذين خلبتهم المدنية”. “الغربية لا يجدون مخرجًا من مأزقهم إلاَّ برفض السُنَّة على أنها غير واجبة الاِتِّبَاعِ بين المسلمين، ذلك لأنها قائمة على أحاديث لا يُوثَقُ بها، وبذلك يصح تحريف تعاليم القرآن الكريم لكي تظهر موافقته لروح المدنية الغربية أكثر سهولة».
 
وهذا هو الخطر الكامن وراء مهاجمة السُنَّة وإثارة الشُبْهَةِ حول الحديث النبوي.
لا مشاحة أَنَّ السُنَّةَ النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن باعتباره عقيدة وباعتباره تشريعًا وباعتباره أخلاقًا، وقد أشار النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى هذا المعنى في قوله الشريف: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
 
وقد كان جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ينزل على رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسُنَّةِ كما ينزل عليه القرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن. قال الإمام الشافعي: «وَسُنَنُ رَسُولِ اللََّهِ - صَلَّىَ اللََّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ - وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصُّ كِتَابٍ فَاتَّبَعَهُ رَسُولُ اللََّهِ - صَلَّىَ اللََّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ - كَمَا أَنْزَلَ اللََّهُ، وَالآخَرُ جُمْلَةً، بَيَّنَ رَسُولُ اللََّهِ فِيهِ عَنْ اللََّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِالجُمْلَةِ وَأَوْضَحَ كَيْفَ فَرْضُهَا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَكَيْفَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بِهِ”.   “العِبَادُ وَكِلاَهُمَا اتَّبَعَ فِيهِ كِتَابَ اللِه».
 
ولقد كان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَيِّنُ للناس القرآن عقيدة وشريعة وأخلاقًا على وجوه شتى وعلى أنحاء مختلفة وعلى أساليب متعددة، يُبَيِّنُ لهم ذلك بسلوكه وبقوله وبإقراراته، يقول: «مَا تَرَكْتُ شَيْئاً مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلاَّ وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلاَ تَرَكْتُ شَيْئًا - مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ. إِلاَّ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ» (1).
 
وقد عَلَّمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس بثلاث طرق: تعليماته الشفوية التي هي أقواله، وسلوكه الشخصي الذي هو أعماله، وسكوته الذي يعني موافقته الحكيمة على أفعال غيره من الناس، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: «إِنَّ الأحاديث النبوية مرتبطة في الإسلام بالقرآن كما ترتبط قوانين الدولة بدستورها، فالقرآن يأمرنا بالرجوع مباشرة للحديث النبوي لأخذ التعليمات المفصلة منه فيما يتعلق بأكبر فرضين أساسيين: الصلاة والزكاة (الصلاة واجبنا تجاه الله والزكاة تجاه مجتمعنا) والقرآن يُقِرُّ السُنَّة ويمنحها حق إيضاح فرائض القرآن العامة والتعريف بها، ولولا السُنَّة لظلت النصوص القرآنية غير مفهرسة ولبقيت مجملة».
 
ويقول الدكتور عبد الحليم محمود: «كان بيان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشتمل على بيان ما أجمل في كتاب الله، أجمل القرآن الصلاة.  “والزكاة والحج وفَصَّلَهَا رسول الله. بين ما فرض من الصلوات ومواقيتها وسُنَنِهَا وعدد ركعاتها، والزكاة ومواقيتها وكيف عمل الحج والعُمرة، كان يُبَيِّنُ كيفية الصلاة بقوله: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، وفي الحج: " خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ "، وفرض الله سبحانه الزكاة ولم يُبَيِّنْ مقاديرها ولم يذكر بالتفصيل الزروع والثمار والأموال التي تجب فيها، وقد بَيَّنَتْ السُنَّةُ أَنَّ القاتل لا يرث وأَنَّ الوصية لا تكون في أكثر الثلث وأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ على الوصية»
 
ومما يروى أَنَّ عمران بن حصين قال لرجل يريد أَنْ يقتصر على القرآن دون السُنَّةِ: «إنك أمرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة؟» ثم عدَّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا.
 
وقد أشار القرآن إلى مكانة السُنَّة وإلى مهمة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تفصيل ما أجمل القرآن وذلك في آيات بَيِّنَتٍ:
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (1).
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2).
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (3).
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (4).
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو”.   “اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (1).
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (2).
 
ويقول الدكتور عبد الجليل شلبي: «إِنَّ الأية الكريمة: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3) تدل على أَنَّ وظيفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوَضِّحَ للناس الأحكام التي نزلت إليهم في القرآن الكريم، وكان لا بُدَّ أَنْ يفعل رسول الله وإِلاَّ لم يكن مُبَلِّغًا من عند الله وقد كان هذا البيان بالقول والعمل معًا. فالسُنَّةُ إذن مرجع الشريعة الكامل وبيانها الموضح كما أَنَّ السُنَّة جزء مكمل للقرآن وهي من عند الله تبارك وتعالى كما أَنَّ القرآن من عنده».
 
وقد أشار الأئمة الأعلام إلى أنه لا يرى قول الإمام من أئمة المذاهب في القرنين الثاني والثالث إِلاَّ وقد سبقه إليه صحابي أو تابعي، وإِنَّ مكانة السُنَّة النبوية والحديث من الشريعة الإسلامية لا تخفى، وأثرها في الفقه الإسلامي منذ عصر النبي والصحابة حتى عصور الاجتهاد ... واستقرار المذاهب، وَإِنَّ من يَطَّلِعُ على القرآن والسُنَّةِ يجد أَنَّ السُنَّةَ”.  “الأثر الأكبر في اتساع دائرة التشريع الإسلامي وعظمتها وخلوده، هذا التشريع العظيم الذي بهر أنظار علماء القانون في جميع أنحاء العالم هو ما حمل ويحمل أعداء الإسلام في الماضي والحاضر على مهاجمة السُنَّة والتشكيك في صحتها ورُواتها من أعلام الصحابة.
 
هذا وبالله التوفيق،،،
 
أنور الجندي.”